رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

فرص العمل والأجيال القادمة

إننا نعيش فى عصر تتضاعف اعداد البشر فيه بشكل غير مسبوق مقارنة بما كان الوضع عليه فى قرون سابقة ويزداد تعداد سكان المدن الحضارية او نسبتها من تعداد السكان العالمى بما يقرب من نحو 2% كل خمس سنوات. وتتوقع الأمم المتحدة ومستشارو مجلة الإيكونيميست ان يصل تعداد سكان مصر الى نحو 200 مليون نسمة بحلول سنة 2050، وأن يصل تعداد سكان العالم نحو 10 مليارات نسمة أى زيادة بنسبة تزيد على 40% عن الوقت الحالي. وهناك رسم بيانى اخرجته مجلة الجارديان البريطانية يسجل فيه تطور تعداد سكان العالم على مدى القرون السابقة. ويوضح هذا البيان تزايد هذا العدد بشكل يبدو انه غير طبيعى وخاصة بعد ما نرى انه كان هناك استقرار فى زيادة التعداد السكانى ما قبل عام 1950 و فى القرون السابقة،وبعيدا عن أسباب هذا التطور السريع الذى قد ينسب اليه العديد من الأسباب مثل زيادة القدرة الإنتاجية فى الزراعة والمنتجات الغذائية والتقدم فى وسائل النقل مما يجعل سكان الريف ينتقلون بسهولة الى المناطق الأكثر كثافة او بدء عصر التصنيع فى العالم بصفة عامة وزيادة انتاج البترول بصفة خاصة وإيجاد كل احتياجات الحياة التى تطلبها منظومة التصنيع والحضارة. وهنا نجد أنفسنا أمام سؤال قد يفرض علينا إجراءات اولية لإنقاذ مجتمعنا ومستقبلنا والسؤال هو من اين نجد فرص عمل الأجيال المقبلة؟.

فلنأخذ فكرة مطروحة فى دوائر اقتصادية كثيرة وهى الأكثر انتشارا فى العالم والأكثر نجاحا فى دول مثل المانيا والدنمارك ونيوزيلاندا والنمسا وغيرها من الدول وهى السياسات الخاصة بزيادة العمالة فى الشركات الصغيرة ومتناهية الصغر والمتوسطة. والكثير من هذه الدول تهدف الى زيادة نسبة هذا القطاع وهذا النوع من الشركات وفى زيادة العمالة فيها.وإذا اخذنا المانيا كنموذج فسنرى أن 99.5% من الشركات الألمانية تقع تحت هذا التصنيف. وهذا النوع من الشركات الألمانية تكون اقل من 9 اشخاص وهذه متناهية الصغر أو اقل من 50 شخصا وهى الشركات الصغيرة او اقل من 250 شخصا وهذه هى الشركات المتوسطة. وتسهم هذه الشركات (وهم 3.6 مليون شركة) فى توظيف 59% من العمالة وتمثل من إنتاج الدولة نحو 52% من الإنتاج المحلى، ومع ذلك فان المانيا تعتبر من أكثر البلاد فى تطبيق سياسات الرعايةالاجتماعية. فمن اين تجد الموارد التى تتيح لها إمكانية تمويل نظم الرعايةالاجتماعيةوالمساهمة فى تشجيع تنمية قطاع الشركات الصغيرة والمتوسطة والمتناهية الصغر؟.

الإجابة تتضح أكثرمع تحليل الآليات المتناسقة بين الحكومة ومؤسسات التمويل الخاصة والبنوك الحكومية، والتى توجد منتجات لتمويل المشاريع الصغيرة والبنوك الخاصة تتابعهم بمنتجات منافسةوفى كل الأحوال تتناسب شروط التمويل مع حجم ثقة البنك فى المشروع. ولكن الأمر لا يقتصر على ذلك فهناك سياسات تنظم هذه المبادرات حتى تنجح المشاريع والشركات الصغيرة لان نجاحهم يعود على الدولةبزيادة فى ناتجها القومى وتقوم الدولة بدعم تلك الشركات بقانون يلزمهم بالعضوية فى غرف التجارة التى تلتزم بمساعدة وترويج والدعاية لهذه الشركات. وتخصص الدولة صندوقا لدعم هذه الشركات من الغرف التجارية او من المجتمع المدنى ليتعاقد مع شركات استشارات تقوم بإرشاد الشركات حتى تتمكن من إيجاد قوة تنافسية فى الأسواق.وفى بلاد أخرى تشكل الحكومة صناديق دعم مادى وفنى للمشاريع الأكثر ابداعا كما هو الوضع فى السويد ، فهناك صندوق يشجع المشاريع الصغيرة الأكثر ابداعا وهنا يأتى سؤال آخر: لماذا تخاطر الحكومة بمواردها ودخلها لإيجاد حلول لهذا القطاع؟ لأنه يضمن لهم دخلا إضافيا ويوفر للدولة من الضرائب المباشرة موارد أكثر ودخلا أكثر فى ميزانيتها وفى برامج الرعاية الاجتماعية الذى يوفر تأمينات ومعاشات وتعليما وتأمينا صحيا. اما من لا يتم توظيفه ولا يخصم من راتبه ضرائب فهناك ضرائب تصاعدية على الدخل وآليات أخرى لخصم الضرائب او الاعفاء منها تماماً, ولكى لتنجح هذه المنظومة فى تحصيل هذا النوع من الضرائب على الدخل لابد ان يكون هناك تطبيق شامل للقانون وتكون الخدمات المقدمة من الحكومة ذات جودة عالية وتوفر الاحتياجات الأساسية حتى يكون دخلا صافيا لمواطن ويضمن الحد الأدنى ويضمن كل الحقوق بما فيها الصحة والتعليم والتأمين الاجتماعى ، وبناء قدراته ليكون لديه فرصة حقيقية على الإنتاج وتنمية مهاراته. وجدير بالذكر ان تنمية المهارات عامل أساسى فى البحث العلمى وفى تحقيق التقدم اللازم.

اما من يقع تحت خط الفقر فالحكومة الواعية بأهمية الفرد وقدرته على الإنتاج ستسعى الى ان يتم دعمهم ودمجهم فى برامج تعليمية وتنموية ويتم دعمهم ماديا حتى يعودوا الى منظومة الحياة العملية والى جملة الإنتاج. وكل هذا يحتاج الى بنيةتحتية قوية ومؤسسات حكومية ومؤسسات من المجتمع المدنى وتطبيق القانون بحسم وتقديم خدمات واستغلال نظم المعلومات المتصلة بين الحكومة والقطاع الخاص وأن لا تتشتت الحكومة فى برامج تستنزف مواردها فى مبادرات فيها حلقات مفقودة. وكل ذلك يعتمد على رؤية جديدة تقيم الفرد بأنه مساهم أساسى فى انتاجية الدولة وليس عبئا على الدولة . ودور الدولة فى تحقيق هذا الهدف ان تكون راعى على بناء القدرات وان توفر البنية التحتية والخدمات المطلوبة وان تكون راعى على تعليم الأجيال القادمة وعلى علاج مواطنيها حتى يحس الفرد بحريته التى لا يتمتع بها الا بعد الإحساس بحقوقه كمواطن وبناء ثقته فى توفير مناخ الحرية والامن والاستقرار مما سيدفعه للعمل بطاقة ايجابية. وعودة الى العمالة الألمانية فيتبقى 0.5٪ من الشركات التى تمثل الشركات الكبيرة والتى تتعدى 250 موظفا و50 مليون يورو دخل سنوى والتى تسهم بنسبة 45% من الناتج القومي. ومنهم شركات حكومية كبيرة وهى التى تضع المعايير العامة فى الإنتاج والتصنيع والخدمات.تحصل الشركات العامة والخاصة سواء كانت كبيرة او صغيرة او حكومية او غيره على دعم فى البحوث والتنمية من مؤسسات حكومية وغير حكومية وتعمل الدولة على تحديث السياسات والمؤسسات الحكومية والسياسات المنظمة للحياة الاجتماعية والاقتصادية والحقوق والقانون والعدالة الاجتماعية. فى ألمانيا وفى دول أخرى منهم الدنمارك وهولندا وفرنسا والسويد والنمسا حتى الولايات المتحدة هناك قوانين وسياسات لمشاركة عمال المؤسسة أو الشركة فى مجالس الإدارات وتسمى قوانين الشراكة أو الشراكة فى تقرير المسار وهى بمضمونها سياسات اشتراكية بلا اشتراكية أى بدون مسمى الاشتراكية. هذه السياسات تمنح للعامل المشاركة فى القرار وتخلق توازنا بين الملاك وحقوق العمال فى منظومة ديمقراطية واشتراكية ورأسمالية فى نفس الوقت فى حالة انسجام كامل مبنية على حقوق المواطن وعدم استغلاله وعدم ظلمه او اذلاله. نحن نحتاج إلى إدارة عملية فى تطبيق القانون ومنظومة ضريبية منضبطة ويكون هناك مجال للأنفاق على برامج اقتصادية واجتماعية. لكن الأمر ليس فقط مقتصرا ذلك فهناك احتياج للبناء على الفكرة والمبدأ أن المواطن مورد أساسى فى الاقتصاد الوطنى ويجب ان تعطى الفرصة لكل مواطن مصرى فى الاسهام ببناء مجتمعه ويأخذ كل حقوقه حتى يلتزم بضرائبه ومسئولياته ويثق بأن حكومته عادلة ويحترم فيها القانون.


لمزيد من مقالات جمال خالد عبدالناصر;

رابط دائم: