رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

الأب.. والأستاذ

رغم مرور 19 عاما على رحيل الأب والأستاذ الدكتور حسن الساعاتى (الذى ولد فى 30 سبتمبر 1916، ورحل فى 30 سبتمبر 1997) فإنه مازال يعيش فينا، دائما ما نذكره بعطائه المتجدد، وحضوره الدائم، وأستاذيته الحقة، ودماثة خلقه، وأبوته الحانية وتواضعه الآسر، إنه مازال بيننا بروحه، بشموخه، بتعاليمه الباقية، بتراثه العلمى الخالد.

كنت، وستظل دائما الأب والأستاذ، الذى يعلم ويربى فى آن واحد، لذلك لا نستطيع الفصل بين أستاذيتك الحقة، وأبوتك الرائعة.

أستاذنا الأب الرائع دكتور «حسن الساعاتى»، لم ننهل منك علما أصيلا مبتكرا فحسب، بل أخذنا عنك خلقا كريما، وقدوة، ومثالا، كنت حقا مثلا للأستاذ الجامعى الرصين الملتزم فى عمله، الغيور على بلده، الذى يسخر علمه فى خدمة مجتمعه، والذى لا يدخر مالا، أو وقتا، أو جهدا، فى سبيل نشر علمه، وإفادة بلده.

علمتنا.. أستاذنا العظيم، كيف يعشق الإنسان العلم عشقه للحياة. كان علمك ينبوعا فياضا، تنهل منه أجيال وأجيال، علم أصيل، نظريات جديدة مبتكرة، تنبع من واقع مجتمعنا، وليست ترديدا، أو نقلا كربونيا، لنظريات مستوردة، تجافى واقعنا، وتغترب من ثقافتنا.

كانت مدرستك العلمية، التى لا تزال راسخة مؤثرة، تقوم على الواقعية، تركز جهودها على دراسة واقع الحياة الاجتماعية المصرية، كما كانت ترتكز على أساس تكاملى، لا تقبل فكرة العامل الواحد، ولكنها تعترف بتفاعل العوامل المختلفة، فى إيجاد الظاهرة الاجتماعية. وتضع العلم دائما فى خدمة المجتمع.

أستاذنا الجليل.. علمتنا الجرأة فى الحق، ونحن نناقش المسائل العلمية، أكدت لنا أن التلميذ الواعد يضيف إلى أستاذه، وأن الأستاذ الحق يسعده ذلك، بل يشجع تلميذه عليه.

كانت من أهم القضايا التى فجرتها: قضية تحقيق الهوية، وقضية دراسة التراث العربى بوعى حديث، وقضية النظرية الاجتماعية.

أما عن مؤلفاتك التى تتلمذنا عليها فهى كثيرة، من بينها: »فى علم الاجتماع الجنائى«، و»علم الاجتماع القانونى«، والتصنيع والعمران»: بحث ميدانى للإسكندرية وعملها، «والبغاء فى القاهرة»، و«المسح الاجتماعى لدائرة باب الشعرية»، و«المسح الاجتماعى لأسوان»، و«المسح الاجتماعى لحى الباطنية»، و«المسح الاجتماعى لتهجير أهالى النوبة»، ومن كتبه البارزة «الطبقة الوسطى فى مصر» (بالإنجليزية)، و«دراسات فى علم السكان»، و«علم الاجتماع الصناعى»، وكان آخر مؤلفاته «علم الاجتماع الخلدونى».

ومن أهم مؤلفات الأستاذ الدكتور حسن الساعاتى، كتابه الفريد، الجديد دائما، بعنوان «تصميم البحوث الاجتماعىة»، فهو الكتاب الوحيد حتى الآن فى المكتبة العربية فى هذا الموضوع، وهو يضم ثمرة جهده العلمى المركز، والطويل الذى أوقفه على البحث العلمى الاجتماعى.

وهو يتحدث فى هذا الكتاب عن مصطلح جديد هو «الهندسة الاجتماعية» الذى أساسه الإبداع، وقوامه المعرفة المتخصصة، والبحث العلمى لتغيير المجتمع سواء بإعادة البناء على أسس سليمة، أو بإعلاء البناء بعد تقويته وفق خطة مدروسة، فالمصطلح بهذه الصفة، مقترن بالعمران، كما تصوره عالم الاجتماع الأول «عبدالرحمن بن خلدون».

ويرى أستاذنا القدير.. «الدكتور حسن الساعاتى»، أنه ربما كان أعظم إنجاز من إنجازات العلوم الاجتماعية، التدخل فى عملية التغيير الاجتماعى، التى هى من طبيعة كل مجتمع، والتحكم فيها، بتحويل مسارها، أو تعديل نتائجها، أو توسيع مجالها، أو تضييقه. كما أصبح من غير المتصور إقامة جسور، وقناطر، وبناء منازل، وتشييد عمارات، بدون إعداد «التصميمات الهندسية» لها، كذلك لا يتصور بأى حال إنجاز أى بحث اجتماعى فى أى مجال من مجالات علم الاجتماع، والعلوم الاجتماعية، دون وضع «تصميم دقيق» له يحدد موضوعه، ويوضح أهدافه ومنهجه.

وقد أصبحت معرفة ذلك كله تكون فى جملتها تخصصا يجعل من يدرب عليه، ويتقنه، يستحق أن يسمى «مهندسا اجتماعيا»، تبحث عنه مراكز البحوث وهيئات البحث فى الوزارات المختلفة، وتعتمد عليه لما له من علم وخبرة.

أستاذنا القدير.. لقد كانت إسهاماتك العلمية تمتد لتشمل علماء مصريين كبار مثل «د. أحمد خليفة»، و«د. سيد عويس»، و«د. جمال حمدان».

فليس من الغريب إذن أستاذنا العزيز.. «الدكتور حسن الساعاتى»، أن يطلق عليك (عميد الاجتماع العربى)، اللقب الذى أطلقه عليك زملاؤك الكبار، وتلاميذك النابهون فى مصر، والبلاد العربية.

لمزيد من مقالات د. سامية الساعاتى

رابط دائم: