رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

مصر الأسيرة بين «اللمبى» و«الأسطورة»

ثمة انحراف فى المزاج الاجتماعى المصرى، خاصة لدى الشباب والمراهقين الذين هم فى مراحل الدراسة أو على أعتاب مرحلة العمل، نحو نماذج القدوة القائمة على الإبهار بديلاً عن نماذج القيمة التى كان المجتمع قد اعتبرها من معتقداته الراسخة فى مراحل سابقة من تطوره السياسي والثقافى. ففى العهد الناصرى، وإبان تألق الوطنية المصرية وازدهار دورها فى الإقليم، بفعل قيادتها لحركة التحرر العربى، وخوضها معارك متوالية ضد إسرائيل دفاعا عن فلسطين وسيناء، كان حلم الشاب الأول أن يكون ضابطا بالجيش مدافعاً عن الوطن، مثلما كان العمل بالسد العالى حلما كبيرا محفزا لدراسة الهندسة لدى جيل كامل ارتأى فى المعرفة طريقا لخلاص الوطن من التخلف، وفى السد نفسه مثالاً بارزاً ورمزاً شاهقا للتحدى السياسى والإنجاز الحضارى. وكان حلم شاب آخر أن يصبح طبيباً كبيراً يضع علمه فى خدمة الناس، ويبذل جهده فى مواجهة آلامهم، باعتباره طريقا للرضا عن النفس وتحقيق الذات. بينما كان الشاب الثالث يحلم بأن يكون كاتبا على درب طه حسين بقرائه ومريديه الذين تأثروا به وأكبروا كفاحه قبل موهبته، أو على درب العقاد بحضوره الطاغى ومعاركه الثقافية التى لا تزال أصداؤها تتردد حتى الآن. لقد واكب الفن المصرى هذه النماذج الملهمة، مكرسا لها كمستودع قيم أخلاقية راسخة، ومنبع قيم فنية خلابة. كما عبر عن المعارك التى خاضتها، فملحمة بناء السد العالى كانت حاضرة فى إبداع المؤلفين، وأوتار الملحنين، بأصوات كبار الفنانين. ومثلها كانت ملحمة العبور فى اكتوبر المجيد مكتوبة بمداد من الدم، معمدة بترانيم الخلود، ومغلفة بصدق لانهائى لا يزال بعد أربعة عقود قادرا على انتزاع دموعنا من مآقينا، وبث الرعشة فى صدورنا، ونحن نصغى لحكاية شعب رفض الهزيمة وأراد الثأر، كانت الأرض أعز عليه من النفس فلم يبخل على التراب بالدم، ولسيرة قائد سياسي امتلك شجاعة القرار وروح التحدى فخلده الفن قبل أن تغتاله طيور الظلام. لقد كان العقل حاضرا فى حياتنا، وكان المجتمع يقظا مدركا للطريق الذى يتوجب عليه السير فيه حتى لو كانت هناك صعوبات. لكن بمضى الوقت، ومع ذبول المشروع الوطنى التحررى، أخذ التعليم المصرى فى التراجع، والثقافة المصرية فى التدهور، والفن المصرى فى الانحطاط. لم يعد للتعليم قيمة سوي البحث عن وظيفة غالبا لا تأتى، وهو فهم سوقى للمعرفة لا يرقى إلى مستواها. ولم تعد للثقافة قيمة تذكر بعد أن توقف الجمهور عن القراءة، وانصرف عن معارك الفكر إلى فضائيات النميمة، وبرامج المشاكسة اللفظية، وربما الاعتداء البدنى، ناهيك عن المعارك الوهمية التى تدور رحاها عبر أدوات التواصل الاجتماعى، وجميعها قنوات تسطيح رهيبة وآلات تجهيل مبهرة إن لم تستخدم بذكاء واعتدال. فى هذا السياق تراجعت نماذج القدوة والقيمة التى كان المجتمع قد تعارف عليها واعتبرها بعض معتقداته الراسخة، لمصلحة نماذج الإبهار والشهرة، وتحورت أحلام الكفاح والنجاح القديمة إلى أوهام جديدة عن الثراء والشهرة السريعة، مع مطلع التسعينيات أخذت السينما المصرية، على طريق الاستسهال، تحتفى بـ (كوميديا العاهات) حيث الاعتماد على غرابة أشكال المضحكين الجدد وارتداء بعضهم ملابس نسائية، بدلا من الاجتهاد فى رسم موقف يتسم بالمفارقة، يشوبه التناقض المثير لمرارة السخرية، على النحو الذى جسده نجيب الريحانى بسخريته اللاذعة والعميقة، وكذلك فؤاد المهندس، بينما كان عبد المنعم مدبولى رائعا دائما، بل إن اسماعيل ياسين، الذى لم أتجاوب أبدا معه، كان أكثر وقارا من النموذج المستعاد لهذا النوع من الكوميديا.والأخطر من ذلك إن متوالية الهبوط لم تتوقف بعد ثورتين، بل ذهبت إلى الاحتفاء بما هو سلبى وليس فقط مظهريا، كما تمكنت من فرض نفسها على الفن المصرى، الذى اختفت منه الطبقة الوسطى بكل قيمها الراقية، وتزعاتها الكفاحية وعلاقاتها الإنسانية السوية، فلم يعد لدينا سوى رجل الأعمال الفاسد فى مواجهة الفقر المدقع. وهنا رأينا أعمالا درامية كثيرة تسخر من شخصية العالم، باعتباره حالة سيكوباتية تثير شعورا بالرثاء، ومن المثقف باعتباره حالة كاريكاتورية تحفز على السخرية، بينما يتم الاحتفاء بشخصية (البلطجى)، القادر على مناطحة الكبار، وشق طرق جديدة للحياة لا تنهض على العقل ولا تكترث بالعلم ولا تحترم الكفاح الإنسانى بل على ممارسة الفهلوة ثم القسوة والعنف. كان الفن المصرى قد اكتفى بنفاق هذه التحولات المجتمعية فى التسعينيات، ولكنه أخذ فى الاحتفاء بها فى العقدين الأخيرين. ولعل شخصية مثل (اللمبى) حيث الفهلوة ممزوجة بالهطالة، والتى جسدها الفنان (محمد سعد) فى أكثر من عمل قبل 25 يناير هى نفسها شخصية «الأسطورة» التى جسدها الفنان محمد رمضان، بعد أن حملت قدرا كبيرا من العنف، حيث البلطجة ممزوجة بالجدعنة، تعبيرا عن غياب الذوق والرحمة (وهو الخبر الجديد) بعد غياب العقل (وهو الخبر القديم). من المؤكد أن هذه الشخصية أو تلك كانت موجودة هنا أو هناك، وأن أناسا فى المجتمع قد حملوا بعض صفاتها السلبية، لكن ما قامت به السينما ثم التليفزيون من جمع وحشد لصفاتهما معا، ثم تحميلهما بمغزى إيجابى يثير التعاطف، قد أدى إلى توكيدهما كنموذج إنسانى قابل للحياة، لم يعد موجودا فقط باعتباره آفة مجتمعية أو نقيصة أخلاقية، بل مرغوبا بذاته لما يحمله من إيجابية وفعالية فى مجتمع يكاد يغيب فيه القانون مثلما غاب العقل. وهنا تعود معالم القدوة التى تشوهت فى المجتمع لتكمل تشوهها فى الفن، قبل أن ترتد إلى المجتمع مرة أخرى فى صورة أكثر شراسة وانتهازية وعشوائية وأقل إنسانية وأخلاقية وجمالية.
[email protected]
لمزيد من مقالات صلاح سالم

رابط دائم: