رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

معًا فى الضياع.. مشارقة ومغاربة

الخطاب النّخبوي العربي يقدم، في مجمله، أكاذيب وأساطير، ويزيّف الوعي بجعل الجغرافيا تطغى على التاريخ والفكر والإبداع، وهناك مخاوف مبررة وغير مبررة بين العرب، والبأس الشديد بينهم ليس نابعا من الحالات والمواقف السياسية فقط، بل إنه يشمل الثقافة والفكر أيضا، ومثلما هناك شكاوي بحسرة وألم من تجاهل مشرقي للمنجز المعرفي المغاربي والخليجي بل وتسفيهه أحيأنا، هناك بالمقابل قناعة مشرقية على إن الطرح خارج المركزية ــ أو لنقل مجموعة المراكز أو الحواضر التي تحولت اليوم إلى بقايا أطلال نقف عندها آملين في عودة أهلها ــ مهما أوتي من بيان أو حجة لا يرقى إلى ذلك الميراث المتراكم، حيث المشرق هو المركز وهو المرجعية والمنطلق، مع أن محطات كثيرة في التاريخ أثبتت عكس هذا تماما.

ونتيجة لتلك المخاوف، ونظراً للحالات العربية الراهنة، واتَّساقا مع المشاريع الدولية الجاهزة للتغيير، والتي لن تتحقق مهما حاولت الأمم المتكالبة، ومهما أبدت الجبهات الداخلية عندنا من استسلام، فإن الرهان اليوم على حروب تقوم بها الأقليات سواء أكانت أقليات عربية ـ مثل الحديث بروح القبيلة في الحرب اليمنية الراهنة، أو الانتساب للقبيلة أكثر من الدولة كما هي الحال في باقي الدول الخليجية العربية الأخرى، أو حتى الصراع القبلي من منطلق مذهبى. وإذا كٌنّا نعذر ما تقوم به الأقليات ـ غير العربية نسباً وأصْلاً ـ نتيجة تراكم المظالم، فإن الرفض يواجه النّخب العربية لأنها أشد إيلاماُ وتأثيراُ، كونها تسهم في التوتر الاجتماعي العام، وتزعزع الجبهة الداخلية، مع أنها تعمل من أجل التميز وإثبات الوجود ضمن منظومة مغربية ـ مشرقية، أي أنها تتحدث بمنطق الجغرافيا وليس بمنطق الهوية والانتماء، وقد ساعدها في ذلك الترويج لشفونية وطنية أثبتت عدم جدواها في الماضي الاستعماري لدولنا، وتكشف اليوم عن فشل في المواجهة.

لقد ساعد هذا النوع من التفكير اتجاه بعض الأقاليم في دول كبرى إلى الاستقلال الذاتي أو الكامل، وهو ما يساعد على تكريس الدول القطرية، والواقع أن الذنب لا تتحملّه الحكومات وحدها، بل هي شريكة مع الأحزاب والتنظميات وكثير من المثقفين، ونحن اليوم نُعرّف بأوطاننا أكثر مما نُعرّف بقوميتنا، مع تراجع ملحوظ للتعريف من خلال الدين، وهو الذي وحّد العرب في البداية، وهو الذي يٌتَّخذ مطيَّة اليوم لتفريقهم حين ترك للسفهاء. وإذا اعتبرنا الأحزاب ـ موالاة ومعارضة ـ جزءاً من الحكم، أي أنها مجموعات في الحكم أو تسعى إليه، فإن مصلحتها المباشرة هي في دفع شعارات الوطنية إلى الواجهة، وهذا يجعلها تشكك في أي دعوة من المثقفين القائلين: إن أمتنا أكبر من أن تختصر في حيز جغرافي.. إنها امتداد كوني ـ معرفي بالأساس، وهي تعارضهم من الناحية العملية حتى لو وافقتهم على مستوى الخطاب والتنظير، وتجاوبا مع أطروحات السلطة، المبررة لوجودها غير الشرعي في غالب الأحيان، انقسم الوطن العربي إلى مشرقي ومغاربي، وهذا تقسيم سياسي وليس فكريا أو ثقافيا أو حضاريا، وأحيانا يتم التخلي عن التقسيم الجغرافي، لصالح أنظمة الحكم والحالة الاقتصادية. لنتامل المشهد العربي منذ ما يعرف بعصر النهضة، فكلما ظهرت هناك حركة تجديد إلا وقوبلت بالرفض، نتيجة لخصومات وهمية مع الماضي القريب( فترة الوحي ومابعدها)، وغوص في الماضي البعيد( فترة الجاهلية وما قبلها وصولا إلى إرم ذات العماد وربط ثمود للصخر بالوادي، ومدنية فرعون ذات الأوتاد)، والنتيجة إما انشغال كامل عن الحاضر بخلافات المسلمين في قرون ما بعد الوحي، أوالعودة إلى الكهوف المظلمة، وعندها يتم الاستنجاد تاريخياًّ وفكرياًّ بأمم خلت لها ما كسبت، وهي أنثربولوجياً غير ذات صلة بالحاضر.

ليس التنابز أو التصادم أو حتى التفاخر بالانتماء للمشرق أو للمغرب حالة صحية، حتى لو نظرنا للأمر من زاوية الخصوصية، لأن الثراء في ثقافة الأمة لا يعني الاختلاف لدرجة الشك، ثم أنه من ناحية الفائدة المباشرة من ناحية التعامل بمقاييس السوق أفضل للمثقفف قبل غيره أن يتوجه لأمة ممتدة على أن يكون غارقا في مجتمع ضيق، هو صغير مقارنة بحجم أمة مهما يكن كبره. ليتخلّص المثقفون العرب من قراءة الفكر وتبعاته من منطلق سياسي، أو من واقع جغرافي، ليس فقط لأن التّبعيّة للجغرافيا تعد أكذوبة ما لم تكن تنتمي لأمة جامعة، ولكن لأمر آخر أهم هو: ان الوضع الراهن، وفي ظل ضعف عربي شامل، وتراجع في الأدوار، وتبعية مطلقة، وتخلف مطلق في دول، وحداثة مفرطة غير مصحوبة بتغيّر سياسي في دول أخرى، فإن وثنية ماضية أصبحت هي المنقذ، أمازيغية في المغرب العربي، وفرعونية في مصر، وآشورية في العراق، وفينيقية في سوريا ولبنان، وأفريقية في السودان، وحضرموتية ـ إن جاز التعبير ـ في اليمن، وانتماءات شتى في بقية الدول العربية، بما فيها الدول الخليجية.. سفينة العرب تغرق، ومعها سيضيع المجداف والملاح، ولإنقاذها علينا حسم الخلاف بين العرب، مشارقة ومغاربة، لأن خلافهم الجغرافي والفكري، سيؤدي إلى إلغاء مشاركة الأمة في الحقل العالمي للثقافة، وسيترك الأقليات تصارع وحدها بلا معين، وذلك ذهاب ما بعدهُ عودة لنا ولها.

لمزيد من مقالات خالد عمر بن ققه

رابط دائم: