رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

منمنمات ثقافية
عندما نقرأ التاريخ علي لسان الحيوان!!

رغم احتفاء البشر على مر العصور بالحكاية فإن كثيرا منا يعتبرها مجرد شكل بدائى ليس له أى دلالات، فائدته الوحيدة هدهدة الصغار قبل النوم أو السمر وإزجاء وقت فراغ فى أزمنة وأماكن لم يحظ أهلها برفاهة وسائل الاعلام وتقنيات الشبكة العنكبوتية. مع ذلك فإن الجديد فى الدراسات الادبية وعلم الانثروبولوجى والفلكلور واكبه ظهور دراسات، وإن كانت قليلة وتختلف موضوعاتها، إلا أنها فى مُجملها أكدت مقولة جوته عن الحكايات «فهى الحكمة بعينها وإذا كنا لا نعرف مصدر هذه الحكمة فان هذا لا يرجع الى بلاهة فى الحكاية الخرافية وإنما يرجع الى بلادة احساسنا».

واستنادا على ما أثبته العلم عن الحكاية من حيث كونها ادبا موضوعيا اتخذ موقفا عدائيا من النماذج السيئة ليعكس ما فى الحياة من خير وشر ومن كمال ونقص من خلال نماذج شخصيات ومواقف تؤصل لقيم لتحقيق حياة سوية اختارت الباحثة د.عزة الغنام أن تُبحر إلى واحدة من تخوم الحكايات لم تحظ بدراسة كافية، ألا وهى قصص الحيوان. فعبر منهجية تعيد للذهن فكرة وحدة المعرفة تحول الباحثة كل حكاية لتجربة انسانية يمكن شرحها ادبيا ونفسيا .فتدرس الباحثة مضمون هذه التركيبات السردية نثرا وشعرا وفى السير الشعبية والكتب المقدسة، فى سياقات مرتبطة بعلوم الانثروبولجى والنفس والاجتماع لتصل لنتائج كاشفة ليس فقط من حيث تفسير نشأة حكاية الحيوان وتداولها عبر الأجيال وأثرها فى تشكيل البنية الاجتماعية ومنظومة القيم الحاكمة بل أيضا تدحض مفاهيم مغلوطة ترسخت حول العصر الجاهلى وفقر الخيال العربي.

وتقدم الباحثة لدراستها بتصحيح مفاهيم ارتبطت بكلمة الجاهلية ناقشت فيها الحياة الاجتماعية والدينية وأنواع العبادات كالوثنية وعبادة الكواكب والمراحل الطوطمية والسحرية والتوحيد ممثلا فى اليهودية والمسيحية موضحة ثراء التجربة التى عكستها الأساطير عن الاصنام والكواكب وعلاقتهما بالحيوان والملك الكاهن او الساحر. ثم تعرض الإطار العام لحكايات الحيوان بتقديم الكتب التى تناولت قصص الحيوان فى التراث العربى والآداب العالمية ونظرية الأجناس الأدبية العربية التى اعتمدتها فى دراستها لقصص الحيوان لتتناولها فى النثر وفى النظم وفى قصص القرآن الكريم.

وبعد دراسة انواع قصص الحيوان فى أنواع النثر الممثلة فى أسجاع الكهان والخطابة والقصص والأمثال توضح الباحثة ان استخدام الحيوان أضفى على هذه الانواع سحابات من الغموض والرهبة وشت برصيد فكرى وعقائدى هائل وأن منها ما تناول قصة الخلق او يفسر ظاهرة طبيعية ومنها حكايات رمزية عن الآلهة التى عبدها العرب وأخرى تتضمن مغزى اخلاقيا ساميا وعرضا للخبرات وتقريظا لعادات وحكايات تفسر طبائع الحيوان كقصة الحمامة والغراب فى سفينة نوح، وكان الحيوان فيها دائما البطل..

وتخلص الباحثة إلى أن قصص الحيوان فى النثر عملية سردية متكاملة تتميز بالإيجاز وتقوم على مقدمة وعقدة ونهاية يلعب فيها الحيوان دور البطولة ويعبر الحوار فيها عن خصائص كل شخصية وأسلوب تفكيرها، وتشير الباحثة بعد دراسة حكايات الحيوان فى أشكال النظم المختلفة إلى اختلافها عن مثيلتها فى النثر لاختلاف طبيعة الجنسين وأن منها ما هو نتاج للبيئة أو وصل إليها من مناطق مجاورة أو ورد فى القرآن الكريم وأنها تدل على براعة الشاعر وتفاعله مع بيئة عامرة بالثقافة وبرصيد هائل من الحكايات الخرافية، فظهرت فى بنية تتميز بدقة الوصف والإيحاء والإيجاز. وبعد استقراء قصص الحيوان فى القرآن ومقارنتها بما ورد فى كتب الديانتين السماويتين الأسبق تشير إلى أنها وردت فى صيغ الترهيب والترغيب وضرب المثل والإقناع العقلى وبيان العبرة والقدرة الالهية وإقرار المعجزة لتثبيت المعانى الدينية وتأكيد القيم الخلقية.

وتخلص الباحثة بعد قراءة قصص الحيوان فى سياق نظرية كارل يونج عن اللاوعى الجمعى أن حكاية الحيوان بأجوائها ورمزيتها أطلقت الخيال فى صياغات متعددة حفظت عناصر القصة وعكست قيما انسانية شديدة العراقة ارتبطت بالظواهر الطبيعية او بسلوك الانسان عموما أو فى كنف معبوده مما يشى بخصوبة التفكير العربي..

تحية ودعاء بالشفاء لباحثة منهجيتها حافز للباحثين لدراسة التراث بمنظور مختلف قد يكشف الكثير عن الواقع وخلجات النفس قديما واليوم..

لمزيد من مقالات سناء صليحة

رابط دائم: