رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

قراءة فى رسائل لم تكتب بعد

فاجعة مركب الموت التى غرقت يوم الأربعاء الماضى (21/9/2016) فى مياه البحر المتوسط قبالة ساحل مدينة رشيد ليست الأولى، وحتماً لن تكون الأخيرة إذا بقيت الأوضاع، كل الأوضاع، على ما هى عليه، دون دراسات معمقة لأزمة اضطرار الآلاف من شباب مصر وفتيانها إلى التورط فى قرار أقرب ما يكون إلى الانتحار والمقامرة بالمستقبل، ودون إدارة حازمة لهذه الأزمة قائمة على حلول توصى بها تلك الدراسات، والتزام حاسم من جانب كل الأجهزة المعنية فى الدولة أن تقوم بالأدوار المطلوبة لوضع نهاية لهذه الفواجع التى أخذت تضرب قلوب المصريين على بلدهم ومستقبل شبابهم، فى ظل حالة، غير مسبوقة، من الارتجال والتخبط فى إدارة المشاكل والأزمات.

مركب الموت هذه كانت تحمل بكل أسف اسم «موكب الرسول»، وهذه هى فاجعة أخرى إذ أخذ كل شىء يفقد معناه ومغزاه، يقدم نموذجاً لنوع من الأزمات يمكن تسميته بـ «الأزمات المركبة» فقرار الرحيل الانتحارى من مصر أو من الحياة كلها ليس أمراً سهلاً، لكن حتماً وراءه حزمة من الدوافع والأسباب تجعله المخرج الوحيد من كابوس ضغوط مريرة، وسوداوية حياة بائسة للآلاف من الشباب.

أتصور، على العكس من العديد من الكتابات المتعجلة المنشورة فى الصحف المصرية، أن الأزمة ليست مجرد أزمة أمنية أو تقصير أجهزة الأمن فى أداء واجبها لمنع مثل هذه المراكب من الإبحار والاتجار فى البشر، أو غياب القوانين الرادعة فقط، هناك حتماً جانب أمنى لكنه جانب فرعي، ولذلك فإن وزارة الداخلية وأجهزتها ليست الطرف الأول المعنى بالبحث والتحليل والتوصية بالإجراءات، ولكن هناك جهات أخرى معنية أكثر من غيرها وأكفأ من غيرها لتقول لنا أين الحل، وكيف يمكن أن نواجه مثل هذا النوع من الأزمات وفى مقدمتها جهة مصرية صميمة ومتخصصة لم يفكر أحد فى أن يتجه إليها فور حدوث الكارثة لفهم أبعادها والتوصل إلى الحلول العلمية لأننا لم نعود أنفسنا على أن مراكز البحوث والدراسات المتخصصة هى الجهات المعنية بتقديم الرؤى العلمية والحلول الجادة للأزمات. والجهة التى أعنيها هى «المركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية» وهو المركز العتيد الذى يزخر بنخبة عالية الكفاءة والتخصص المتنوع فى العلوم الاجتماعية المختلفة وهو الأجدر بدراسة مثل هذا النوع من الأزمات الذى تتعدد جوانب دراسته.

فالأزمة ليست مجرد أزمة مركب استطاعت أن تفلت من رقابة الأجهزة الأمنية بوسائلها التى باتت معروفة ومحفوظة وفى مقدمتها بالطبع الفساد الذى تحول إلى سرطان ينهش فى مختلف مكونات الدولة والمجتمع فى مصر، ولكنها أزمة لها أبعادها الاجتماعية والنفسية والاقتصادية والسياسية والجنائية، والمركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية به علماء أفاضل فى كل هذه الفروع من العلوم الاجتماعية، وهو الأجدر فى تقديم الحلول والمقترحات التى يجب أن تتحول إلى قوانين وتشريعات وإجراءات ضبط ورقابة، ناهيك عن التوصل إلى إجابة دقيقة للسؤال المحوري: ما الذى يدفع الشباب إلى هذا الرحيل الانتحارى من مصر؟.

وأتصور أن الروايات المنقولة عن الناجين أو عن أهالى المصابين، وعن هذا العدد الكبير من الصيادين المصريين الشرفاء من محافظتى كفر الشيخ والبحيرة تصلح لأن تكون باكورة مادة للبحث عن إجابة لمثل هذا السؤال المحوري، فهذه المادة تكاد تكون رسائل ضمنية لم يكتبها الضحايا بأقلام قد لا يجيدون استخدامها ولكنهم كتبوها بأرواح مازالت تهيم حولنا بحثاً عن إجابة لسؤالنا وسؤالهم: ما الذى دفعهم إلى هذا الرحيل الانتحارى الذى ليس «هجرة غير شرعية» كما يحلو للبعض أن يسميها ولكنه هروب من حياة بائسة. وإليكم بعض نماذجها:

أحمد (أحد الناجين) «فكرت فى الرحيل (الهجرة) لتدبير مصاريف جوازي، وأفرّح أهلى بدل ما أقعد 50 سنة أحوش.. كل ركاب المركب فى عمر الزهور، ولم يتمن أحدهم الموت، بل حلم بحياة آدمية لم تتوافر له فى بلده». حمد (آخر) من أبناء قرية الجزيرة الخضراء بمحافظة كفر الشيخ وأحد الناجين أيضاً يقول: «هسافر تانى إلى إيطاليا لو جاءتنى الفرصة من جديد، وإذا فقدت حياتى سأكون شهيداً.. لأننى هنا دون عمل، والبطالة غول يلتهم أحلامنا.. لو أن الزمان عاد لكررت التجربة.. ولم لا ؟ قد تأتى الفرصة وأصل إلى روما».

والد أحد الضحايا: «ابنى باع ذهب ابنته وجزءا من عفشه حتى يتمكن من السفر، ليستطيع مواكبة غلو الأسعار، وشراء منزل له يعيش فيه بعيداً عن منزل والده». محمد سلام (فقد ابن شقيقته وهو الابن الأكبر لوالديه اللذين كانا يعتمدان عليه فى حياتهما حيث كبرا فى السن وهو مصدر الأمل الوحيد لهما): «محمد فايز خلّص دراسته، واشتغل شوية مبيض محارة، وبعدها ساب الشغلانة، وفضل عاطل فترة وبعدين بدأ يفكر فى الرحيل (الهجرة) زى باقى شباب القرية والقرى اللى حوالينا».

والد أحد الناجين: «ابنى عمره 18 سنة، كان يشعر بضيق المعيشة فى مصر ما دفعه إلى تقليد أقرانه من الشباب بحثا عن حياة أفضل.. لم أستطع منعه من السفر بسبب إحساسى بعدم جدوى بقائه فى مصر، حيث يقبض فى الخارج بالعملة الصعبة».

روايات حزينة تكشف أحد جوانب المأساة متعددة الجوانب التى من بينها قصور أداء الأجهزة التنفيذية كما روتها الصحف، أو روت بعضها، والتى هى أيضاً فى حاجة إلى دراسة وقرارات.

تقول بعض هذه الروايات إن «المئات من أهالى الضحايا توافدوا أمام بوغاز رشيد فى انتظار خروج جثث ذويهم ما تسبب فى تأخر عمليات نزول الجثث، من المراكب بسبب زحام الأهالى حول الجثث فى ظل عدم وجود سيارات إسعاف تنقلهم. ونقلت مراكب الصيد الصغيرة أهالى الضحايا إلى المراكب التى تحمل الجثث للتحقق من أصحابها قبل النزول إلى الشاطئ، وحملت مراكب أخرى الثلج إلى المراكب التى تحمل الجثث لوضعها عليها حتى لا تتعرض للتحلل بفعل حرارة الجو».

«قطع الأهالى فى الصباح (الأربعاء) الطريق المؤدى إلى الطريق الدولى الساحلي، وبعدها تم السماح لمراكب الصيد بالخروج للبحث عن الجثث».

«الدولة غابت عن الكارثة بداية من التعامل مع الاستغاثات، وحتى انتشال الناجين، ومنع الصيادين من الخروج للمساهمة فى عملية الإنقاذ فى بداية الأزمة، ولم يتم السماح لهم إلا بعد قطع الطريق».

الحل، بهذا المعنى، ليس فقط كما يروج البعض بفرض إجراءات حاسمة أو تغليظ العقوبة على الهجرة غير الشرعية، أى تشديد العقوبة على من يفكر فى «الانتحار الطوعى بالرحيل» ولكنه البحث فى حلول تكفل له أن يعيش فى بلده حياة كريمة وآمنة بدلاً من أن يفكر فى الانتحار. فنحن أمام كارثة اجتماعية اقتصادية أولاً قبل أن تكون كارثة أمنية، والحل الأمنى وحده لن يفيد إلا فى مضاعفة أسباب ودوافع الرحيل.

لمزيد من مقالات د‏.‏ محمد السعيد إدريس

رابط دائم: