رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

تراجع توزيع الشعر.. أزمة قارئ أم مبدع أم دولة؟!

على الرغم من أن الشعر له خصوصية التعبير عن جوهر الإنسان، وأنه الأكثر تغلغلا فى النفس، فإنه شهد فى الآونة الأخيرة تراجعا -يراه البعض محدودا- فى النشر والتوزيع. حول هذا الموضوع كان لصفحة «أدب» هذا التحقيق..

فى البداية يقول الشاعر الكبير محمد إبراهيم أبوسنة : نلحظ فى الفترة الأخيرة أن دور النشر المختلفة تتردد فى الإقبال على نشر الشعر، خاصة الأعمال الكاملة، ويرى البعض أن توزيع الدواوين الشعرية يعانى التراجع، خاصة من جانب القراء الشبان، وهذا أمر مؤسف جدا، أولا لأن أجهزة الإعلام، خاصة المقروءة والمرئية، لا ترحب باستضافة شعراء الفصحى، باستثناء قناة النيل الثقافية. أما القنوات الخاصة فترحب بشعراء العامية، خاصة الشعراء المشهورين بكتابة الأغاني. وهذه قضية أصبحت معطِّلة لحركة الشعر، وتصيب شعراء الفصحى بالإحباط، خاصة الجدد منهم. وهناك عشرات الدواوين لشعراء من الشباب لا تجد صدى، وهناك تراجع فى الاهتمام بإذاعة البرنامج الثقافى, وهى المحطة الأساسية التي تحتضن الأعمال الشعرية الفصيحة والقصصية والروائية والمسرحية والنقدية والفنية أيضا. ويوم الخامس من شهر مايو الماضى كان ذكرى تأسيس إذاعة البرنامج الثقافى ولم نجد خبرا واحدا عن هذه المناسبة المهمة. لذلك شعراء الفصحى يعانون من الإهمال، وكذلك يعانون تراجع حركة النقد الأدبى. ونحن فى دهشة وعجب من رؤية الواقع الثقافى الذى ينحاز بطريقة مؤلمة لشعراء العامية دون الفصحى. وأنا أرى أن الإبداع يتدفق بصورة متطورة بكل الأجيال، ولا توجد مواكبة نقدية حقيقية لتدفق هذا الإبداع وليست هناك أزمة مبدع. إن حركة الإبداع ترتكز على أربع ركائز أولها: المبدع ثم الناقد ثم الناشر ثم القارىء والركائز الأربع تعانى ضعفا وتراجعا.

أما الدكتور محمد عبد المطلب أستاذ الأدب والنقد بجامعة عين شمس فيقول: الحقيقة أن الشعر الآن يواجه منافسة قوية من فنون كثيرة مثل القصة والرواية والمسرح والسينما والتليفزيون، لكن يظل الشعر له خصوصية التعبير عن جوهر الإنسان. والمؤسف أن الشعراء عندما يصدرون دواوين جديدة لا يقومون بتسويقها كما يصنع الروائيون؛ فيصدر العمل فى كتمان دون أن يدرى به أحد. وأنا واحد من المهتمين بالشعر ونقده, ولكن لا أكاد أعرف شيئا عن الدواوين الجديدة إلا إذا أهداها لى صاحبها، فضلا عن أن وسائل الإعلام الآن لم تعد تعطى اهتماما للشعر وإنما كل همها البرامج التافهة التى لا تغذى العقل. ونحن فى لجنة الشعر بالمجلس الأعلى للثقافة نقيم كل خمسة عشر يوما أمسية شعرية لكل الشعراء من كل الأجيال، ونرسل الأخبار لوسائل الإعلام ولا ينشرها أحد, مما يجعل الحضور ضئيلا ومحدودا. والمطلوب الآن من الشعراء أن يعملوا كما يعمل الروائيون على تسويق أعمالهم ونشر الأخبار عنها وإقامة الندوات لها، والمطلوب من وسائل الإعلام المرئية والمقروءة أن تتابع الحركة الشعرية بنشر أخبارها والدراسات حولها، والاتجاه الى نشر قصائد الشعر وأن تكون عادلة بين الفصحى والعامية، لأن الغالب الآن هو نشر العامية. وأنا لا أريد أن نستعيد زمن شوقى وحافظ مرة أخرى حينما كانت الصفحات فى الجرائد تنشر قصائدهما فى الصفحة الأولى، وكان نشر قصيدة يمثل حدثا كبيرا فى المجتمع المصرى، ولكن على الأقل نقترب من هذا العصر لأن هناك ظروفا تغيرت بين زمن شوقى والزمن الحاضر.

أما الشاعر محمد أبو المجد أمين عام النشر بالهيئة العامة لقصور الثقافة سابقاً والمستشار الثقافى للهيئة حالياً فيقول: هناك تراجع محدود فى توزيع الدواوين الشعرية فى مقابل زيادة معدلات توزيع الرواية. وهذا لا يرجع إلى مشكلة فى الشعر نفسه، وإنما يرجع إلى عدة عوامل: منها عدم اهتمام دور النشر بالترويج للشعر بنفس المساحة، والأمر نفسه ينسحب على ما أراه ظاهرة وهمية تصل بمفهوم الأكثر مبيعا الذى يعتمد على علاقة الناشر بالمبدع أو بذوقه الشخصى فى تفضيل محتوى العمل الروائى، ويدلل على ذلك أننا لم نرَ ديوانا واحدا فى قائمة الأكثر مبيعا على مدار 15 عاما الأخيرة. ونلمس ذلك بوضوح فيما يخص فعاليات حفلات التوقيع للأعمال الشعرية. وبالنسبة لقصور الثقافة, فإن معدلات التوزيع فى الإبداع بشكل عام (شعر - رواية - مسرح) متوسطة، وتدور حول نسبة 65% كمتوسط عام على مدار العام، لكن بالنسبة الأعمال الإبداعية المترجمة فى الشعر وفى الرواية، فإن هذه النسبة تقفز إلى ما يتعدى 90% من النسَخ فى معظم العناوين.

ونحن لدينا فى الهيئة 9 سلاسل إبداعية سواء المترجمة أو غيرها، ولدينا كتاب كل شهر، حيث ننشر من كل عنوان ألفى نسخة، ولكن معدلات التوزيع فى مصر تصطدم بعوائق كبيرة تحتاج إلى خطة شاملة من الدولة للقضاء عليها: العائق الأول هو محو النسبة الكبيرة من الأمية المنتشرة فى نسيج المجتمع المصرى، والثانى هو أمية المتعلمين الثقافية التى تسبب تردى نسبة المقروئية عند الشعب المصرى. فعدد خريجى الجامعات المصرية يزيد على نصف مليون خريج سنويا، ونسبة من يقبلون على القراءة لا تزيد على 5% فقط. وقد لمست ذلك من خلال عملى فى قصور الثقافة ومشاهداتى كمسئول عن الأنشطة الثقافية بالهيئة، بما فيها نشاط المكتبات. ونضيف إلى ذلك تعدد وسائط الميديا المختلفة والانتشار الهائل للمواقع الإلكترونية. وكل ذلك يسهم فى تراجع معدلات الإقبال على الشراء، ونقص المقروء، وأنا شخصيا أعتبرها أزمة مجتمع ودولة وليست أزمة مبدع على الإطلاق.

ويرى محمد الشاذلى مدير مركز الأهرام للنشر أن الساحة الثقافية فى مصر فى العقدين الأخيرين شهدت تراجعا ملحوظا فى الاهتمام بالشعر من قبل النقاد والقراء أيضا. وقد حاول كثيرون تفسير الظاهرة، فاعتبر البعض الهروب من القصيدة العمودية سببا فى ذلك، كما ذهب البعض إلى أن القصيدة السبعينية (قصيدة التفعيلة) أقصت جمهورا واسعا عن قراءة الشعر، فيما أكد كثيرون أن قصيدة النثر قد أجهزت على ما تبقى من الذائقة الشعرية لدى جمهور القراء. ولنعد أيضا إلى صراعات من قبيل موت القارئ وموت القصيدة، وعدم الاهتمام بالإلقاء فى الساحة الشعرية.. ولكن لا يمكن أن نتجاهل غياب الشاعر الكبير, على حد تعبير د. شوقى ضيف، وقد قال لى بالنص: إن القصيدة العربية تنتظر شاعرها، وذلك فى حوار نشر بصحيفة الرياض السعودية، وأخيرا صيحة د. جابر عصفور «زمن الرواية»، وبالفعل جذبت الرواية الموهوبين من الكتاب وحتى الشعراء، كما جذبت المعنيين بقراءة الأدب فى مصر والعالم وشغلتهم عن الشعر، فتفرغ معظم الأدباء لكتابة الرواية، إلا فيما ندر، وبالتالى فقد بدأ الناشرون يهتمون بنشر الرواية على حساب الشعر.

ويستطرد الشاذلى قائلا إن سبب تراجع الشعر أن القصيدة اغتربت وأوغلت فى الشكل والقصد ولم تعد جماهيرية، ولم تعد قصيدة مناسبات يهتم بها الناس إلا ما ندر. ولأن الموهوبين الكبار اتجهوا إلى الرواية التى استطاعت أن تتعامل مع شواغل الناس وقضاياهم الكبرى، تماما كما كان الشعر يفعل قديما.

ويضيف أن الرواية من أهم فنون الأدب مبيعا. وذلك لأن الاهتمام والولع بالرواية قد ازداد عبر العقود الماضية على يد مجموعة متميزة من الروائيين فى مصر والعالم، وأصبحت هذه الأسماء شعبية إلى حد بعيد مثل: نجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس ويوسف السباعى فى الخمسينيات والستينيات، بالإضافة إلى إبراهيم أصلان وعبد الحكيم قاسم ومحمد البساطى وجمال الغيطانى، ثم جيل محمد المخزنجى والمنسى قنديل وسلوى بكر، حتى الموجة الأخيرة من كتاب الرواية الذين عرفنا معهم الطبعات المتعددة كيوسف زيدان وعلاء الأسوانى وميرال الطحاوى ومى التلمسانى، واخيرا أحمد مراد.. حتى إن كثيرا من الشعراء الذين ناهضوا مقولة «زمن الرواية» يكتبون الآن روايتهم فى الأردن (أحمد أبو سليم) كما فى مصر الراحل (محمد ناجى)، ولبنان (عبده وازن) والإمارات (ميسون صقر)، وفى الجزائر والعراق وغيرها. وهى ظاهرة لها امتداد فى العالم، فقد كان فيكتور هوجو وكازانتزاكيس شاعرين كبيرين أيضا.

ويضيف أن تراجع القامات الشعرية أمثال بيرم وجاهين وحداد ونزار ودرويش قد أثَّر على حركة الشعر. فالشعر حالة جماهيرية فى المقام الأول، وغياب الأسماء الكبيرة أوصل الاهتمام به إلى أدنى درجاته، وإذا ما نجح شاعر موهوب فى اختراق هذه العتمة، فإنه من المؤكد سيكون هناك اهتمام به، وربما يعيد إلينا حالة شعرية افتقدناها، وهذا لا يعنى غياب الكبار من أمثال أحمد عبد المعطى حجازى، الذى يهتم الآن أكثر بالمقالات السياسية، ومحمد إبراهيم أبو سنة وفاروق جويدة وأحمد الشهاوى وجمال القصاص..لكن كم شاعرا مخلصا يواظب على القصيدة؟ ربما العدد قليل وهذا لا يصنع ربيعا شعريا.

ويختم الشاذلى : إن توزيع الشعر، سواء عاميا أو فصيحا، غير مناسب، كما أن اتحاد الناشرين المصريين لا يقوم بأى دور فى مساعدة دور النشر، ولا يتذكر الناشرين إلا عند تحصيل الاشتراك السنوى، وربما حتى لا يتذكرهم فى هذه المناسبة المهمة. وهو شكل من أشكال الديكور، ولكن يجب أن يبقى رغم ذلك، وربما يأتى زمن ويتم تفعيله.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق