رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

المثقف والدولة فى إقليم مضطرب

الدكتور جورج قرم - أستاذ العلوم السياسية في جامعة القديس يوسف في بيروت ووزير مالية سابق
عاش المثقف العربي منذ تأسيس الكيانات السياسية العربية الإسلامية بين حالات ممانعة تجاه سلطة الدولة ومن يمسك بزمامها، مما كلّف هؤلاء المثقفين غاليا، الى درجة قتلهم من قبل السلطان من جهة، وحالات معانقة للسلطة القائمة التي تدرّ عليه المنافع والأموال والجاه من جهة أخرى. وفي الحقيقة اعتقد ان هذين الموقفين ناتجان عن تقاليد عريقة عند العرب وشعرائهم في المديح للحاكم او ذمّه او رثائه، وهذا ما لم نتخلص منه الى يومنا هذا، خاصة في الأجواء العالمية الحاضرة حيث العديد من المثقفين ينحازون عقائدياً الى هذا او ذاك من حكّام للدول والايديولوجيات السائدة، دون ان يمارسوا وظيفتهم كضمير الأمة في تأمين الاستقامة في الحكم وتحقيق الحرية والمساواة والنموّ الاقتصادي العادل.

...........................................................

•علاقة المثقف المعاصر بالدولة وأجهزة السلطة: بين قوى الردع وقوى الجذب ان المثقف العربي في الظروف المعقّدة التي نعيشها اليوم ضمن إطار العولمة لا يتعرض فقط الى قوة الردع او الفتك من قبل أجهزة الدولة المركزية، انما هو يخضع لتهديدات مختلفة المصادر من جهة والى قوى جاذبة له من جهة أخرى. أما من جهة قوة الردع والتخويف لا بدّ من ذكر ما تمارسه تيارات الإسلام السياسي من استعمال آلية التكفير الديني تجاه من لا يخضع للمناخ العام الذي خلقته هذه التيارات والهادف الى تقييد الفكر الحر الذي يبحث عن ازدهار واستقرار مجتمعه خارج الأطر الدينية المظاهرية المتشددة. هذا المناخ الذي نعيش فيه منذ نصف قرن تقريبا يكوّن قوة ردع وتخويف وتقييد الفكر العربي الوضعي، والذي لا بدّ الخروج منه وبالتالي من المعمعة التي نحن فيها. وهذا المناخ هو نتاج الحرب الباردة بين الولايات المتحدة وروسيا السوفياتية، حيث تمّ توظيف الديانات التوحيدية الثلاثة، وبشكل خاص الديانة الإسلامية، لمحاربة انتشار الأفكار القومية التقدمية والمعادية للامبريالية وخاصة لدى العنصر الشاب العربي والإسلامي حينذاك. ونتج عن ذلك تدريب وارسال عشرات الآلاف من الشبان العرب للقتال في أفغانستان ضد الجيش السوفييتي بدلا من التركيز على تحرير فلسطين والأراضي العربية الأخرى المحتلة من قبل إسرائيل. ومن جهة أخرى، هناك قوة جذب كبيرة تُمارس على المثقفين والمفكرين العرب لإدخالهم في فلك السياسات الجغراسية للدول الغربية وكذلك للدول العربية الدائرة في فلكها، وعلى رأسها الممالك والامارات النفطية العربية. وقد تأسست من جهة أخرى لدى الدول الغربية قنوات عديدة لاستجلاب أفضل العقول العربية في مؤسسات مختلفة تؤمّن لهم الحياة المريحة والشهرة في آن معاً. أعني هنا الجامعات الغربية الكبرى في الدول الغربية التي تستجلب آلاف القدرات الفكرية العربية، وكذلك مؤسسات البحث الأميركية والأوروبية الضخمة (Think thanks)، مما يُساهم في تعظيم آليات هجرة الأدمغة العربية خارج الوطن العربي، الأمور الفكرية لا بدّ ان العديد منهم يصبح متأثراً بالسياسات الغربية تجاه المنطقة بل في كثير من الأحيان يعزّزون وضع هذه السياسات بكتاباتهم.

أما بالنسبة الى الممالك والامارات النفطية في الشبه الجزيرة العربية، فإن وسائل جذب المثقفين العرب هي متعددة ومعروفة ولا مجال هنا لوصفها. ويكفي ان نشير الى انخراط العديد من المثقفين الذين يحللون الشأن العام العربي في تحليل كل مصادر الفتنة بين الدول العربية وداخل الدول من منظور الصراع بين الشيعة والسنة، وهذا ما روج له الاعلام الغربي واعتمدته معظم أجهزة الإعلام العربية بدلاً من التحليل الوضعي للصراعات التي تنبع دائماً في التاريخ من مصالح محض دنيوية للدول وطموح الحكّام والزعماء.

• اجتياح القضايا الدينية والمذهبية للحيّز الفكري العربي يؤدي الى الغياب المفجع للفكر الاقتصادي التنموي

في تقديرنا ان غزو المناقشات الدينية المتواصلة والتكرارية الطابع والحادة هي المسئولة الى درجة كبيرة عن فراغ الفكر الاقتصادي العربي من أي تجدّد وأي تركيز على العجز العربي التام والمفجع في تملك العلم والتكنولوجيات الحديثة وتوطينها، خاصة بالمقارنة مع ما حققه عدد من الدول النامية من إنجازات كبيرة في هذا الميدان ومن تحولها الى قوى اقتصادية وتجارية فاعلة في كل الصناعات الحديثة وعلى رأسها كوريا الجنوبية والصين وتايوان وسنغافورة وكذلك في بعض بلدان أمريكا اللاتينية، مع العلم ان معظم هذه الدول كانت أكثر فقراً من الدول العربية في بداية الستينيات من القرن الماضي. ويمكن ان تعزى هذه الظاهرة الى سببين رئيسيين، أولهما هو انجرار هذا الكمّ الكبير من المثقفين الى الدخول في حلبة مناقشة القضايا الدينية الهويتية ذات التوجه المتشدد، وهو ما يجلب إليهم الشهرة وانتباه الدوائر الاكاديمية ووسائل الاعلام العربية والاسلامية. أما السبب الثاني فهو سيطرة الفكر الاقتصادي النيوليبرالي السطحي والفارغ من أي محتوى مفيد، اذ يتلخص في البراعة في بناء نماذج اقتصادية رياضية مجردة، هدفها الوحيد تبيان ضرورة تراجع دور الدولة في الاقتصاد لزيادة معدلات النموّ. وهذا الفكر هو الذي يهيمن حالياً على الجيل الجديد من الشباب العربي الذي يتخصص في الجامعات الأجنبية الغربية في علم الاقتصاد الرياضي والنيوليبرالي؛ في حين ان جيل الاقتصاديين القدامى ـ وانا منهم ـ الذي كان يحفزهم كل من الفكر القومي والتوق الى تحقيق العدالة الاجتماعية، هو على طريق الاندثار والزوال. ولذلك لا عجب ان نرى الجيل الشاب الذي ساهم مساهمة جليلة في حركة الانتفاضات العربية الشاملة في بداية عام 2011 لم يأت بأية مقاربة بديلة في الشأن الاقتصادي والاجتماعي عن وصفات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومؤسسات التمويل الأخرى، التي ما تزال توجّه السياسات الاقتصادية والاجتماعية في الدول العربية؛ وذلك رغم العديد من الشعارات التي رفعت خلال الحركة الواسعة هذه، مطالبةً بالعدالة الاجتماعية وتأمين فرص العمل اللائقة ومحاربة الفساد المستشري.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق