رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

مواجهة تسلط المزيفين

هل صحيح أننا لا نولد بالثقافة؛ إذ هي ليست نتاجًا عضويًا، وأن الثقافة نكتسبها وإن غدت هي التي تصنعنا بعد ذلك، انطلاقًا من أن ثلاثية العرق، والنوع، والزمن هي محض حاملات للثقافة، وليست أوضاعًا طبيعية غير قابلة للتغيير؟ لكن الصحيح بالتأكيد أن الثقافة هي الجوهر المؤسس للرقي الإنساني الحقيقي،

الذي لا يتأتى إلا بجهد ذاتي في مواجهة الهوى والتجاوزات، وكل الدوافع السلبية الذاتية، انتصارًا للمنظور الثقافي الإرادي الملتزم بفعالية القيمة دون المنفعة؛ لذا يقال إن الثقافة هي تغلب على الذات، بقدر ما هي تحقيق للذات؛ إذ تولد الأيقونة المطلقة لمعيارية القيمة الثقافية عند غياب تأثير أنظمة القسر والإكراه أو الموالاة، التي تهيمن على الفرد من محيطه أو اعتقاداته، وذلك بالحضور البارز الرافض للتزييف، والغش، والمغالطة، التزامًا بالحقيقة؛ لذا فإن «آدم كوبر»- أستاذ علم الإنسان في جامعة بروبل في بريطانيا- يرى أن ما يقلق الفكر أكثر عندما يكون في وضع حرج هو قوة الثقافة التي تمارسها الأوساط الإعلامية الواسعة الانتشار، فهذه الأوساط وهي أدوات لرأس المال لا تسوق المشروبات الغازية وحسب؛ بل تسوق أيضًا الطموحات الزائفة كما يؤكد «ستيفان كوليني»- أستاذ الأدب والتاريخ الفكري بجامعة كامبردج: لقد أصبح من واجب أولئك المنخرطين في الدراسات الثقافية، أن يفضحوا، أو يتحدوا، أو يزيلوا الشرعية عن هؤلاء (المزيفين)، أو يتدخلوا، أو يكافحوا ضدهم.

ولقد راودت الكاتب الفرنسي المعاصر «بسكال بونيفاس» مدير معهد العلاقات الدولية الاستراتيجية، فكرة فضح المثقفين المزيفين، أو المرتزقة- كما يسميهم- وتعرية مواقفهم المخزية التي تدمر الديمقراطية، وتهدد الإعلام بتكريسه كوسيلة أساسية في مضاعفة خداع الجماهير؛ إذ أصبح تسلط المزيفين على الجماهير علنيا ومهاجمًا، تحت قصف تقنية الإعلام المتداول المتسارع كأنه الصدق والحقيقة.

صحيح أن الكشف عن أشكال تورط المثقفين في الخداع والتزييف والخيانة، قد بدأ حين أصدر المفكر والكاتب الفرنسي «جوليان بندا» كتابه الشهير «خيانة المثقفين» 1927، مهاجمًا الاستثمار المضاد للثقافة لحساب المصالح الخاصة للمثقفين، واستفحال تخليهم عن قضاياهم الكبرى، ومسئولياتهم العامة، ومهام البحث عن الحقائق، في ظل افتقادهم استقامتهم الفكرية، وفي عام 1932 أصدر الكاتب الفرنسي «بول نيزان» كتابه «كلاب الحراسة» المشحون بإدانة المثقفين الذين ينفذون بإرادتهم مواقفهم المتخاذلة المهترئة، بإقصائهم وقمعهم وإجهاضهم لدورهم في التواصل مع قرائهم، بإنتاجهم فلسفات ورؤى مخاصمة للواقع والحقيقة، ومنكرة لهما، إذ لا يهتمون بالقضايا التي تعني البشر وواقعهم المعيش وحياتهم العامة، أما في الولايات المتحدة، ففى عام 1978، أصدر الكاتب الأمريكي زراسل جاكوبيس كتابًا بعنوان زآخر المثقفين: الثقافة الأمريكية في عصر الأكاديميينس أشار فيه إلى انعطافة اختفاء المثقف اللأكاديمي تمامًا، أي المثقف العام والمفكر الحر الذي يمارس الكتابة بحيوية وشجاعة وجرأة ووضوح، في طرح أفكاره العامة، وقد حل مكانه مجموعة من أساتذة الجامعات، أي المثقف المنغلق على نفسه وتخصصه، وليس لديه طموحات فكرية كبرى خارج قاعات الدرس، يدرك انه مكلف ذاتى بالبحث عنها وبنائها في مجتمعه، ثم تأتي كتاباته مملة، وتتسم بلغة اصطلاحية غامضة عصية على الفهم، لذا لم يعرهم أحد في المجتمع أي صدى إيجابي، إذ هم يكتبون كلامًا متنافيًا مع المعايير المعاصرة، يستهدف بالأساس الترقي الأكاديمي، وليس التغيير الاجتماعي أو السياسي، كما أصدر الكاتب البريطاني زفرانك فوريديس عام 2004، كتابًا بعنوان «أين ذهب كل المثقفين؟» وهو ليس تأسيًا على عصر مفقود فكريًا؛ إذ يعترف المؤلف أن عالمنا يضم أعدادًا كبيرة من الأعمال المثيرة للإعجاب في الفنون والعلوم؛ بل يؤكد أيضًا أن ما حدث في الماضي لن يساعدنا كثيرًا في التصدي للتحديات التي نواجهها اليوم، فالفكرة الأساسية للكتاب أنه يقدم قراءة كاشفة لأوضاع المثقفين المعاصرين، إذ اضمحلت مكانتهم؛ بل طرأ تغيير جوهري في نظرة المجتمع إلى المثقف، وهو ما تجلى في التسطيح الاجتماعي الذي يؤدي إلى تسطيح المعرفة، ويتأتى هذا التدني من فقدان البوصلة الفكرية، وغياب التحفيز الفكري، وتهميش عامل الشغف الفكري، ذلك الغياب هو ما يعنيه المؤلف في تساؤله لاستعادة المثقفين لدورهم في مجتمعهم.

أنهى الكاتب الفرنسي «بسكال بوفيناس» الكتاب الذي راودته فكرته، واختار له عنوانًا «المثقفون المغالطون: والانتصار الإعلامي لخبراء الكذب» وأرسله إلى مؤسسات النشر، إذ به يتلقى ردودًا برفض قبول النشر من أربع عشرة مؤسسة للنشر، ولا شك أن إجماع هذا العدد من مؤسسات النشر رفضًا للكتاب، يؤكد أن ثمة شبكة مؤسسية تمارس السلوك السافر، الداعم لما هو مفارق للحقيقة تزييفًا وكذبًا، ومانعا للتنوير، لكن لأن «بسكال بوفيناس» بوصفه مثقفًا يحمل في ذاته مشروعًا ثقافيًا، وفكرًا تنويريًا، وصاحب إرادة قوية، وقناعة راسخة، ووعي كامل بما يقوم به، ولا يفتقر إلى شجاعة المواجهة، يؤمن بفعالية القيمة في مواجهة التزييف والكذب، ويشارك بإيجابية في صنع الواقع العام لمجتمعه؛ لذا لم تنجح محاولات استباق ظهور الكتاب، حصارًا، وتعتيمًا، وتجاهلاً إعلاميًا، حيث أصدر المؤلف كتابه عن دار نشر مغمورة عام 2011، فحقق توزيعًا وصل إلى 260 ألف نسخة في أقل من عامين؛ بل أيضًا نشره في متناول الجميع على المواقع الالكترونية بالمجان. لقد طرح المؤلف في كتابه همه العام بشأن مستقبل مجتمعه، وتحديدًا من فئة لا تتهم بالخطأ المعرفي أو الاعتقادي؛ بل لأنها تمارس الكذب والتزييف العام، بوصفه منفى المواطن المتنكر لمواطنته، وتشكل هذه الفئة أعمدة إعلام التزييف والكذب الذي يدور في سياق المصالح الأمريكية وأتباعها، وهم كما يراهم المؤلف يصطفون صنفين، صنف المزيفين الذين يؤمنون بقضية ما، لكنهم يعمدون إلى وسائل غير شريفة للدفاع عنها ونصرتها، وصنف المرتزقة وهم الأسوأ، لأنهم لا يؤمنون بغير مصالحهم؛ لذا يتظاهرون بالانتساب إلى قضية ما، ليس لقناعتهم بها؛ بل لارتفاع مردودها عليهم. يؤكد المؤلف أن كلا الفريقين يدرك مخالفته للأمانة الفكرية، لكنه لا يعبأ بها لأن الغاية تبرر الوسيلة، كما يرى أيضًا أن أعضاء الفريقين (المزيفين والمرتزقة) لا تتعرض وسائلهم للعقاب، لأن الكذب لم يعد سببًا لفقدان الأهلية، وهناك ما يمكن أن نسميه «التسميم الإعلامي» الذي يمنع المعلومة ويستبدلها، ويتجلى ذلك عندما تتحول النزعة الأخلاقية إلى مكارثية حقيقية، حيث يعتبر الخصم كائنًا لا أخلاقيًا يجب ممارسة حجبه ومنعه، وهو ما يؤدي إلى نوع من الإرهاب الفكري. ويخصص الكاتب قسمًا في كتابه لمجموعة من ثمانية أشخاص بأسمائهم من المزيفين، من بينهم زبرنار هنري ليفيس فيفضح تفصيلاً وتوثيقًا استباحتهم طرد الحقائق بالتضليل والكذب، ويؤكد المؤلف أنهم جميعًا قد خرجوا من تحت معطف زبرنار هنري ليفي، مثقف التزوير الأعظم في هذا العصر، الذي بنى مسيرته بلا حشمة من الكذبس. ترى أليس صحيحًا أن الثقافة هي الجوهر المؤسس للرقي الإنساني؟

لمزيد من مقالات د. فوزى فهمى

رابط دائم: