رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

قلب عبد الناصر .. وحزبه

◀ د. أحمد فؤاد أنور
الانحياز للمحرومين، والتقدم بإيقاع يلبي أحلام الجماهير بات درعاً تكسرت عليها السهام الموجهة ليل نهار للزعيم جمال عبد الناصر؛ فدعمته الجماهير في قراراته وتحملت الصعاب.. وبقي مشروع جمال عبد الناصر من المحيط للخليج شامخاً. وخرجت الجماهير لنصرته وهو في أدق لحظات حياته،

وخرجت تودعه بعد أن غادر دنيانا رغم انتفاء المصلحة أو شبهة الرياء والنفاق ولا يزال الكثيرون يرفعون صور عبد الناصر ويستدعون شعاراته ورؤاه وتجربته عند الاحتياج لمجابهة الغرب المتعجرف والاستعمار الجامح، وعند الاحتياج لورقة عباد شمس أو بوصلة للتحرك في مواجهة التطرف.

بقي عبد الناصر لأنه صاحب مقولة إن الجماهير هي القوة الحقيقية، والسلطة بغير الجماهير هي مجرد تسلط معادٍ لجوهر الحقيقة. فقد أدرك منذ اللحظة الأولى أن عينه على آمال ومطالب أساسية لغالبية الجماهير فاستند على تلك الجماهير وهو يتخذ بقلبه الشجاع قرارات تاريخية ..كما بقي لأنه في مقتبل عمره اقترب دون وسيط من كوادر الإخوان، واستطلع دون وسيط احتمالية الاستعانة بأمريكا اقتصاديا أو كداعم سياسي واقتصادي مساند وخلص إلى حتمية المواجهة، كانت البداية في 23 يوليو، حيث صاغ بيانا يتحدث فيه عن الرغبة في تطهير الجيش وليس إقصاء الملك وحين تأكد أن الجماهير في ظهره وتؤيد التوجه، حسم مع رفاقه الضباط الأحرار مصير الملك بثورة بيضاء، لكنها في ذات الوقت لا تعرف التردد أو الوجل أو أنصاف الحلول.

في خلال أسابيع قليلة أنصف عمال التراحيل بمضاعفة يوميتهم، وتطبيق نظام التأمين الاجتماعي والصحي على عمال التراحيل لأول مرة في مصر، ثم وزع الفدادين الخمسة من خلال الإصلاح الزراعي على صغار الفلاحين. أبعد محمد نجيب فقط بعد أن تأكد أن الجماهير غير غاضبة من هذا الإجراء ..أمم قناة السويس..وشيد السد العالي وأعتني بالصناعة وأقنع الجماهير بأن الرسالة وصلت وأنه جاهز للمهمة طالما لقي مساندة ودعم الناس، وبالفعل وزع السلاح على الشعب لمواجهة المعتدي حين صار الجهاد فرض عين في 56 وخرج من المعركة زعيما للأمة للعربية ..اختبر إمكانية التوصل لسلام مع إسرائيل بطرق غير صادمة للجماهير وحين تأكد من أن خيار السلام غير مطروح في إسرائيل وأن المطروح هو الاستسلام.. قاد حرب التحرير وخطط للعبور، ومهد له في ظروف قاسية بحرب استنزاف.. وبحائط صواريخ كان من أهم عوامل تحقيق النصر في أكتوبر.

قلب عبد الناصر لم يعرف الخوف أو التردد وهي من سمات القائد الناجح، لكنه في نفس الوقت كان يخطط لتحقيق أحلام الجماهير، ويترجمها لقرارات تطبق على أرض الواقع بقدر الإمكان..وكانت الرافعة التي استعان بها عبد الناصر، بالإضافة للكاريزما والقبول كهبة من السماء تأسيسه لتنظيم حزبي (الاتحاد الاشتراكي)، (منظمة الشباب) أخرج كفاءات وأدار حوارات وشجع شبابا.

لا تزال معركة مصر ضد الهيمنة الغربية قائمة ..ولا تزال الأمة العربية تنتظر أن تجتاز مصر مصاعبها لينصلح الحال على مستوى بقية الأقطار العربية..ولا تزال معركتنا ضد التطرف مستعرة، ويضاف لها معارك ضد الروتين والفساد. فهل سيفيد استلهام تجربة عبد الناصر التي جعلت حتى المتضررين من خفض إيجارات العقارات يتقبلون قراراته ويدعمونه، بل ودعمه قطاع عريض ممن تم اعتقالهم حينما رأوا تبنيه للشعارات اليسارية ومكافحته للهيمنة الغربية. فهل تحتاج التجربة لـطبعة معدلة تتجنب سلبيات التجربة (خاصة وأن عبد الناصر نفسه انتقدها مرارا)، وتستفيد أيضا من دهاء السادات، وتراعي أن التجارة باتت حرة والأسواق مفتوحة على الصعيد الاقتصادي والإعلامي..مما يغير من توازن القوى ويجبر المنتج المصري على خوض معركة لإثبات الذات والصمود في مواجهة الإغراق الاقتصادي والفكري.

حتى الآن مصر 30 يونيو لديها حساسية من تأسيس حزب يدعم توجهات الرئيس بعد تجربة سيئة مع عناصر استفادت أكثر مما أفادت، خاصة في عهد الحزب الوطني منذ تأسيسه وطيلة فترة مبارك. والاعتماد حاليا كله على شعبية الرئيس السيسي وثقة الملايين في جدارته وحنكته بعد توالي الانجازات المبهرة من إزاحة خطر الإخوان، ثم إعادة الكهرباء والأمن لشوارع مصر في وقت قياسي. مرورا بتحسين خدمات النقل العام وتدشين شبكة طرق ..والعشوائيات..وانجاز هائل في ملف مكافحة مرض فيروس سي. وانجاز مبهر في علاج مشكلة الكهرباء، وفي إصلاح منظومة التموين، وتوفير السلع لغير القادر بأسعار تنافسية.

خارجيا وكما عزز ناصر جماهيريا ارتكازه الواعي على الدائرة الأفريقية وقبلها العربية والإسلامية وتأسيسه حركة عدم الانحياز..تدير مصر الآن الملفات باقتدار وبقرار مستقل، فبعد أن كان جيراننا وأشقاؤنا الأفارقة يعلقون عضويتنا في الاتحاد الأفريقي استعدنا العضوية، بل ووصلنا لعضوية مجلس إدارة العالم (مجلس الأمن)، حيث حضر الرئيس منذ أيام قليلة قمة مجلس الأمن كأول رئيس مصري يحضر القمة، ناهيك عن حضوره قبلها بشكل استثنائي أيضا- قمة العشرين في الصين. رؤى مصر في ليبيا وفي سوريا وفي اليمن ثبت نجاعتها. وعلى صعيد إدارة ملف العلاقات المصرية الإسرائيلية تبنت الدبلوماسية المصرية خط انتزاع كامل حقوقنا في الدفاع عن سيناء، ودعم قوة جيشنا، مع الاستمرار في فضح إسرائيل دوليا بلهجة مقنعة هادئة أمام الرأي العام الدولي..وبما يتفادى ضغوط متوقعة من الغرب..في ترتيب حكيم للأولويات المصرية ويراعي الالتزامات القومية والاتفاقات المبرمة في الوقت ذاته.

لكل مرحلة من مراحل التحرر الوطني رمز للمسيرة ومعقد آمال جماهيرها. ناصر كان من هؤلاء العظماء بعد أن قرر مواجهة حفاء وفقر الفلاحين البسطاء.

المرحلة الحالية مرحلة تحولات تاريخية على المستوى الداخلي والدولي والإقليمي نحتاج فيها لقلب شجاع ونحتاج أيضا لمن يجتهد لتغيير الثقافة السائدة للجماهير التي تعوق التحول ويجعلها عاملا مساعدا على انجاز التحول من توزيع الإمكانيات المحدودة على من يستحق وعلى من لا يستحق فتتفتت الموارد والمطلوب هو فصل غير المستحق للدعم عن المستحق لزيادة ما يحصل عليه من يستحق وتحسين خدمات عامة أصابها الشلل منذ عشرات السنوات.

هل نجح عبد الناصر بسبب مساعدة التنظيم الحزبي وانتشاره بين الجماهير؟ أم أنه نجح رغم كون هذا التنظيم عبئاً عليه؟ وهل مصر 30 يونيو لا تزال في حاجة ملحة لحزب قائد أو جبهة فعالة يعبر عن 30 يونيو ويساعد في اجتياز المصاعب وصد عمليات تشويه الانجازات ونشر روح اليأس بحوار مجتمعي وأفكار غير تقليدية تفضح الإشاعات والأكاذيب وتمس مشاكل المواطن؟ اعتقد الأمر يحتاج مراجعة ونقاشاً جاداً خاصة ولو تفرغ بتوليفة من الشباب والخبرات السياسية والتكنوقراط لدراسة مشاكل الجماهير وتقديم تصور واقعي ومتكامل لحلها.. كيان حزبي يتصدى بحزم للتجارة بالدِّين وبشعارات ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب والتفتيت ودعم المشروع والمصالح الغربية..كيان يحارب الفساد والروتين، ويؤمن بأن مصر تستطيع تجاوز الأزمات وتحقيق الآمال بإرادة وتخطيط وجهد وصبر..وعزم الجماهير.

في جميع الأحوال يعزز مناعة مصر التي تجعلها عصية على مؤامرات التقسيم والتفتيت إنعاش ذاكرة مصر الوطنية وإحياء ذكرى جمال عبد الناصر، ثم الترتيب من الآن من خلال وزارتي الثقافة والشباب والرياضة وبقية المؤسسات الرسمية وغير الرسمية للاحتفال بالذكرى الستين لعيد النصر في ديسمبر القادم، فالحل السحري في مواجهة العدوان الخارجي والتجويع والحصار هو تماهي الجماهير مع القيادة كما حدث في 30 يونيو وكما حدث في صد العدوان الثلاثي عام 1956.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق