رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

تنظيم الغرق وفوضى الإنقاذ؟!

البحر ثلاجة موتى هادرة الموج، والموج نعوش تختال في قسوة، تقذف مع كل مدٍ جثمان، يستقر على شاطئ رشيد المطمئن، فيسري الاضطراب في حبات رماله القاتمة، ويدوي صرخات مرة في أعماق نفوس أهالي الضحايا، بينما يحلق في أفق الوطن كروان الضمير وحداؤه (الملك لك لك يا صاحب الملك).

أتذكر (من أراد واعظاً فالموت يكفيه)، وأي واعظ أشد أثراً من أحلام استحالت سهاماً حصدت أرواحاً وأجسادا، وأي ملوحة أقسى من تلك التي أكلت ملامح الجثامين فلم تبق لأحلام أصحابها أطلال ملامح، وأي بلل ذلك الذي يفضح، أفضحُ من ماء البحر المتوسط الذي استحال دليلاً على عجز الإرادة وأزمة الإدارة؟!

وفي (شِبْه الدولة) التي نحيا، تنهال على واقعنا نوائب الطرح لغرس عصور الفساد والإفساد، ساعية لفرض اليأس حالة شعبية، وخيبة الأمل فريضة مجتمعية، حتى يفقد الوطن ثقة مواطنيه في قدرته على الرعاية، وتنهار أواصر الوطنية الجمعية المؤهلة للحماية، وتصبح حصون المصريين متاحة أمام كل فاسد أو مفسد

لقد خلف واقع (شبه الدولة) حالة إنسانية مفزعة، في التعاطي مع مأساة وطنية متكاملة المرار، حيث أثبت الواقع أن أداء الدولة الإداري عصامي البيروقراطية في إدارته للأزمات والكوارث، بحيث لم يثبت خلال العمر الفائت من السعي نحو استهداف الجمهورية الجديدة، امتلاكه أى رؤية آنية قابلة للتحقيق حيال إدارة الأزمات، وهي الرؤية التي يفرضها الواقع الوطني منذ 30 يونيو 2013م، فرضها إيماناً ووضوحاً في وعي كل مسئول، وحتَّمَها ميثاقاً وطنياً للمرحلة يؤمن به كل جندي على أي ثغر من ثغور الوطن المستهدف، ولا فرق في ذلك بين رئيس ومرءوس، أو بين مرابط على الحدود ومرابط في طوارئ مستشفى أو مصنع.

أما على مستوى الإعلام في عصر (شبه الدولة)، فالإعلام الرسمي في حالة استسلام للموت الإكلينيكي، وليغرق أو يحترق أو ينفجر أو يحدث ما يحدث لمن شاء ولو كان على بعد خطوات من مبناه العتيق، فالمريض مستسلم لمواته، وذووه يتصارعون تارة على توزيع تركة مثقلة بالديون، وثانية على مواقعهم في صفوف متقدمي الجنازة، وأخرى على كراسيهم في سرادق العزاء.

لكن المستوى الأكثر نخاسة في واقعنا الإعلامي تجلى في الإعلام الخاص، حيث سياسات اقتصادية إعلامية ترسمها معايير المتاجرة بالفاجعة لا مُتابعة المصاب ومحاولة تطبيبه، حتى وصل الأمر إلى عناوين من نوعية (أشهر حوادث الهجرة في السينما أقوى مشاهد الغرق في الأفلام)!.

وأفرز واقع (شبه الدولة) حالة فرز إنساني تشذ عن واقع التكوين النفسي المصري، حيث استطاعت حملات الاستقطاب التنظيمي (الإخواني)، أن تعمل عملها في الوعي الجمعي المصري عبر أدوات التواصل الاجتماعي، ليتحول مصاب الإنسان المصري إلى مناظرات إلكترونية بين طرف يحاول استثمار الحدث متاجرة بالجثامين ليخصم من رصيد حكم الرئيس عبد الفتاح السيسي، وبين متشفٍ في الضحايا بدعوى (إيه اللي وداهم هناك) متناسياً أنه قد قال قبلها (اللي مش عاجبه يغور من البلد)، وهو في الحالتين يتوهم أنه يدعم الوطن ونظام حكمه.

وهنا يبزغ في أفق الضمير ملمح (إن كان كل ضحية على سفينة الموت، قد استطاع تدبير 35 ألف جنيه ليهاجر، ألم يكن من الأجدى أن يبدأ بها مشروعاً، أو أن يتشارك كل عشرة مهاجرين في بناء مشروع أكبر)، وهو ما يقود إلى تساؤل (لماذا اختار هؤلاء الشباب وذووهم سبيلاً قد يحملهم إلى الموت بنسبة يرونها وهم يدبرون المال؟).

وبمثل مرار الفاجعة يسوقنا واقع (شبه الدولة) إلى الإجابة، فمصر في هذه المرحلة تفتقر إلى تنظيمات الإنقاذ ورؤاه، وكل المنتفعين من واقع (شبه الدولة) حريصون كل الحرص على غياب استراتيجية البناء الوطنية الشاملة، فالتراث البيروقراطي للموظف المسئول، والفساد الإداري للنسيج الوظيفي، والإفساد الفطري للبدن الاقتصادي، جميعها عوامل يتعارض تكامل مصالحها، مع أي تنظيم للإنقاذ. ولذا كان هناك من يسوِّق لرحلات الغرق، ومن أسس لها شبكات تواصل، ومن أنبت لها قواعد ومحطات وسماسرة قادرين حتى على الاتصال مع غير المصريين. وكان في انتظار غرق المركب تنظيمات أخرى في مقدمتها الإخوان-، جندت أفرادها وسخرت إمكاناتها، وشحذت سهامها الإعلامية والإلكترونية، لتتخذ من الحدث مادة خادمة لأهدافها في إغراق الوطن كله.

وهكذا يدور الإنسان المصري في دوامة منظمة تكرث للغرق، وتخير المواطن بين أن يغرق داخلياً في بحيرات أزمات (شبه الدولة)، أو خارجياً في بحر لجي يغشاه موج (شبه الدولة)، ولهذا يصير فرضاً وقاية الوطن من (تنظيمات الغرق)، عبر وضوح رؤية عاجلة تستهدف إعادة الثقة في الوطن، وتبصر صاحب السيادة الشعب- بآليات الإنقاذ المنشود من قبل المفوض بالإدارة الرئيس-، بما يعيد الثقة للمواطن في الوطن الراعي، ويمكن صاحب السيادة من استرداد قدرته على أن يحلم فيه وله، وبالتالي لا يفقد قدرته على أن يرى في الموت واعظاً.

لمزيد من مقالات عبد الجليل الشرنوبى

رابط دائم: