رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

محاولة اغتيال هيكل.. متى تُكْشَف أسبابها؟!

رغم كل ما كتب عن الأستاذ الكبير محمد حسنين هيكل منذ رحيله في بداية هذا العام وحتي الآن، إلا أن هناك الكثير في حياته مما لم يكشف عنه النقاب بعد، ومن الأمثلة علي ذلك دوره الفاعل في أحداث 30 يونيو والأيام القليلة التي تلتها والتي غيرت الوضع السياسي في البلاد بشكل كامل، وقد كان الإخوان أول من أدرك هذا الدور لأنهم كانوا أكثر من أضير منه، وقد تصرفوا مع هيكل علي أساسه فأصدروا قرارهم باغتياله.

وبما أن الأطراف الأخري في هذا الموضوع، وهي أطراف أصيلة ومازالت فاعلة، هي صاحبة القول الفصل في كشف أبعاده، فإني اكتفي هنا بالإشارة إليه مؤكدا بما لدي من معلومات لا يرقي إليها الشك أن دور هيكل في تحديد مسار الأحداث في تلك المرحلة الدقيقة من تاريخنا كان مؤثرا تأثيرا كبيرا، ولن أزيد في ذلك، وسأكتفي للتأكيد علي ما أقول أن أؤكد أن وقت اشتداد الأزمة السياسية في الأيام السابقة علي اندلاع ثورة 30 يونيو 2013، كانت سيارة إحدي الجهات الرسمية تقل هيكل يوميا في الصباح من منزله بالجيزة وتعيده إليه بعد الظهر، وقد تعجب هيكل حين أخبرته بعلمي بذلك، ورفض الرد علي استفساراتي حول ملابسات هذا الموضوع.

علي أن ذلك لم يكن خافيا عن جماعة الإخوان الذين كانوا مازالوا وقتها في الحكم ولديهم القدرة علي معرفة ما يجري في أجهزة الدولة، ومن هنا كان أول تصرف قاموا به بعد فض اعتصام رابعة المسلح هو إصدار الأمر باغتيال هيكل، فما حدث في بيته الريفي ببرقاش والذي مازال البعض يتحدث عنه باعتباره حريقا، كان في الحقيقة محاولة اغتيال مكتملة الأركان، فمن المعروف أنها تمت في الأيام التي يمضيها هيكل في برقاش والتي تصادف أنه لسبب ما لم يذهب اليها في ذلك الأسبوع، فأنقذه القدر مما كان يريده له الإخوان، ومات الميتة التي أرادها له الله بعد ذلك بثلاث سنوات تقريبا.

وقد سبق ذلك واقعة قد لا يعرفها أحد خارج أسرة الأستاذ هيكل، وهي أن أحد الأشخاص التابعين للإخوان والقريب من الأسرة، سأل أحد أبناء الأستاذ هيكل إن كان والده لديه حراسة خاصة، وقد تعجب أن جاءته الإجابة بالنفي، وألح وقتها علي ضرورة أن تكون له مثل هذه الحراسة.

ولم يكن حريق برقاش هو المرة الأولي التي قدر الله فيها النجاة للأستاذ هيكل من محاولة اغتياله، فقد حدث في عهد عبد الناصر وعلي اثر اشتداد هجوم هيكل علي دولة المخابرات، أن تعرض لمحاولة قتل وهو يغادر مبني «الأهرام»، حيث ركب سيارته فجلس بجوار السائق وفي نفس اللحظة انطلقت رصاصة مجهولة واستقرت في المقعد الخلفي للسيارة والتي تصور من أطلقها أن هذا هو المكان الذي سيجلس فيه الأستاذ هيكل، ومن الغريب أن تلك الواقعة تم التكتم عليها ولم يكشف عن ملابساتها، ولم تقم الأجهزة الجنائية بالتحقيق فيها، ولم يصدر جهاز صلاح نصر الذي كان يباهي بأنه لا يخفي عنه شيء، وأنه يعرف «إلي أين تمضي كل نملة في إسرائيل»، أي تفسير لها.

وإذا كان الأستاذ هيكل قد نجا من محاولة الاغتيال التي قال لي شخصيا إنها تمت بقرار من مكتب الإرشاد، وهو ما كرره بعد ذلك في أحد أحاديثه، فإن ما تم اغتياله في برقاش لا يقل عن هيكل في كراهية الإخوان له، ذلك هو التراث التاريخي والحضاري المتمثل فيما كان لدي الأستاذ من وثائق جمعها علي مدي عشرات السنين، وفي مكتبته النادرة التي كانت تضم بعض أهم الكتب العالمية بإهداء شخصي من أصحابها، وفي مجموعة قيمة من الأعمال الفنية المصرية المعاصرة، ولقد جاء بعض العاملين ببيت برقاش لهيكل بعد الواقعة بإحدى النسخ الأصلية من مجلدات كتاب «وصف مصر» الذي صدر في عصر نابليون، بعد أن انتشلوها من الترعة غارقة في الوحل، وقد التهمت النيران كل ما كان في ذلك البيت والذي كان يمثل ثروة قومية بكل المقاييس.

وليس صحيحا أن وثائق هيكل هي تلك التي جمعها بحكم قربه من دوائر الحكم سواء في عهد عبد الناصر أو السادات، فقد كان هيكل يبحث عن الوثائق في كل مكان ولا ينتظر أن تجيئه بقرار من رئيس الجمهورية، وبعض ما كان لديه من وثائق كان هو صانعها بتدوينه لتفاصيل لقاءاته المحلية والدولية المتعددة والتي لا توجد بأي مرجع آخر، وما سجله من وقائع شهدها ولا يعرف عنها أحد شيئا، كما كان يجمع المستندات والوثائق التي كانت تعرض للبيع في المزادات الدولية، فمن المعروف أنه كان يملك خطابا لا يقدر بثمن كتبه العالم الفذ ألبرت أينشتاين بخط يده الي حبيبته، وقد حدثني ذات يوم عن مجموعة مراسلات تم العثور عليها أخيرا بين الزعيم الراحل مصطفي كامل وراعيته الفرنسية مدام جولييت آدام غير مراسلاتهما المنشورة، وقد اشتراها هيكل في باريس وكان ينوي الكتابة عنها ونشرها، لكنه وجد بها ما يؤثر علي صورة الزعيم الوطني فقرر - حسبما قال لي وقتها - حبسها في الأدراج.

ولقد قيل الكثير ممن يعرفون ومن لا يعرفون، حول وثائق الأستاذ وأين كان يحتفظ بها، لكن هيكل نفسه لم يتكلم، فقد كان يعتقد - بحق - أن من أهم وسائل الحفاظ علي وثائقه هي عدم الإعلان عن مكانها، لكن المؤكد أن كل ما كان منها في برقاش قد أصبح رمادا تبددت أنجزته في الهواء خلال تلك المحاولة الآثمة التي قام بها الإخوان لاغتياله بسبب دوره الذي لم يكشف عنه بعد في أحداث 30 يونيو.

[email protected]
لمزيد من مقالات محمد سلماوي

رابط دائم: