رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

باب واسع للخلافات ونشر الشائعات
ســوء الظــن .. «فتنـــة» تهـــدد المجتمـــع..سرائر الناس لا يعلمها إلا الله والحكم يكون بالظاهر

تحقيق ــ خالد أحمد المطعنى
«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ،(سورة الحجرات آية 12).

إنه أمر إلهى كريم من الله عز وجل بحسن الظن بالناس والابتعاد عن سوء الظن بهم، وعدم التفتيش فى سرائرهم وقلوبهم التى لا يعلمها إلا الله. وها هو الإمام الشافعي، رحمه الله، يلخص فى أبيات شعرية قليلة آفة سوء الظن التى كانت سببا فى شيوع الكذب وقطع الأرحام وانتشار الشائعات والخلافات بين الأهل والجيران والزملاء فى العمل، فيقول:«لِسانُكَ لا تَذكُرْ بِهِ عَورَةَ امرئٍ، فَكُلُّكَ عَوراتٌ وللنّاسِ ألسُنُ.. وعَيناكَ إنْ أبدَتْ إليكَ مَعايِباً، فَدَعها وَقُلْ يا عَينُ للنّاسِ أعيُـنُ .. وعاشِرْ بِمَعروفٍ وسامِحْ مَن اعتَدى، ودَافع ولكن بالتى هِيَ أحسَنُ».



وسوء الظن - كما يؤكد علماء الدين - يعتبر من الأمراض الأخلاقية الخطرة، فمن غطّى غبار سوء الظّن صفحة قلبه الصافية، لا يرى الآخرين على جمالهم ولا يمكنه إدراك الواقع، أما حسن الظن، ففيه سلامة الصدر وتدعيم روابط الألفة والمحبة بين أبناء المجتمع، فلا تحمل الصدور غلا ولا حقدا، امتثالا لقوله صلى الله عليه وسلم: «إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا، ولا تجسسوا، ولا تنافسوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانًا...»، وإذا كان أبناء المجتمع بهذه الصورة المشرقة فإن أعداءهم لا يطمعون فيهم أبدا، ولن يستطيعوا أن يتبعوا معهم سياستهم المعروفة «فرِّق تَسُد»، لأن القلوب متآلفة، والنفوس صافية.

ودعا علماء الدين إلى التخلق بخلق حسن الظن، وتجنب آفة سوء الظن، باعتبارها «فتنة» تدمر المجتمع، وتوقع التناحر والصراع الاجتماعى بين أفراد المجتمع، مما يعوق عملية التنمية والإنتاج، وتفرز جرائم متنوعة، تطالعنا بصورها وسائل الإعلام المختلفة ووسائل التواصل الاجتماعى كل يوم.

ويقول الشيخ عبدالعزيز النجار، مدير عام الدعوة بمجمع البحوث الإسلامية، إن سوء الظن من الرذائل الأخلاقية التى تؤدى الى الفرقة بين أفراد الأسرة وتمزق وحدتها، وتزيل الثقة بين الناس، وإذا زالت الثقة، فلا تكاتف ولا تعاون فى حركة المجتمع، وبالتالى يكون تفتيت وتدمير الأمة، قال النبى صلى الله عليه وسلم «ان الله حرم من المسلم دمه وماله وعرضه وأن يظن به ظن السوء، وقد قال الإمام على، رضى الله عنه: «لا إيمان مع سوء ظن»، وقال أيضا «سوء الظن يفسد الأمور ويبعث على الشرور».

وطالب الأئمة والوعاظ والدعاة ووسائل الإعلام، بأن يبينوا للناس، من خلال خطب الجمعة والدروس الدينية فى المساجد ووسائل الدعوة المختلفة، عاقبة سوء الظن والآثار السيئة المترتبة عليه، سواء فى الفرد أو المجتمع، حتى يعلم الجميع أن من غلب عليه سوء الظن لم يترك بينه وبين صاحبه مجالا للصلح، مما يؤدى إلى خلل وارتباك المجتمع الإنساني، ويورث التعب والألم والشقاء والمرض الروحى، فعلى الإنسان أن يحسن الظن بأخيه الإنسان، لأن حسن الظن من أفضل السجايا وأجزل العطايا.

ومن جانبه، يوضح الدكتور نبيل السمالوطى أستاذ علم الاجتماع بجامعة الأزهر، أن سوء الظن إذا انتشر فى اى مجتمع، وجدت الفتنة، والفتنة أشد وأكبر من القتل، كما جاء ذلك فى القرآن الكريم، قال تعالى «.. وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ..»، وفى آية أخرى «والفتنة أكبر من القتل»، وهذا يعنى عدم الثقة بالآخرين، بين الرجل وزوجته، والعكس، وبين جميع أفراد الأسرة، مما يؤدى إلى ارتفاع معدلات الطلاق، والتفكك الأسرى، وعدم الثقة فى مؤسسات المجتمع، والزملاء فى العمل، ما من شأنه توقف عجلة الإنتاج، ووجود مسببات التدهور وعدم التقدم فى كل المجالات. وأوضح أنه من إفرازات انتشار سوء الظن فى اى مجتمع، زيادة معدلات الجرائم بمختلف صورها، وما تطالعنا به وسائل الإعلام المختلفة كل يوم، من صور متنوعة لارتكاب الجرائم، خير شاهد على ذلك، كما يؤدى انتشار سوء الظن فى المجتمع الى الصراع الاجتماعي، الذى إذا وجد فى أى أمة دمرها.

التربية السليمة

وأضاف: إن علاج ذلك يكون من خلال التربية السليمة، سواء فى الأسرة أو مؤسسات التعليم بمختلف مراحله، مع تأكيد ضرورة وجود ثقافة دينية صحيحة فى الجامعات لتصحيح المفاهيم الخاطئة، وكذلك عودة القدوة الصالحة فى البيت والمدرسة متمثلة فى الأب والأم والمعلم، وفى العمل من خلال المسئول الملتزم، الذى يراعى حق الله تعالى وواجب العمل، وحق الأفراد الذين يعملون تحت رئاسته، مشددا على ضرورة أن يكون لوسائل الإعلام دور فى توجيه وتوعية الناس إلى الالتزام بالأخلاق الفاضلة التى دعت إليها جميع الأديان، وعدم سوء الظن بأحد، وعلى جميع من يتعامل مع وسائل التواصل الاجتماعي، أن يراعى حقوق الآخرين، وعدم الشك وسوء الظن فى كل ما يقولون ويفعلون، لأن الأصل فى المجتمع السوى الصالح أن يحسن الناس الظن بعضهم ببعض، وذلك لأن حسن الظن الناس ينبثق من أصل أهم وأكبر وهو حسن الظن بالله تعالى، كما جاء ذلك فى الحديث النبوى الصحيح، عن جابر بن عبدالله الأنصاري، رضى الله عنهما، أنه سمِع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: «لا يَموتنَّ أحدكم إلا وهو يُحسن الظن بالله عز وجل». وحذر من تصديق الشائعات التى تتناولها وسائل الإعلام وبخاصة وسائل التواصل الاجتماعي، باعتبارها من حروب الجيل الرابع، التى تؤدى إلى عدم الثقة فى أى شىء، وتفكيك المجتمع وانهيار منظومة الأخلاق، فتظهر السرقة والرشوة والقتل وأكل أموال الناس بالباطل وتفشى الكذب والنفاق والخيانة، والواقع خير شاهد على ذلك.

وفى هذا السياق يقول الدكتور عبدالرحمن عباس سلمان الأستاذ المساعد بقسم العقيدة والفلسفة كلية أصول الدين والدعوة بأسيوط: إن الشريعة نادت بإغلاق الأبواب الموصلة إلى العداوة والبغضاء، وحثت على إخراس الألسن التى تلوك الأعراض، وأمر الله تعالى باجتناب كثير الظن، احترازاً من الوقوع فى الإثم قال تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ»، والظن تهمةٌ تقع فى القلب بلا دليل، وعن أبى هريرة، رضى الله عنه،عن النبي، صلى الله عليه وسلم، أنه قال: «إياكم والظنَّ فإن الظن أكذب الحديث» وإنما كان الظن أكذب الحديث لأن الشيطان هو الذى يقذفه فى قلب العبد، والشيطان ساعٍ أبدا فى إغواء بنى آدم ولو بالكذب، وما يقذفه فى قلب المسلم على أخيه المسلم من وساوس وخطرات وظنون من أكذب الحديث.

مصدر للشائعات

وأشار إلى أن خطورة الظن تكمن فى أن صاحبه يعتقد أنه مستندٌ فى ظنه هذا إلى أصل يتكئ عليه، وليس كذلك على وجه الحقيقة، فيكون الاغترارُ به أكثر من الاغترار بالكذب المحض الذى يظهر عواره لكل أحد، ولا مستند لصاحبه، وإذا اعتبرت الظنون، واستمع إلى مُصدِّريها، فشت الشائعات، وانتشرت الغيبةُ والنميمة، وأُخذ البرىء بمجرد الظنون والأوهام، فيتولد عن ذلك الأحقاد والضغائن، والانتقام، وحينئذ لا يأمن الناس على أنفسهم، فإن سلموا من الوقوع فى الظن السيئ بإخوانهم، واتهام الأبرياء بمجرد الظنون، لم يأمنوا من أن يُلصق بهم ما ليس فيهم. وأضاف: والْفرق بَين الِاحْتِرَاز وَسُوء الظَّن، أَن المحترز كالمتسلح المتطوع الَّذِى قد تأهب للقاء عدوه وَأعد لَهُ عدته، فهمه فِى تهيئة أَسبَاب النجَاة ومحاربة عدوه، قد أشغله عَن سوء الظَّن بِهِ، وَكلما سَاءَ بِهِ الظَّن أَخذ فِى التَّأَهُّب، وأما سوء الظَّن فَهُو امتلاء قلبه بالظنون السَّيئَة بِالنَّاسِ حَتَّى يظهر على لِسَانه وجوارحه فهم مَعَه أبدا فِى الْهَمْز واللمز والطعن وَالْعَيْب والبغض، فالشخص السيئ يظن بالناس السوء، ويبحث عن عيوبهم ويراهم من حيث ما تخرج به نفسه من شكوك وهميه، والأولى أن يكون المسلم كما قال صلى الله عليه وسلم «كيس فطن» أى ذكي، لذا الواجب التحرز التام، ولا تحكم إلا بعد أن تتيقن، وهذا الإجراء خطوة فى كف الناس عن سوء الظن، وهناك إجراء آخر، وهو التأمل فى حقيقة البشر من حيث الضعف والنسيان، فإذا تأمل المرء فى حقيقة البشر وجد نفسه مرغما على التماس العذر لهم، وعدم مؤاخذتهم بما يصدر منهم من أمور يمكن حملها على الوجه الطيب، ولو باحتمال ضعيف، وهناك إجراء ثالث وهو الأخوة فإن أخوة الإيمان تحمل لزوما على تقديم حسن الظن بالمؤمن، فالمؤمن فى أصل الأمر لا يريد شرا والتعامل معه وحمل ما يصدر منه على هذا الأصل يوجب حسن الظن والبعد عن سوء الظن، ولذا كان الملتمس للمعاذير مؤمنا لأنه يحزنه ولا يرضيه الطعن فى أخيه، فيجهد نفسه وعقله ولسانه بالدفاع عنه، بينما الطالب للزلات منافق، لا ثواب له، لأنه لا يدفع عن عرض المؤمن، بل يتشفى ويشمت ويفرح بزلات المؤمنين، وتلك ليست من صفات المؤمنين .

رابط دائم: 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق