رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

الثقافة‭.. ‬التاريخ‭ ‬والمستقبل

د‭. ‬محمود‭ ‬حداد - أستاذ‭ ‬التاريخ‭ ‬العربي‭ ‬الحديث‭ ‬والمعاصر -- جامعة‭ ‬البلمند‭ ‬ـ‭ ‬لبنان
ظل‭ ‬المحور‭ ‬الثقافي‭ ‬اللبناني‭ ‬ـ‭ ‬المصري‭ ‬المحور‭ ‬العربي‭ ‬الأنشط‭ ‬منذ‭ ‬منتصف‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭ ‬حتي‭ ‬نهاية‭ ‬ستينيات‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬حيث‭ ‬خفتت‭ ‬أنواره‭ ‬شيئا‭ ‬فشيئا‭ ‬خاصة‭ ‬بعد‭ ‬5‭ ‬يونيو‭ ‬1967‭. ‬ثم‭ ‬جاءت‭ ‬تطورات‭ ‬متعددة‭ ‬أثرت‭ ‬علي‭ ‬ريادة‭ ‬مصر‭ ‬السياسة‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬بسبب‭ ‬ضغوط‭ ‬الاحتلال‭ ‬الاسرائيلي‭ ‬وكذا‭ ‬الضغوط‭ ‬الدولية‭ ‬الموازية‭. ‬وكان‭ ‬أن‭ ‬شهدنا‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬السبعينيات‭ ‬مشهدا‭ ‬غريبا‭ ‬يمكن‭ ‬تسميته‭ ‬مجازا‭ ‬بـ‭ ‬‮«‬تمرد‭ ‬قبطان‮»‬‭ ‬السفينة‭ ‬العربية‭ ‬حيث‭ ‬سارت‭ ‬القاهرة‭ ‬سيرا‭ ‬منفردا‭ ‬ظن‭ ‬أنه‭ ‬سينتج‭ ‬خيرا‭ ‬اقتصاديا‭ ‬عميما‭ ‬‮«‬بعد‭ ‬أن‭ ‬تصمت‭ ‬المدافع‮»‬‭.‬

...........................................................................................

ومع‭ ‬أن‭ ‬المدافع‭ ‬صمتت،‭ ‬فإن‭ ‬الشروط‭ ‬السياسية‭ ‬المرتبطة‭ ‬بذلك‭ ‬ولدت‭ ‬أزمات‭ ‬وارتهانات‭ ‬لا‭ ‬حلولا‭ ‬اقتصادية‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬صمت‭ ‬المدافع‭ ‬علي‭ ‬جبهة،‭ ‬سمح‭ ‬لها‭ ‬بالانطلاق‭ ‬علي‭ ‬جبهات،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬أخطرها‭ ‬كان‭ ‬الخروب‭ ‬الداخلية‭ ‬التي‭ ‬اختلط‭ ‬فيها‭ ‬الخارجة‭ ‬الاقليمي‭ ‬بالخارج‭ ‬الدولي‭ ‬خدمة‭ ‬لمصالح‭ ‬متشعبة‭.‬

دخلت‭ ‬إسرائيل‭ ‬بيروت‭ ‬وتفجرت‭ ‬الانتفاضات‭ ‬الفلسطينية‭ ‬واحدة‭ ‬بعد‭ ‬الأخري‭ ‬في‭ ‬الضفة‭ ‬والقطاع‭ ‬واندلعت‭ ‬حروب‭ ‬متتالية‭ ‬في‭ ‬المشرق‭! ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬بمقدور‭ ‬الكبير‭ ‬نجدة‭ ‬الصغير‭ ‬ولا‭ ‬بمقدور‭ ‬الصغير‭ ‬تفهم‭ ‬مأزق‭ ‬الكبير‭. ‬ولم‭ ‬تستطع‭ ‬القدرة‭ ‬العسكرية‭ ‬للكبير‭ ‬والقدرة‭ ‬المالية‭ ‬للصغير‭ ‬التحالف‭ ‬والتزاوج،‭ ‬فأصبح‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬عسكري‭ ‬معطلا‭ ‬وغدا‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬مالي‭ ‬مستباحا‭.‬

بعد‭ ‬ذلك‭ ‬دخلتم‭ ‬ودخلنا‭ ‬ودخل‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬كله‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬متاهة‭ ‬فكرية‭ ‬ودينية‭ ‬واقتصادية‭ ‬واجتماعية‭ ‬وسياسية‭ ‬عميقة‭ ‬دفعت‭ ‬الأمة‭ ‬العربية‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬غال‭ ‬من‭ ‬ثمنها‭. ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬التيه‭ ‬مستمر‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬يخفت‭ ‬شيئا‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬مكان‭ ‬ويشتد‭ ‬في‭ ‬مكان‭. ‬وإذا‭ ‬كان‭ ‬المركز‭ ‬السياسي‭ ‬للاقليم‭ ‬في‭ ‬القاهرة‭ ‬قد‭ ‬تعرض‭ ‬للاهتزاز،‭ ‬فإن‭ ‬مركزا‭ ‬عربيا‭ ‬آخر‭ ‬لم‭ ‬يحل‭ ‬محله‭. ‬بل‭ ‬أصبح‭ ‬المركز‭ ‬الدولي‭ ‬في‭ ‬واشنطن‭ ‬هو‭ ‬من‭ ‬احتكر‭ ‬الدور‭ ‬الإقليمي‭. ‬ولا‭ ‬أستطيع‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬أشير‭ ‬إلي‭ ‬الثمن‭ ‬الكبير‭ ‬للمأساة‭ ‬السورية‭ ‬والمأساة‭ ‬العراقية‭ ‬التي‭ ‬وصلت،‭ ‬دون‭ ‬مبالغة،‭ ‬إلي‭ ‬حجم‭ ‬هيروشيما‭ ‬ونجازاكي‭ ‬خلال‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬اجتثاث‭ ‬المدنيين‭ ‬في‭ ‬مدن‭ ‬مشرقية‭ ‬عريقة‭ ‬وعزيزة‭ ‬ومأساة‭ ‬وقوفنا‭ ‬متفرجين‭ ‬أمامها‭ ‬وعاجزين‭ ‬خائفين‭ ‬حتي‭ ‬عن‭ ‬الحديث‭ ‬عنها‭.‬

‭- ‬في‭ ‬المستقبل

هذه‭ ‬الأوضاع‭ ‬تفرض‭ ‬أسئلة‭ ‬مستقبلية‭ ‬علينا‭:‬

إن‭ ‬المثقفين‭ ‬اللبنانيين‭ ‬والمصريين‭ ‬مازالوا‭ ‬في‭ ‬موقع‭ ‬الريادة‭ ‬الفكرية‭ ‬العربية‭ ‬ولو‭ ‬نسبيا،‭ ‬ونرجو‭ ‬أن‭ ‬يسبقهم‭ ‬مثقفو‭ ‬المغرب‭ ‬العربي‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬قصير‭. ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬علينا‭ ‬الإجابة‭ ‬اليوم‭ ‬عن‭ ‬أسئلة‭ ‬مختلفة‭ ‬عن‭ ‬أسئلة‭ ‬الأمس‭:‬

علينا‭ ‬أن‭ ‬نتفهم‭ ‬بلغة‭ ‬الحداثة‭ ‬أننا‭ ‬لا‭ ‬نعيش‭ ‬في‭ ‬الزمن‭ ‬الأوروبي‭ ‬والأمريكي،‭ ‬بل‭ ‬نعيش‭ ‬في‭ ‬أزماننا‭ ‬العربية‭ ‬المختلفة‭ ‬والموازية‭: ‬أزمنة‭ ‬كما‭ ‬أمكنة‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬الحداثة،‭ ‬وأمكنة‭ ‬الحداثة‭ ‬الشكلية،‭ ‬أزمنة‭ ‬وأمكنة‭ ‬الحداثة‭ ‬الجزئية،‭ ‬أزمنة‭ ‬الحداثة‭ ‬وما‭ ‬بعد‭ ‬الحداثة‭ ‬الغربية‭ ‬التي‭ ‬علينا‭ ‬محاولة‭ ‬اللحاق‭ ‬بها‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬والتنافس‭ ‬معها‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬أخري‭.‬

وعليه‭ ‬فإن‭ ‬مهماتنا‭ ‬أصعب‭ ‬ما‭ ‬تكون‭ ‬خاصة‭ ‬أننا‭ ‬دخلنا‭ ‬في‭ ‬صراع‭ ‬غير‭ ‬صحي‭ ‬علي‭ ‬الاطلاق‭ ‬بين‭ ‬شعبوية‭ ‬دينية‭ ‬متزمتة‭ ‬تتمثل‭ ‬ماضي‭ ‬الذات‭ ‬الفائت‭ ‬والمفوت‭ ‬ونخبوية‭ ‬علمانية‭ ‬تتمثل‭ ‬ماضي‭ ‬وحاضر‭ ‬الآخر‭ ‬الأوروبي‭ ‬والأمريكي‭ ‬البعيد‭ ‬علي‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬اختلاف‭ ‬الظروف‭ ‬المادية‭ ‬والمناخات‭ ‬الفكرية‭. ‬والسؤال‭: ‬هل‭ ‬يمكن‭ ‬ردم‭ ‬الهوة‭ ‬بين‭ ‬الخصوصية‭ ‬والعالمية‭ ‬وهي‭ ‬هوة‭ ‬أصبحت‭ ‬أعرض‭ ‬مع‭ ‬الاختراعات‭ ‬الالكترونية‭ ‬الحديثة‭ ‬وثورة‭ ‬الاتصالات‭ ‬المدهشة‭ ‬إضافة،‭ ‬إن‭ ‬علي‭ ‬الفكر‭ ‬التنويري‭ ‬أن‭ ‬يدرس‭ ‬أسباب‭ ‬عدم‭ ‬شعور‭ ‬الجمهور‭ ‬العريض‭ ‬بأنه‭ ‬يمثله‭ ‬ويمثل‭ ‬آماله؟‭ ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬يفسر‭ ‬الغربة‭ ‬بين‭ ‬المثقف‭ ‬التنويري‭ ‬والمواطن‭ ‬غير‭ ‬المطلع‭ ‬علي‭ ‬الثقافة‭ ‬الأجنبية‭.‬

أختم‭ ‬بالقول‭ ‬إن‭ ‬المحن‭ ‬والخطوب‭ ‬والمآزق‭ ‬والأزمات‭ ‬التي‭ ‬تحيط‭ ‬بنا‭ ‬متراكمة‭ ‬ومتشابكة‭ ‬وعويصة‭ ‬ومن‭ ‬المستحيل‭ ‬العثور‭ ‬علي‭ ‬حل‭ ‬سحري‭ ‬أو‭ ‬مباشر‭ ‬لها،‭ ‬إلا‭ ‬أنني‭ ‬أعتقد‭ ‬أن‭ ‬حل‭ ‬جزئية‭ ‬صغيرة‭ ‬منها‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الوضع‭ ‬المأساوي‭ ‬الذي‭ ‬نعيش‭ ‬فيه‭ ‬يغير‭ ‬في‭ ‬الصورة‭ ‬الإجمالية‭ ‬ويعطينا‭ ‬أملا‭ ‬في‭ ‬أننا‭ ‬نستطيع‭ ‬أكثر‭ ‬فيما‭ ‬بعد‭ ‬ويشعرنا‭ ‬بأن‭ ‬الأفق‭ ‬ليس‭ ‬مسدودا‭ ‬إذا‭ ‬أخلصنا‭ ‬العمل‭.‬

حلول‭ ‬عملية

1‭ ‬ـ‭ ‬لا‭ ‬نستطيع‭ ‬أن‭ ‬نسمح‭ ‬بالحداثة‭ ‬وما‭ ‬بعدها‭ ‬وللعولمة‭ ‬الجارفة‭ ‬أن‭ ‬تفقدنا‭ ‬أنفسنا‭. ‬وهذا‭ ‬يحدث‭ ‬الآن‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تراجع‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬المجالات‭. ‬ولابد‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬للمثقفين‭ ‬اللبنانيين‭ ‬ومشايخ‭ ‬الأزهر‭ ‬ومجامع‭ ‬اللغة‭ ‬والجامعات‭ ‬دور‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬تنشيط‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬وجعلها‭ ‬متوافقة‭ ‬مع‭ ‬الاستخدامات‭ ‬التكنولوجية‭ ‬الحديثة‭.‬

2‭ ‬ـ‭ ‬إن‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الشبان‭ ‬العرب‭ ‬يذهب‭ ‬إلي‭ ‬الغرب‭ ‬للتخصص‭ ‬في‭ ‬موضوعات‭ ‬علمية‭ ‬بحتة‭ ‬وكذلك‭ ‬في‭ ‬تخصصات‭ ‬العلوم‭ ‬الاجتماعية‭ ‬ويختارون‭ ‬موضوعات‭ ‬عربية‭ ‬وإسلامية‭ ‬لرسائلهم‭ ‬الجامعية،‭ ‬إلا‭ ‬أنهم‭ ‬يعودون‭ ‬بمعرفة‭ ‬سطحية‭ ‬جدا‭ ‬عن‭ ‬البلدان‭ ‬التي‭ ‬درسوا‭ ‬فيها‭. ‬لذلك‭ ‬من‭ ‬الضروري‭ ‬أن‭ ‬تفرض‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬علي‭ ‬كل‭ ‬طالب‭ ‬مبتعث‭ ‬شرط‭ ‬تقديم‭ ‬رسالة‭ ‬ماجستير‭ ‬قصيرة‭ ‬تتعلق‭ ‬بأحد‭ ‬أوجه‭ ‬ثقافة‭ ‬البلد‭ ‬الذي‭ ‬درس‭ ‬فيه‭ ‬الطالب‭ ‬وقضي‭ ‬فيه‭ ‬سنوات‭.‬

3‭ ‬ـ‭ ‬إنه‭ ‬من‭ ‬قبيل‭ ‬تأكيد‭ ‬المؤكد‭ ‬أن‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الخطوات‭ ‬المفيدة،‭ ‬ولو‭ ‬في‭ ‬المجال‭ ‬الثقافي‭ ‬والعلمي،‭ ‬تتطلب‭ ‬قرارا‭ ‬سياسيا‭ ‬شجاعا‭ ‬ومدروسا‭. ‬فإذا‭ ‬كان‭ ‬صحيحا‭ ‬أنه‭: ‬‮«‬كما‭ ‬تكونوا‭ ‬يولي‭ ‬عليكم‮»‬،‭ ‬فإنه‭ ‬صحيح‭ ‬أيضا‭ ‬القول‭: ‬‮«‬إن‭ ‬الناس‭ ‬علي‭ ‬دين‭ ‬ملوكهم‮»‬‭ ‬علي‭ ‬الأقل‭ ‬إلي‭ ‬حين‭.‬

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق