رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

على جناح الكلمة واللحن .. السخرية من الواقع أبرز الظواهرالشعبية لدى المصريين
جشع التجار يشعل حناجر المطربين

أحمد السماحي
ما بين الدور والطقطوقة والموال الشعبى ظلت ملامح الأغنية المصرية طوال القرنين الماضيين (التاسع عشر والعشرين) تتنوع ما بين السياسى الساخر بسبب موجات الاستعمار التى ضاقت بها الحياة المصرية وبين الكوميدى الإجتماعى الذى يرصد حركة الشارع وما يحمله فى أزقته الضيقة ومنحنياته التى تتلوى مثل الثعبان فى مواقف ومفارقات حول الأزمات الاقتصادية وغلاء الأسعار ، يهدف من خلالها الشعراء والزجالون إلى الفضفضة والتحايل على ظروف الحياة بالضحك الذى يحمل سخرية لاذعة تصف حالات الضعف والهوان وظلم المستعمر، وجشع التجار وحتى ظلم الحكام من أبناء الشعب نفسه .

هذا الكلام يذكرنا بظاهرة غلاء الأسعار التى تجتاح مصر هذه الأيام، والتي أعادت لنا بالذهن ظاهرة الكساد الكبير الذى ضرب الولايات المتحدة والعديد من دول العالم في منتصف العشرينات من القرن الماضي، وتحديدا في عام 1925م، وما كان لهذه الكارثة الاقتصادية من آثار وظلال قوية على الاقتصاد المصري، باعتبار مصر إحدى المستعمرات التي تدور فى فلك إنجلترا إحدى دول المركز، وأيضاً لارتباط العملة المصرية بالجنيه الاسترلتيني

..................................................................

وقد تأثرت مصر بمدنها وريفها على السواء بشدة بسبب هذا الكساد العالمي، ولم يكن الفن المصري بعيدا عن تلك الأزمة فقد تأثرت كثير من الفرق المسرحية، وأغلقت أبوابها، خاصة وأن مصر كانت تعاني من الكساد قبل ذلك بسنوات، وتبارى كبار شعراء مصر للتعبير عن هذه الأزمة، أشهر هؤلاء الشاعر العظيم بديع خيري، وشاعر الشعب محمود بيرم التونسي، والفنان الذى لم تسلط عليه الأضواء التى يستحقها أمين صدقي، كل هؤلاء كتبوا أشعارا رائعة تعبر عن الأزمة وعجز الحكومة على حلها، وساعد على انتشار هذه الأشعار تبني عددا كبيرا من ملحني هذا العصر لها، من هؤلاء الشيخ سلامه حجازي، والشيخ سيد درويش، وسيد مصطفى، وزكريا أحمد. بالرجوع إلى الأعمال الفنية التى قدمت في بداية القرن الماضي والتى تتحدث عن الأزمة الإقتصادية وغلاء المعيشة فى مصر، نجد أنها بدأت قبل الأزمة الإقتصادية العالمية بسبع سنوات ففي مسرحية « كله من دا» تأليف بديع خيري، قدمت فرقة «نجيب الريحاني» المسرحية عام 1918، مونولوج خفيف الظل لـ «أمين صدقي» ألقاه نجيب الريحاني بعنوان « الحمار» يعبر عن حالة الكساد الموجودة فى مصر، وإرتفاع الأسعار يقول مطلعه:
 

يا حماري ليه بس مرخي ودانك، العربجية وقفوا حالي وحالك

بكره الشعير يرخص ويصفى زمانك، شي يا حماري، حاه يا حماري

بخمسه مليم من بولاق للقلعة إزاي، حا ناكل عيش يا ناس م الصنعة

دى الأزمة شدت والمعايش والعه شي يا حماري حاه يا حماري»

في نفس المسرحية قدم الشيخ سيد درويش، اللحن الشهير الذى مازال يتردد حتى الآن بعنوان» الموظفين» والذى يعبر عن حالة الموظفين المادية االسيئة، والذى يقول في أحد كوبليهاته:

«الغلب اللي شاربينه ياريت العالم شايفينه

دى ماهية إيه الل كام جنيه يا خواتي بٌريه

من خمسه منه تروح وبقيته نقول أبوح

وبسلامتها الست بتاعتي ما تتوصاشي

ولا تو لدليش فى البطن إلا اثنين كده ع الماشي

ويجيي الجزار والخضري والبقال ينعلو أبو خاشي»

ويقدم الشيخ سيد درويش عام 1918 أيضا عملا مسرحيا غنائيا من تأليف زميله في الكفاح بديع خيري بعنوان «ولو»، وفيه تغني بطلة العرض مطربة القطرين «فتحية أحمد» على لسان الصنايعية المساكين الأغنية الشهيرة « الحلوة دى قامت تعجن» وفيه مقطع عن الحالة الإقتصادية السيئة يقول:

طلع النهار فتاح يا عليم والجيب مافيهش ولا مليم

من في اليومين دول شاف تلطيم زي الصنايعيه المظاليم

دا الصبر أمره طال وايش بعد وقف الحال

ياللي معاك المال برضه الفقير له رب كريم»

يكتب بديع في نفس العمل مونولوجا طريفا عبارة عن ديالوج غنائي بين «الجزارين والمستخدمين» يعبر عن عدم التزام الجزارين بالتسعيرة، وغلاء المعيشه، قام بغنائه مجموعة من أبطال العرض يقول فيه:

المستخدمين: حرام يا جزارين سايبينا سعرانيين

ما نطولشي درهمين إلا بطلوع العين

جااااااي يا مسلمين من دي السنين

العيشه طين والجزارين متفرعنين

مستخدمين متبهدلين المستخدم بإيده إيه

بس إحكم بينا يا بيه بالزمه يقضوا إيه

دى ماهيه خمسه جنيه حايس بره وجوه

الجزارين : يا فندي أنت وهوة روح يكفاك صريخ هات فسيخ

وبلاش طبيخ دمنا يفور نديك بالساطور ومافيش هنا تسعيرة «

فى تلك الفترة الصعبة التى كان الشعب المصري يعانى من بوادر أزمة إقتصادية، ظهرت أزمة أخرى فى « الكيروسين» سارع سيد درويش بالتعبيرعنها فلحن أغنية بعنوان «استعجبوا يا فندية» غناء محمود أفندي مرسي، فحققت نجاحا كبيرا وانتشرت بين الناس يقول مطلع الأغنية:

«استعجبوا يا فندية لتر الجاز بروبيه

وبقاله اليوم شنه ورنه واللي يبيعه بقى له كلمه

ياما ناموا كتير ناس فى الضلمه وصبح أغلا من الكولونيا»

على لسان «العربجية» يكتب الملحن والشاعر أمين صدقي أغنية تصف حال تلك الطائفة من العمال، فيتحمس لها الملحن سيد درويش ويقوم بتلحينها فلا يقتصر ترديدها على « العربجية» فقط، ولكن ترددها مع مطربها سيد درويش كل الجماهير فى كل حارات وشوارع وأزقة مصر تقول بعض كلمات الأغنية:

« نعيش إزاي يا ناس، يا أخوانا العدل فين

يا هوه ورانا عيال غلابة ياكلوا منين

لأمتى نفضل ساكتين كده جتنا البين»



جشع التجار

وعندما حدثت الأزمة الاقتصادية بالفعل في مصرواستغلها التجار لمصلحتهم ورفعوا الأسعار، ناشدهم بديع خيري بمراعاة ربنا، كما جاء في الأعمال الكاملة له، والتى جمعها الدكتور «نبيل بهجت»، فكتب عام 1926 زجلا رائعا تحت عنوان «ارتفاع الأسعار» قام بغنائه فيما بعد الفنان حسن فائق الذى عمل في بداية حياته كمونولوجيست يقول في بدايته:

«نصيحة خالصة لوجه الله واجب عليا أنبهكم لها يا تجار

واتمنى صوتي فى أسماعكم يرن صداه، وتتقوا ربنا حبه في غلا الأسعار

من يرحم الغير يا تجار يرحم وياه، والدنيا فيه بعدها آخرة وجنه ونار

الشعب منكم وانتم منه عالجوا معاه صعوبة العيش وقولوا الستر يا ستار

نظرا لاستمرار حالة جشع التجار وعدم إلتزامهم بالتسعيرة التى وضعتها الحكومة، وغضب الشعب من ارتفاع الأسعار، عاد بديع خيري مرة أخرى وخاطب التجار الطماعين تحت عنوان «السوق البيضا» قائلا:

« ربك أحل الشرا والبيع علي شرط فى السوق البيضا

وأنت اللي من طمع المساريع خليتها سوق سوده وعيضه

عندك يا تاجر تسعيره تخالفها ليه؟ فضها سيره

الشيخ محمد ده زبونك ماشي معاك دفيع وأمين

وتغشه ليه بس؟ يخونك عيشه وملحه ست سنين

الميه إزاي تعملها ميتين في رطل صابون أو بكره خيط

ودا جار مضمون والحيط فى الحيط»



عيد الأضحى والأضحية

مازلنا فى عام 1926، كتب شاعرنا العبقري بديع خيري قطعة زجلية طريفة عن أضحية العيد بعنوان «شميت روايح التسقية» يقول في بدايتها:

«بايت جعان والصبحية مش عارف أعمل فى العيد إيه؟

ولا حيلتي نعجه زرايبيه ولا كلب حتى أضحي عليه

شميت روايح التسقيه من بيت جارتنا مراة البيه

حطيت لى عقلي في رجليه وأخوك ماهيته خمسه جنيه

يادوب يجيبوا العيش الحاف

الواد صبح ماسك ودني وأنا مالي هات لي يا بابا خروف

اللحمه فيها خطر يا بني عالمعدة ــ كخ ــ أعمل معروف

لا ابن الحمار راضي يسيبني ولا أمه ساكته عن المخسوف

من غيظتي عفريتي ركبني وبقت فضايح عالمكشوف

وخناقة ناقصها الإسعاف»

ويستكمل خيري تفاصيل « الخناقة» التى أوقفها دخول رجل من المحسنين عليه وعلى زوجته، وفى النهاية نكتشف أن هذا المحسن فاعل خير، ويعطي له فلوس لشراء الأضحية، فيشكره هذا البائس ويتمنى أن يكثر الله من أمثال هذا الرجل الطيب، الذى يشعر بحال الفقراء والمساكين.



زكريا يكمل مسيرة الشيخ سيد

بعد رحيل الشيخ سيد درويش ظهر على الساحة الفنية شيخا آخر هو زكريا أحمد توقع له الكثيرين أن يكمل مسيرة الشيخ سيد، فاحتضنه بديع خيري، واستمرارا لأغنيات وأشعار الأزمة لحن وغني الشيخ زكريا أغنية تصف حال الشيالين بعنوان : «الشيالين»

«شد يا دقدق حيلك هه الشده على الله

واتعفون على شيلك هه العافيه من الله

دا احنا أولى بتعريفه أزمه والأشغال نيله»

ليلة من ألف ليلة

لم يكن بديع خيري هو شاعر الأزمة الوحيد ففي أوبريت « ليلة من ألف ليلة» تأليف محمود بيرم التونسي، وألحان سيد مصطفى، الذى عرض عام 1930 نشاهد حوارا بين بطل العرض شحاته وأحد الفقراء نجد فيه تصويرا خاطفا للحالة الاقتصادية التى تمثل « الغلا» فى المدينة فيقول:

شحاته: يا صباح الخير يا أبو عبده إبنك عبدالله أزيه؟

الرجل: عيان مسكين يا شحاته المولى يا خدلي بيده

شحاته وبعد أن يختفي الرجل الفقير:

روح في جهنم جاك بلا أنت وإبنك والغلا»

نجم وإمام وموال الفول واللحمة

لا يمكن ونحن نتحدث عن الأزمة الإقتصادية ومعاناة الشعب المصري، وأشهر الشعراء والملحنيين والمطربيين الذين تغنوا بالأزمة، وإرتفاع الأسعار أن ننسى الثنائي الرائع أحمد فؤاد نجم والشيخ إمام، حيث كانا لسان حال الناس فى نهاية ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، ومن الأشعار التى كتبها نجم ولحنها وقام بغنائها الشيخ إمام عام 1974 « موال الفول واللحمة» الذي يقول فيه:

«عن موضوع الفول واللحمه صرح مصدر قال مسئول

إن الطب اتقدم جدا والدكتور محسن بيقول

إن الشعب المصري خصوصا من مصلحته يقرقش فول

حيث الفول المصري عموما يجعل من بني آدم غول

يا دكتور محسن يا مزقلط يا مصدر يا غير مسئول

حيث إن انتوا عقل العالم والعالم محتاج لعقول

ما رأي جنابك وجنابهم فيه واحد مجنون بيقول

إحنا سيبونا نموت باللحمه وانتوا تعيشوا وتاكلوا الفول

ما رأيك يا كابتن محسن مش بالذمه كلام معقول».



عدوية يشارك الغلابة

على نفس الدرب سار المطرب الشعبي الكبير أحمد عدوية من خلال فيلم « شعبان تحت الصفر» حيث يغني موال شجيا عن حال الناس الغلابة بعنوان « عجبي عليك يا زمن» يقول فيه:

«ناس غلابة رزقهم من خرم إبرة يمر

عايشين كده فى المحن ولا شافوا لحظة تسر

وناس كده ألوان شبعان يزوء جعان

وناس تواصل ضحكها وناس تمسح دمعها

وناس بتشرب عسل وناس بتشرب مر»




الرقابة تمنع « ورد الربيع» لشادية

مع بداية الثمانينيات وفي عصر الرئيس الأسبق حسني مبارك ترتفع الأسعار مجددا، تدخل البلد فى نفق مظلم بسبب غلاء المعيشة، وأثناء ذلك يقدم المخرج أشرف فهمي آخر أفلام صوت مصر شادية «لا تسألني من أنا» قصة الكاتب الكبير إحسان عبدالقدوس، الذى تدور أحداثه عن «عائشة» السيدة الفقيرة التى تضطر نظرا لظروفها الاقتصادية الصعبة أن تتنازل عن مولودتها الجديدة «زينب» لسيدة عاقر من الطبقة الثرية، نظير مبلغ مالي أعطته لها السيدة الغنية لتنفق منه « عائشة» على أسرتها المكونة من أربع أطفال وزوج عليل لا يعمل.

فى هذا الفيلم قدمت شادية من كلمات سيد حجاب وألحان الموسيقار العبقري عمار الشريعي مجموعة أغنيات درامية قصيرة ومكثفة جدا لا تتعدى مدة الأغنية الدقيقة، من هذه الأغنيات أغنية بعنوان «من يشتري ورد الربيع» التى تتحدث عن موت الضمير فى عالم غريب مليئ بالوحوش في صورة « بنى آدميين»، ونظرا لصعوبة تصوير الأغنية التى أبدع فيها أشرف فهمي حيث صور حالة البؤس والفقر عند سكان العشوائيات ولهاثهم على قطعة اللحم ورغيف العيش، تم رفض الأغنية، وعندما تم عرض الفيلم فى التليفزيون أيضا تم حذفها، يقول مطلعها:

«عالم غريب ضميره مات، وإحنا ضحاياه كلنا

كأننا أصفار على الشمال بنزود الأغنياء غنا

وأدينا ماشيين بالفتات عايشين بناكل بعضنا

وليه ليه»

نجاح الموجي و»أيام الغضب»

في عام 1989 تردد مصر كلها مع الفنان نجاح الموجي أغنية درامية رائعة كتبها عمنا سيد حجاب وقام بتلحينها موضة هذا العصر الملحن سامي الحفناوي بعنوان «اتفضل من غير مطرود»، ورغم أن الأغنية جاءت فى سياق درامي ضمن أحداث فيلم « أيام الغضب»، لكن كلماتها ولحنها وطريقة أداء الموجي جاءت على الجرح كما يقول المثل الشعبي، فالأغنية تتحدث عن التعب فى سبيل إيجاد لقمة العيش والمقارنة بين من يعمل ويتعب، ومن لا يتعب ويجنى مئات الألوف، كل هذا جعل الأغنية تتصدر كل سباقات الأغنيات فى هذا الوقت وليس هذا فقط بل جعلها أغنية العام يقول جزء من كلامها:

« دنيا بتدي للهبيش ويا عيني علينا يا حرافيش

نشقى عشان حبة ملاطيش ما يكفوش العيش والشاي»



محمد فؤاد « إزاي يبقى نيلنا ويجري لغيرنا»

ويطلق محمد فؤاد فى هذه الفترة صاروخا غنائيا عابرا للقارات والأماكن والأزمنة من خلال أغنية «يا عيني علينا» كلمات مدحت العدل، ألحان رياض الهمشري، والتى كانت الأغنية الرئيسية لفيلم «إشارة مرور» حيث يغني لمدينة القاهرة المجنونة.

«يا عيني علينا منك يا مدينة مجنونة ورزينة وفيكي البدع

ماشيين بالتكالة وبألفين مقالة بالزيف والأصالة وبضرب الودع.. يا عينى علينا صابرين للنهاية، ياريت تسمعينا قوليلنا الحكاية

إزاي يبقى نيلنا ويجري لغيرنا ، ياريت شوية يعدى علينا».

مما مضى يتضح لنا أن المصريين معروف عنهم حب الدعابة وتحويل الازمة الى اغنية ساخرة والسهر فى جماعات أمام المقاهى التى تتحول إلى منتديات سياسية يلتقى فيها الجميع فى دوائر مستديرة لمناقشة مختلف القضايا، بدءاً بالسياسة وانتهاء بالأسعار والحوادث والقصص والحكايات المسلية». وهو الأمر الذى جعل الأغنية على مدار تاريخها حاملة للعديد من المعانى والمواقف التى تندرج تحت ما يسمى بالأغنية الناقدة التي تسقط على الواقع مهما كانت مرارته.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق