رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

بريد الجمعه يكتبه : أحمد البرى
البـيـت المائل !

أكتب إليك بعد أن بلغ السيل الزبي، ولم أعد قادرة على التفكير فى وسيلة للخلاص مما أعانيه، فأنا سيدة فى السادسة والعشرين من عمري، نشأت فى أسرة متوسطة الحال، ولى شقيقان، وترتيبى الوسطى بينهما، ولم أع أبى جيدا، فلقد رحل عن الدنيا عندما كان عمرى ست سنوات، وعكفت أمى على تربيتنا رافضة الزواج بعده،

وكانت كلما حدثتها قريباتنا أو جاراتنا فى ارتباطها بآخر يعوضها عن غياب أبي، ويساندنا فى المعيشة ترفض قائلة انها لن تجد أحدا فى اخلاصه وكرمه، وربتنا تربية مغلقة، وأصبحت لا تغادر البيت إلا نادرا، وتحملت المسئولية بمفردها مستعينة بالله، وحافظت على أموالنا وممتلكاتنا، حيث اننا ورثنا عن أبى ثروة كبيرة آلت إليه من أسرته الثرية، وواصلنا دراستنا بنجاح، وتخرجت فى كليتي، ولم يكن لى يوما فارس أحلام مثل كل البنات اللاتى كن يتحدثن فى مجالسهن عن الزواج من شاب غنى ووسيم، وتركزت أمنيتى فى الارتباط برجل محترم يحتوينى ويكون سندا لى فى الحياة، وتقدم لى الكثيرون لسمعة أمى الطيبة، وأخلاقى الحسنة، كما أن شكلى مقبول ووجهى مريح، كما يقولون، ووافقت على أحدهم تشبه ظروفه ظروفى مع اختلاف أنه الولد الوحيد لأبويه، وتوفى والده عندما كان عمره عامين، وخلال الأيام الأولى لتعارفنا وجدته مدللا إلى حد بعيد، ويأتمر بأمر أمه فى كل شىء، وفى ثنايا الحديث معها قالت لنا انها ستتركنا نعيش بمفردنا ثلاثة شهور، ثم تنضم إلينا لأنها لن تستطيع أن تعيش بعيدا عن ابنها الوحيد، ووجدتنى فى صراع داخلى بين إتمام الزواج من الشاب الذى ارتحت إليه، وتسلل حبه إلى قلبى، أو رفضه قبل أن تقع الفأس فى الرأس إيثارا للسلامة، وأخيرا أعلنت رفضى له، وقلت لأمى اننى أريد حياة بدون أزمات ومشكلات، وإذا ارتبطت به فسوف تحيل أمه حياتنا إلى نكد دائم بتدخلها فى أدق التفاصيل، وقد بدا لى ذلك من تعليقها على ملابسى، و«الميك أب» الذى استخدمه أحيانا، ولا تترك شيئا إلا وتبدى رأيها فيه!

وتركت هذه التجربة أثرا غائرا فى نفسي، وأحسست بأننى فقدت الثقة فى كل الناس، ولم يكن سهلا عليّ أن أفكر فى تجربة جديدة وأنا على هذه الحال، فرفضت العروض التى جاءتنى على مدى عام كامل دون أن أتيح لنفسى فرصة للتعرف على أحدهم عسى أن يكون مناسبا لي، وتجمع أهلى حولى، وقالوا لى اننى أخطئ فى حقى كثيرا إذا استمررت فى العزوف عن الزواج، وإن المسألة لا تؤخذ على النحو الذى أسير فيه، ثم فاجأتنى أمى بأن ابن خالة لىّ يرغب فى التقدم لخطبتى، واجتمعت خالاتي، وقلن لى انه شاب لا يعيبه شىء، وإنه من دمنا ولحمنا،، وسوف يحافظ عليَّ أكثر من الغريب، ورحب الجميع بهذه الخطوة وباركوها، ووجدتنى مترددة فى القبول به والمثول لرغبتهم، فعلاقتى به سطحية، وتعيش أسرته فى قرية بإحدى المحافظات، وجاء إلى القاهرة عندما التحق بالجامعة، وكان عمره وقتها سبعة عشر عاما، وأقام فى منزل جدى لوالدتى بمفرده فى شقة مستقلة، تماما مثل أخوالى الذين خصص جدى لكل واحد منهم شقة فى المنزل، وتزوجوا، وصارت لهم أسر صغيرة، يضمها جميعا «بيت العائلة»، وتذكرت وقتها أن أحد أخوالى شكا لإخوته من سلوك ابن أخته فى أثناء دراسته بالجامعة، حيث كانت هناك بنات يتصلن به بعد منتصف الليل، وحدثت مشادات كثيرة فى العائلة لهذا السبب، وأذكر أن والدته جاءتنا ذات مرة فى بيت جدى، وقالت له: «اعمل يا حبيبى اللى انت عاوزه, المهم تنجح آخر السنة»، وانتهوا من تلك الجلسة الصاخبة التى لا تغادر خيالى بقولهم: إن هذا الذى فعله ابن خالتى «طيش شباب» وأن الشاب عندما يتزوج، ويصير مسئولا عن أسرة وزوجة وأولاد يتغير تماما، ويدرك حجم ما يحمله من أعباء.

وجلست مرة أخرى مع أخوالى وقلت لهم: إن اسلوب خالتى فى التعامل صعب، وأنهم يدركون ذلك جيدا، وحتى أمى فإنها لن تستطيع التعامل معها، لأنها لن تدع لأحد فرصة للتفاهم وابداء الرأى عند وقوع أى مشكلة، وهو بتصرفاته الطائشة لن يتحمل المسئولية، فردوا عليّ بأنه شاب يعتمد على نفسه، ويكافح فى الحياة، حيث يعمل صباحا محاسبا فى جهة حكومية، ولديه عمل اضافى بعد الظهر فى احدى شركات الاتصالات، أما والدته فتعيش فى محافظة أخرى، ولن يكون بيننا أى احتكاك فيما بعد.

وتمت خطبتنا، لكن حاله لم تتغير إذ فوجئت به بعد اسبوع واحد، وأنا بصحبته يعاكس بنتا فى سيارة ميكروباص، وأخرى فى مطعم ذهبنا لتناول الغداء فيه، فثرت عليه، وخلعت الدبلة، والقيتها فى وجهه، فأسرع إلى خالتنا الكبري، وقال لها انها تغار عليّ أكثر من اللازم، وتفهم الأمور خطأ، يعنى فسر الأمور على مزاجه، فرجتنى ألا أركز فى هذه الأمور التافهة، وزاد من قناعتها بكلامه أنه يرسل إليها عبر المحمول كل يوم حديثا دينيا، وأبلغها أنه يصوم الاثنين والخميس من كل اسبوع على مدار العام كله، ويحفظ أجزاء من القرآن الكريم، ولذلك تدخلت لمصلحته، ووجدتنى أتغاضى عما فعله منعا للمشكلات والأزمات، وتزوجنا بعد ثلاثة أشهر من الخطبة، وللأسف فإن مثله لا يعرف شيئا عن الحياة الزوجية والأسرار التى ينبغى ألا يطلع عليها أحد، فمن يفرط فى الأشياء الصغيرة، يفرط فيما هو أكبر، ففى اليوم الأول لزواجنا صوَّر متعلقاتى الخاصة وأرسلها إلى أمه على هاتف شقيقه الأصغر الذى لم يتزوج بعد. لكى تفرح، ولا أدرى أى فرحة التى يريد أن يدخلها إلى قلبها وهى ترى صور ملابسى مثلا؟، وهل من اللائق أن يطلع أخوه عليها؟ وبعد أسبوع قالى لى «روحى قلبَّى أمك فى فلوس علشان افسحك، ولا هاتى من أخوكى هوه بيصرف على مين»، سمعت كلماته وأنا أضرب كفا بكف، وقلت له: «علينا أن نصرّف أمورنا بأنفسنا، ولا نأخذ شيئا من أحد، واننى لا أرغب فى الخروج ويكفينا اننا معا»، وحاولت قدر جهدى أن ألفت نظره إلى أخطائه التى قد تكبر مع الأيام ويصبح من المستحيل علاجها، ولكن هيهات له أن يأخذ بكلامي، أو أن يلقى بالا لما أقوله، وتوالت مواقفه وغرائبه، إذ اكتشفت أنه على علاقة بسيدة متزوجة، وعندها ابن فى الثانوية العامة، ولما واجهته بذلك قال انها عميلة فقط، وأن ما أفكر فيه هواجس لا أساس لها من الصحة، فصدقته، وذات يوم عرض عليّ أن أذهب إلى صالة ديسكو قائلا بالحرف الواحد: «تيجى معايا، وأى حاجة تحصل هناك ما تعترضيش عليها؟» فرفضت عرضه، لأننى لم أترب على هذا السلوك، وطبعا خرج بمفرده، ولا أدرى ماذا فعل يومها؟!.. وتوالت تصرفاته الغريبة، ففى زيارة لصديقه وزوجته لنا، أعددت الشاى لهما، ودخلت عليهما وكانت زوجة صديقه فى حجرة أخرى معي، فوجدت كل منهما يحكى للآخر ما فعله فى اليوم الأول للزواج!، وفى تلك الليلة اتصلت به زميلة له فى الشركة التى يعمل بها وقتا إضافيا وكانت الساعة وقتها تشير إلى الثالثة والنصف قبل الفجر، ثم بعثت إليه برسالة تقول فيها إنها محتاجة إليه حالا، ولك أن تتصور حالى وقتها، فلقد ثرت عليه، وصممت أن أذهب إلى بيت أهلى فى ذلك الوقت المتأخر، لكنه أخذ يبكى كالطفل، وتوسل إليّ أن أتغاضى عما فعله، وتعهد ألا يكرر ذلك مرة أخرى، وتراجعت فى كل مرة يأتى فيها هذه الأفعال، وبلغ عدد من عرفت أنه على صلة بهن ما يزيد على ثمانى عشرة بنتا، ولم يردعه اننى أنجبت طفلة جميلة نتطلع إلى أن تنشأ فى أسرة مستقلة لأب يخشى الله، وكلما عقدت العزم على أن آخذ موقفا منه بترك المنزل نهائيا تحدثنى نفسى بألا أحرمها منه، وأتذكر حرمانى من أبى بعد رحيله عن الحياة وأنها نقطة ضعفى، وبلغ شقيقه الأكبر صنيعه معى، فتدخل بيننا أكثر من مرة، وقال له فى أحد الخلافات التى عرفت بها العائلة «رب ابنتك واحترم نفسك» فلم يستجب لأى نداء ولسان حاله دائما قول الشاعر:

لقـــد أسمعــت لو ناديت حيا

ولكن لا حــياة لمن تنــــادى

فهو فى واد، وأنا فى واد آخر، ثم كانت الكارثة، عندما وجدت على هاتفه المحمول صورا التقطها لى دون أن أشعر، وأنا أرتدى ملابس خفيفة، وأقف فى المطبخ لغسل الأوانى، وأرسلها إلى شقيقه الأكبر لكى يبين له أننى لا أهتم به، ويكون هناك سبب لعلاقاته الخارجية التى يعنفه عليها!، وتباعدت المسافات بيننا، ولم يعد يعجبه شىء فى شكلى ولا ملابسى، حتى إنه لو وجدنى واضعة «مكياج» يقول لى «إيه القرف ده»؟ وتوقف عن إعطائى مصروف البيت برغم أن مرتبه ستة آلاف جنيه، وتمادى فى غطرسته بقوله «أنا جايبك هنا خادمة»! ثم كانت الواقعة التى حسمت الأمر عندما وجدت صورا له داخل حمام، اعتقد أنه «حمام الشغل» مع بنات، وهذه الصور توضح أنهم يمارسون علاقة كاملة، فقررت الانفصال بشكل نهائى لا رجعة فيه، وأبلغت أهلى وأهله بالصور التى لا يمكن أن ينكرها، فحاول إبعاد هذه التهمة عن نفسه ثم أبدى ندمه على صنيعه معى بشكل عام، ووعدنى من جديد بأن يتغير، وجاءنى الجميع طالبين منى أن أعود إلى بيتى من أجل الطفلة التى سوف تتشرد بيننا، وبعد إلحاح دام عدة أسابيع وافقت على الصلح معه بعدد من الشروط أهمها أن يترك عمله بعد الظهر، فهو سبب كل المصائب التى استجدت علينا، وأن يدفع نفقة لابنته، وأن أرجع إلى الشقة التمليك التى اشتراها أخيرا، وتسلمها بالفعل، فردت أمه قائلة لأهلى «ترجع من غير شروط، وتبيع شقتها التى أخذتها ميراثا عن أبيها، إذ انهم سوف يأخذون شقة زوجى التى أسكن فيها لكى يتزوج فيها شقيقه الأصغر!، فقلت لها «يعنى عايزانى دلوقت أرجع وأعيش فين»، فقالت «اقعدى فى الشارع، دى خصوصيات بينه وبين أخوه مالكيش دخل فيها» وتمادت كثيرا فى الكلام أمام الجميع، وختمت المحاضرة التى ألقتها على مسامعنا بأننى لو طالبة الطلاق، أتنازل له عن كل شيء حتى الطفلة، يعنى ـمنتهى الطمع والجشع.

وفشل أخوالى الأربعة فى الوصول إلى حل يرضى الطرفين، وانتهت هذه الجلسة الصاخبة بقول خالتى أم زوجى «عندها المحاكم تجرى فيها، وفى النهاية هتاخد كام» ثم وجهت كلامها إليّ بكل بجاحة «انت مش مالية عينه».. تخيل يا سيدى ردها.. فلقد حذرت أمى وأخوالى منها قبل الزواج، وها هى تأتى التصرفات التى كنت متأكدة أنها مغروسة فيها، ومر حتى الآن ثمانية أشهر، وأنا فى بيت أسرتى، وأمى تصرف عليّ أنا وابنتى، وهو لم يظهر طوال هذه المدة ولو مرة واحدة للسؤال عن ابنته!.. إننى لا أريد العودة إليه، ولن أتنازل عن حقى وحق ابنتى، وأسعى إلى استرجاع ما سلبه منى هو وأمه فلقد ساهمت بالكثير فى الأثاث، وكل شيء عند إقامة هذا «البيت المائل»، وحتى السيارة اشتراها بمساعدتى له من مالى الخاص، وأريد أن أثبت أنه شخص سيئ السمعة حتى لا تلومنى ابنتى عندما تكبر على انفصالى عن أبيها فهل أنا على صواب أم على خطأ؟.. وبماذا تنصحني؟

> ولكاتبة هذه الرسالة أقول :

فى البيوت المائلة لا يستقيم أحد على حال، فكل واحد مشغول بنفسه وطلباته وملذاته وأهوائه، وليذهب كل ما عداه إلى الجحيم، وهذه هى الفلسفة الفاشلة التى بنى كل فرد فى عائلتكم الكبيرة عليها حياته، وكان طبيعيا أن تكون أسركم الصغيرة مفككة بعد أن سيطرت المادة على تفكيركم، ولم يعد للقيم والمبادئ والأخلاقيات وجود يذكر فى حياتكم، فحتى وأنت تتحدثين عن والدتك أبرزت أنها حافظت على أموال أبيكم، وتجاهلت الدور الكبير الذى تقوم به الأرملة التى تتأيم على أولادها، ووضعت شرط السيطرة على من تتزوجينه مستقبلا، ورفضت خطيبك الأول لمجرد أن والدته ستعيش معكما بعد ثلاثة أشهر من الزواج، وكان همك أن تستأثرى به وحدك، ولتبحث أمه عن مكان لها، وتنسى ابنها الذى ربته لأنك لا تريدين شريكا فيه، وغاب عنك أنه إذا لم يكن له خير فى أمه، فلن يكون له خير فى غيرها حتى ولو زوجته.

وبرغم أنك تدركين صعوبة التعامل مع خالتك، والشواهد التى تدل على أن ابنها تحكمه الأهواء فإنك تزوجتيه بدافع من أهلك على أساس أنه سوف يتغير بعد الزواج، وتجاهلتم جميعا أن الطبع يغلب التطبع، وأن خالتك لن تتغير وإنما سوف تنتهز الفرصة المناسبة لكى تمارس هوايتها فى الحصول على ما تريد، وأن ابنها سيظل على ما هو عليه، وأن الدافع وراء الزواج منك هو حالتكم المادية الميسورة ولن يتكلف الأعباء الذى يتحملها كل المقبلين على الزواج، ونتيجة لهذا التفكك الواضح فى العائلة، لم يكن هناك دور يذكر لأخوالك وأشقائك وخالاتك فى المشكلات التى نشبت بينكما، كما أن انعدام الحوار بينك وبينه وعدم وجود أرضية مشتركة تجمعكما، دفعا كل منكما إلى إفشاء أسراركما الخاصة التى شاعت بين الجميع، وصرتما مضغة على كل الألسنة، فهو تحدث عما فعله يوم الزفاف، وبعث بصور لك وأنت بملابس البيت الشفافة إلى شقيقه، غير مدرك عواقب ما يفعل، إذ لا يعقل أبدا أن يطلع أحدا على صور لك تمثل خصوصية شديدة وقد تترتب على إفشائها نتائج وخيمة فيما بعد، وكذلك اطلاعك الأهل على كل تفاصيل مكالماته واتصالاته، والصور التى تقولين إنها له فى أوضاع مخلة، فمن أدراك أنها تخصه، وما هو العمل الذى يستطيع فيه أحد أن يجمع عددا من النساء داخل الحمام الموجود به؟ فقد تكون صورا فى مكان آخر، أو ليست له، ولا يعنى ذلك أننى أدافع عنه، فما فعله جريمة بكل المقاييس، ولكن يجب إعمال العقل قبل تشويه من يفترض أنه أعز الناس لديك.

لقد ظلم كل منكما الآخر ظلما بينا، ذكرنى بقول الإمام محمد الغزالي: «إن ظلم الأزواج للأزواج أعرق الإفساد، وأعجل فى الإهلاك من ظلم الأمير للرعية»، ولا يحسب زوجك أن انتصاره عليك بالظلم سيدوم له، إذ سوف يدرك ولو بعد حين فداحة ما ارتكبه فى حقك، وكم أتمنى أن تعطيه فرصة جديدة، فالحقيقة التى أؤمن بها لمن تعيش هذه الظروف التى تقاسينها، إن «بنات الرجال» يصبرن على كل شيء من انعدام الحوار مع أزواجهن، وطباعهم التى لا تتغير، والنقد المستمر اللاتى يتعرضن له، والتجاهل والألفاظ الجارحة، والإهانة والإذلال بل والضرب أحيانا، وفى أثناء صبرهن هذا يؤدين واجباتهن الزوجية على أكمل وجه وبصدر رحب ووجه بشوش ونفس راضية، ويبحثن عن حلول لمشكلاتهن، وأساليب متعددة لإصلاح أزواجهن، وفى النهاية لابد من الصبر حتى يحظى الأولاد بحياة آمنة مستقرة، وليعلم أزواجهن أنهم سيقفون بين يدى رب عظيم قوى جبار يوم القيامة ليأخذ منهم حقوقهن، فليتعظ زوجك بأن الظلم من الذنوب المعجلة عقوبتها فى الدنيا، فضلا عما يصيب مقترفها من عذاب الآخرة، فيسلط الله على الظالم من يظلمه، ولهذا يقول الحكماء «أنذر الظالم بمصرعه ولو بعد حين» وأما المظلوم فيكون ما تعرض له ابتلاء وتكفيرا لذنوبه.

وليت زوجك اذا أعطيته هذه الفرصة يدرك وتدركى معه أن إفشاء الأسرار يضركما ويزيد الفجوات بينكما ويشوه صورتكما المثلى التى رسمها الآخرون لكما، فمن المؤلم أن يشعر الإنسان إن حياته مشاع بين الناس، وأنهم يعلمون أدق تفاصيلها كأنه جالس أمامهم عاريا, مما يهدد ثقتكما المتبادلة، ويزيد الجفاء بينكما، ويزيد الخلافات، فتصابان بالخرس المنزلى، ومن ثم الانفصال الصامت الذى يعقبه الطلاق، ولو تصالحتما واستمر منهجكما على هذا النحو فسوف ينعكس على الابناء، وقد يخلق لديهم احساسا بالقلق والنقص، وتنتابهم الوساوس بأن كل من ينظر إليهم، يتكلم عن أسرار والديهم، وقد يتحول الأمر الى «فوبيا اجتماعية».. فليضع كل منكما هذا فى اعتباره وهو يتخذ قراره النهائى إما بإعادة المياه الى مجاريها، وإما بالطلاق، فإذا اخترتما العودة فلتعلمى أن الإصلاح سيأخذ وقتا طويلا، فمن سار على نهج خاطئ طوال السنوات الماضية لن يتغير بكلمة، أو يصبح شخصا آخر فجأة، فالتغيير يتطلب وقتا ومحاولات كثيرة للسير على الطريق الصحيح، واذا شعرت أنه يحاول أن يتغير الى الأحسن ساعديه وشجعيه، وتجاوزى عن الأخطاء الصغيرة التى يمكن التغاضى عنها، وقولى له: تعال نبدأ صفحة جديدة، ولتكن بينكما جلسة مصارحة، وعلى خالتك ألا تضع «العقدة فى المنشار» وتفتعل أزمات كأزمة الشقة التى تملكينها والتى آلت إليك بالميراث، فالرجل عليه مسئولية البيت، وزوجك لديه شقة جديدة، فإذا ترك الشقة التى تعيشون فيها لشقيقه فبإمكانه الانتقال الى الشقة التى تسلمها أخيرا.

واذا لم تجدى سوى الطلاق وسيلة لإخماد النيران التى أشعلتها خالتك، والتى تطلب منك التنازل عن حقوقك وحقوق ابنتك، فاحسمى أمرك، وتستطيعين أن تأخذى حقك بالقانون، وسوف يبدلك الله خيرا منه، ويحضرنى قول الله تعالى فى سورة الطلاق «ومن يتق الله يجعل له مخرجا، ويرزقه من حيث لا يحتسب»، فالمطلقة قد تعتقد أن الدنيا ضاقت عليها وتنسى أنه «ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده»، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معط لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد»، وفى ذلك استخدم الحق تبارك وتعالى اسمه الواسع، ليؤكد للمطلقة أن رزقه واسع، وليس ضيقا كما تراه، وأنها اذا اتقت ربها، فإنه قادر على أن يرزقها من حيث لا تحتسب، «وإن يتفرقا يغنى الله كلا من سعته» وهناك أمثلة على مر التاريخ تثبت ذلك، فمن التاريخ الإسلامى نجد أن السيدة زينب بنت جحش قد طلقها زيد بن حارثة، فأبدلها الله خيرا منه، وتزوجت رسول الله بأغلى مهر، وهو آيات من القرآن تتلى إلى يوم القيامة، ومن التاريخ العربى أم زرع وكانت امرأة فقيرة تجاهد فى الحياة وتزوجها رجل غنى انتشلها من حياة الشقاء، وجعلها تعيش فى ترف، ثم تعلق قلبه بأخرى أكثر جمالا فطلقها، وبعده تزوجت أم زرع بمن هو أغنى منه، ولم يشملها وحدها غناه، وانما امتد الى أهلها أيضا، ومن التاريخ العالمى تخلى الملك ادوارد الثامن عن عرش الامبراطورية البريطانية لأخيه جورج السادس ليتزوج بمطلقة، وحينما كتب وثيقة التنازل عن العرش قال: إننى لا أستطيع أن أصبح ملكا دون أن تكون الى جوارى المرأة التى أحبها، ولم يبال برفض الكنيسة والبرلمان البريطاني، ولم يلتفت الى أنه تم تطليقها قبل زواجه منها مرتين، ولم تكن ذات الجمال الصارخ الذى قد يتصوره البعض، بل كانت امرأة عادية سمراء بمقاييسهم، وقد سحرته بجاذبيتها وشخصيتها وروحها، وترك العرش الانجليزى من أجل عينيها، وقال عنها فى مذكراته «إننى لا أشعر بأى ندم، واذا عادت بى السنوات، وخيرت من جديد بين العرش وقلبي، لاخترت من أحببت».

إذن كل الأبواب مفتوحة أمامك لحياة مستقرة وناجحة، فقط احسمى اختيارك وفقا لأسس واضحة، وليكن زوجك مدركا النتائج التى سوف تترتب على مواقفه، واسأل الله لك التوفيق، وهو وحده المستعان.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق