رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

منمنمات ثقافية
ليلة العيد

أفاق على نغمات السيمفونية الصباحية اليومية.. اضطره صياح زوجته وزجرها للمشاغب الصغير أن يفتح عينيه وإن لم يجد فى نفسه أية رغبة لأن يفعل أى شيء سوى الحملقة فى سقف الغرفة.. استغرق فى تأمل الأشكال المتحركة التى رسمتها انعكاسات أشعة الشمس على السيارات وأتوبيسات النقل العام التى تخترق شارعًا فقد هدوءه وخصوصيته عندما أدرك قائدو الحافلات أنه الحل السعيد للهروب من عنق الزجاجة وإشارات الشارع الرئيسي.

ولم ينتبه أن السيمفونية الصباحية قد انتهى أول مقاطعها بخروج الصغار لمدارسهم إلا عندما تسرب إلى وعيه صوت زوجته وهى تردد: جرى إيه؟! إنت مش بترد ليه؟!.. حاتتأخر على شغلك». حرك ساقيه فى تثاقل لم يغب عن فطنة الزوجة التى خبرته لأكثر من عشر سنوات.. أدركت سر همومه الصباحية، وأدركت بغريزتها أن عليها أن تنسحب مؤقتًا وأن تؤجل مطالبها لما بعد إفطار حرصت ألا يكون على الواقف فى هذا اليوم تحديدًا...
لم يكن فى حالة تسمح له بالجدل والإصرار على تناول بضع لقيمات أو طلب لفافة سندوتشات يتناولها فى المصلحة مع كوب الشاى كما هى العادة.. جلس إلى المائدة ولاحظ طبق الفول وبراد الشاى الذى تتصاعد منه الأبخرة.. أدرك أن زوجته أعدت العدة لتفتح الموضوع من جديد.. بعد التمهيد والدعاء له بطول العمر وعمار البيت بحسه، سردت قائمة طلبات العيد، مغلفة إياها برقة أيام الخطوبة مع قليل من المسكنة واستثارة نخوة الرجال بالتأكيد على ضرورة ألا ينكسر قلب العيال.. رغم السحابة التى علت وجهه والكلمات المضمغة التى تبينت منها صب لعناته على الزواج وأيامه «السوده» ومطالب العيال التى لا تنتهى والبلاعة المفتوحة دائمًا، أدركت أنها ستحصل فى نهاية اليوم على نصف طلباتها عل الأقل، فظلت الابتسامة الوادعة التى لا تظهر إلا فى مناسبات مثل مناسبة اليوم مرسومة على شفتيها حتى أغلقت الباب خلفه..
على درجة السلم الأخيرة بدأ عقله فى إجراء عملياته الحسابية.. أسرَّ بأزمته لزميل فنصحه بالتوجه لمنطقة الورّاق التى يتم فيها الذبح فى هذه المناسبة فى شوارع وأزقة الحيّ، بما يضمن له الحصول على بضعة كيلوات من اللحم بثمن أقل، ليفرح العيال وكى لا تنقطع العادة.. مد رأسه خارج نافذة الأتوبيس، حيث تبسم له الحظ وفاز بمقعد بعد أن تخلصت الحافلة من حمولتها الزائدة على طول الطريق.. من بعيد لاحت أمام عينيه ظلال خضراء تناثرت فوقها أشباح أسمنتية.
ابتسم عندما رأى من خلال النافذة الأمامية التى انفرجت أمامه بعد هبوط المزيد من الركاب، سيارة نقل تطل من وراء أسوارها رءوس جمال. لابد أنهم ماضون لنفس طريقه وإن اختلفت النهاية.. لم يستطع أن يحول عينيه عن رأس بعينها فى الشاحنة، أخذت تتلفِّت يمينًا ويسارًا وكأن صاحبها يتأمل الطريق.. تراءت فى مخيلته صورة عنق آخر ممتد يرتفع للسماء.. لم يدرِ لماذا تداعت إلى ذاكرته صورة العربة الكارو بجواديها التى لمحها فى الصباح.. رغم انشغاله بالميزانية المخرومة، وغضبه المغلف بالشفقة على أم العيال وعلى نفسه، أُخذ بالمناورات المتبادلة بين العربجى وحصان المقدمة الذى لم يمل إعلان رفضه ولا انزلاق خطواته على أسفلت الطريق، وكأن حوافره تهفو للخضرة والرمال.. كان الحصان مصرا فى كل أحواله أن يرفع رأسه، وأن يشيح بها غاضبًا كلما حاول العربجى أن يدفع به للسير أمامًا.. فى خضم صراعه مع المتمرد المتغطرس آثر أن يربط الجواد الآخر الذى أفلحت الأيام مع عصاه فى ترويضه خلف العربة.. عندما اندفعت الحافلة متخطية العربة الكارو كان آخر ما لمحته عيناه عنقًا أبيض مرتفعًا، ورأسًا يشيح فى غضب، ورأسًا آخر مطأطئًا يرقب خطواته الثقيلة وراء العربة.
عندما ترك الحافلة راودته نفسه أن ينظر للوراء، حيث اتخذت الشاحنة المُحملة بالجمال موضعها بجوار رصيف ازدحم بأيدٍ ممدودة، بعضها يُحكم قبضته على نصال تلمع ترقبا لإفراغ الحمولة.. لمح من بينها رأس الجمل صديقه المتأمل للطريق.. بدا وكأنه جمد فى موضعه ولم يبق ما يشى بنبض الحياة فى عروقه سوى نظرة زائغة صوب السماء وارتجافة عنق انكمش .... كاد يقسم أنه رأى دمعة..


لمزيد من مقالات سناء صليحة

رابط دائم: