رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

ظاهرة... اسمها ترامب

على غلاف مجلة the new worker يوم 1/فبراير/ 2016 صورة لرؤساء سابقين لأمريكا جالسين حول شاشة التليفزيون فى مواجهة المرشح الجمهورى دونالد ترامب، صورة جورج واشنطن الذى يحاول إخفاء وجهة، وصورة فرانكلين روزفلت دون سيجاره المحبوب، وجون كيندى، وصورة ابراهام لنكولن وتيودور روزفلت والأخيران يعتبران أيقونة الحزب الجمهورى الذى ترشح باسمه وكانت المجلة أرادت أن تعقد مقارنة صامتة بين الرؤساء السابقين والمرشح الجديد، وبالرغم من أن السباق كان فى بدايته فإن خطاب ترامب يوم 21/يوليو/ 2016 جاء فى صورة عبثية أو قل ساخرة، جاءت آراؤه حادة لا تتسم بما حملته خطابات الروساء السابقين من اتزان وهدوء من ابناء الحزب الجمهورى، جاء خطاب ترامب هجوما لا مبرر له مصدره الاسلاموفوبيا، وحوى تناقضات واضحة، فهو على عكس جورج (w) بوش الذى يدعو إلى الأمل والتفاؤل وله عبارة شهيرة «إننا نستطيع أن نبدأ من جديد كل شىء» خطابه يوم 3/8/2000.

ولأول مرة يجد أقطاب الحزب الجمهورى أنفسهم أمام مرشح للرئاسة ليس من صلب الحزب ولم يكن عضوا فى جماعة السياسة الأمريكية، كما وجد الحزب أنه مضطر إلى الاعتراف بترامب مرشحا عنه وكأن الحزب قد فقد القدرة على إبراز شخصيات مؤثرة وعلى تحريك الأمور أمام مرشح كاسح عنيد تخطى كثيرا من العقبات واستطاع ان يحصل على موافقة 36 ولاية وله 1447 مندوبا منتشرين فى الولايات الأمريكية وأعلنها بصراحة أن أمريكا تخسر كثيرا وتتراجع عن ريادة العالم، ولم تكسب شيئا بالرغم من المنح والمعونات التى تقدمها لدول مختلفة (حديثه فى فيديو يوم 18/8/2015)

زعم الكثيرون أن ترامب اقتحم السياسة وترشح للرئاسة على حين غرة، أو صدفة، أو جاء بضربة حظ وقدم نفسه بقليل من اللياقة وكثير من العنف ومن ثم تراءى للكثيرين أنه سيخسر الرهان لا محالة، وبادئ ذى بدء نقول إن فى هذا الكون الفسيح وفى قوانين الوجود لا مجال للصدفة أو العشوائية أو الحظ، بل إن للتاريخ قانونا لا يحيد عنه، وللحضارات، وللحياة، فالقانون الأساسى فى ذلك كله أن لكل معلول علة أو بمعنى أبسط أن لكل مفعول فاعلا، وكل حدث أو تطور له أسبابه ودوافعه قد نراها وقد لا نراها، وفوز ترامب نتيجة لعوامل كثيرة كانت تتفاعل فى رحم المجتمع الأمريكى، لقد خرجت أمريكا من الحرب العالمية الثانية التى انتهت سنة 1945، منتصرة قوية، أنقذت العالم من شرور النازية، وسيطرة الشيوعية، وأصبحت قبلة الحالمين بحياة أفضل كما تحولت إلى بوتقة تنصهر فيها الجنسيات كافة، وتتعايش فيها الأديان حتى إن بها ديانة، «عبادة الشيطان» وتفجرت فيها ينابيع العلوم والإبداع، وما الفضل فى ذلك إلا لأنها تمسكت بأمور ثلاثة لا تهاون فى ممارستها: الحرية الملتزمة، القانون الصارم للكبار والصغار، احترام الشخص البشرى، وليس معنى ذلك أنها أصبحت مجتمعا مثاليا أو ملائكيا، بل معناه أنها أصبحت وطنا لمن يريد أن يعيش فيه ويحترم الحرية والقانون.

هذا الحلم بالمجتمع المثالى لم يثبت فى السنوات العشرين الأخيرة، إذ توزع الجيش الأمريكى الذى يبلغ تعداده نحو ثلاثة ملايين توزع شمالا وجنوبا، شرقا وغربا، كما ازداد عدد الوافدين من مختلف الجنسيات والأديان والتقاليد حتى بدا غالبية الشعب الأمريكى يتوجس خوفا من انهيار هذا المجتمع، سقطت صورة الكاوبوى الفارس النبيل وحلت محلها صورة الأمريكى الذى يشترى كل شىء بالدولار ويتحكم فى مصائر الشعوب، تقدم علمى رائع ولكنه مرعب بما ينتج من اسلحة الدمار، وإبداع فى المجالات الأدبية والفنية مع تسرب وانحسار للقيم الأخلاقية الأصيلة التى قام عليها مجتمع القارة الجديدة، وتوالت الأجيال، وشعر الشباب الأمريكى الصاعد بأن الوقت قد حان لتعود أمريكا إلى الأمريكيين حتى لا تفقد هويتها، وبرز ترامب، قدم نفسه للأمريكيين على أنه الوحيد القادر على إنقاذ امريكا بل هو المبعوث من الله كما يدعى ليقضى على نظام سياسى فاسد، والذى يستطيع أن يقود الوطن فيقول فى خطاب له (21/7/2016) لا أحد غيرى يدرك حال النظام وأنا وحدى القادر على اصلاحه، لقد اقتنع ترامب بأنه وحده الفارس المغوار القادم لسحق الحزب الديمقراطى وهزيمة هيلارى ووحده يستطيع اصلاح كل شىء تجاهل معنى العمل الحزبى، وقيمة المشورة الجماعية ضاربا بعرض الحائط خبرات السابقين وهكذا تعرى تماما الحزب الجمهورى من كل المبادئ التى أرساها خلال أكثر من نصف قرن وظهر منقسما على غير ما عرف عنه، ووقعت الصفوة السياسية فى أمريكا فى حيص بيص كما نقول فى العربية، إنهم بين حجرى الرحى بين هذا المرشح الملياردير الذى قدم نفسه كبطل لثورة قادمة، وهو يعرف نفسية الشعب الأمريكى الذى يعشق التجديد والشجاعة والإقدام والمغامرة وبين هيلارى كلينتون النموذج التقليدى لقدامى السياسيين والذىن يخشون كل تهور أو مغامرة غير محسوبة والمثال على ذلك المرشح شبه المجهول ساندرز (برنيه ساندرز) كان دوما مؤيدا للحزب الجمهورى ولكنه عدل عن ذلك وأعلن أنه يؤيد كلينتون.

لم يأت ترامب من كوكب آخر، أو صدفة، ولم ينجح بالحظ أو «بالفهلوة» إن صح هذا التعبير بل جاء لأسباب محددة حاسمة أنه خلاصة «الحلم الأمريكى» وثمرة لكبرياء المال والسلاح لأنه يفتقد كبرياء التاريخ والتراث.

لمزيد من مقالات د‏.‏ الأنبا يوحنا قلته;

رابط دائم: