رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

منمنمات ثقافية
عولمة الثقافة الشعبية!! (2)

فى ظل أجواء وسلوكيات يومية تشى بأننا بصورة أو بأخرى، على مستوى اللاوعي، بدأنا نتبنى ونعيش طبقا لما تحمله إلينا الرياح من قشور مفهوم العولمة، بدءاً من مقاييس الجمال والزى والفنون وصولا لاختفاء فكرة المحال التجارية الصغيرة واللافتات التى كانت تحتل واجهاتها وتزينها بأقوال وأمثال شعبية لم يعد لما بقى منها أو ما قد يتذكره البعض مكانا إلا على توك توك أو عربة نقل تزاحمها فيه أخرى غالبا ما تناقضها لأنها مستمدة من منظومة القيم وافدة مغايرة، تساءلنا فى الاسبوع الماضى عن موقع وجدوى وحتمية الحفاظ على المأثور الشعبى الآن على خريطتنا الثقافية.

ورغم أن البعض قد يرى أن ما سبق من أمثلة لا يعدو أن يكون ظواهر طبيعية يفرضها التطور ومواكبة العصر، ليحل السوبر ماركت مكان «البقالة» الصغيرة ومحل الخردوات ومحلات «ألف صنف وصنف» التى كانت منتشرة فى أرجاء المحروسة، ويدلل على تمسكنا بموروثنا الشعبى بانتشار سلاسل لمطاعم تقدم وجبات مصرية تقليدية أو مقاهى تجمع الشباب من الجنسين وتوحى بزمن مضي، أو باهتمام بعض الموسرين بتخصيص ركن شرقى فى منازلهم، هو فى حقيقته سمك لبن تمر هندى لأنه مزيج من مفردات ثقافية مختلفة متنافرة لا تعكس حالة بعينها، إلا أن كل هذه الظواهر مع الأسف أشبه بحالة هروبية من الواقع لا تعكس تواصلا حقيقيا مع موروثنا الثقافى الشعبى أو احتراما فعليا له،إذ سرعان ما تتلاشى بمجرد الخروج من ركن متحفى نلجأ اليه لدقائق أو ربما لساعات للترويح عن النفس!!..

وفى تقديرى أن الأمر أخطر من تحول زى أو وجبة تقليدية أو طقوس وممارسات لحالة احتفالية أو للترحيب بسائح نترقب وصوله!! فالمشكلة تكمن فى أن تلك الممارسات مقطوعة الصلة بجوهر هذا التراث، تفرغه من مضمونه وتسلبه مقومات بقائه واستمراره و بالتالى الحفاظ على الهوية الخاصة. وهنا تعاودنى كلمة جاءت على لسان د. سميح شعلان أستاذ الفلكلور فيما كنت أحاوره قبل سنوات إذ قال إن المأثور الشعبى يظل حيا مادام يؤدى وظيفة ويُسَهِّل التعايش مع الكون والظرف الحياتي، فتستمر العادة والمعتقد مترسباً فى اللا وعى الجمعي، وإن الثقافة الشعبية تعمل على تلقين قيم المجتمع وتجنب السلوكيات الضارة وبالتالى فإن الجماعة الشعبية بحكمتها وفلسفتها تحتفظ بالعادات والممارسات ذات الجدوي..

وفى ظل الظواهر التى سبق الاشارة إليها وغيرها مما تضيق عنه المساحة ومرحلة التحولات الدقيقة التى نمر بها وما يتعرض له مجتمعنا والمجتمعات العربية عموما من حالة أقرب للغزو الثقافى وطمس الهوية يطرح السؤال نفسه، هل تمتلك الثقافة الشعبية مقومات لمجابهة أنموذج القرية الكونية والحفاظ على خصوصية كل أمة؟

تشير دراسات الثقافة الشعبية إلى أن ديناميتها تتمثل فى ثلاثة أبعاد متداخلة ومتكاملة وتحدد فى الوقت ذاته الخصائص والمقومات الاساسية المميزة لهذه الثقافة. وهذه الابعاد الثلاثة هى قدرة الثقافة الشعبية على تجاوز حدود الزمان والمكان، واتساع مساحة حرية الابداع فى تناول هذه الثقافة وعرضها او الاستشهاد بها فى الحياة اليومية،وتعدد مجالات التفسير والتأويل مما يلقى عليها كثيرا من الأضواء ويكشف عن الجوانب التى قد تخفى على المرء فى الاحوال العادية.

ويرى كثير من الباحثين أن الأبعاد السابق الإشارة إليها أساس يمكن البناء عليه للحفاظ على الهوية الثقافية واكتشاف اسباب التكامل والحوار وإدماج الثقافة الشعبية فى تيار الثقافة السائد فى مجتمعاتنا. وفى الملتقى الدولى الذى أقامه المجلس الأعلى للثقافة أخيرا بالقاهرة ترسل عدد من الأوراق البحثية التى تم طرحها إشارات مغزاها أن تحقق هذه الرؤية رهنا بالكشف عن خصوصية وملامح الثقافة الشعبية والتعرف على التحولات التى تعرضت لها ودراسة المخاطر المحدقة بها خاصة فى جوانبها الروحية ومنظومة القيم المجتمعية فى ظل ثقافات وافدة باتت تهدد عناصرها وخاصة اللامادية بالاندثار. ويبقى السؤال ما هى الآليات الفعلية والبرامج التى تمكننا محليا وإقليميا من الحفاظ على الثقافة الشعبية وحمايتها من التشوه ومواكبة جديد وافد أصبح حقيقة لا يمكن تجاهلها.. وللحديث بقية..

لمزيد من مقالات سناء صليحة

رابط دائم: