رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

الدليل

أخذ‭ ‬مكانه‭ ‬علي‭ ‬شاطئ‭ ‬النيل‭ ‬فوق‭ ‬مقعد‭ ‬رخامي‭ ‬يشرف‭ ‬علي‭ ‬جسر‭ ‬عباس‭ ‬من‭ ‬الناحية‭ ‬اليمني،‭ ‬وينظر‭ ‬إلي‭ ‬سرحة‭ ‬الجزيرة‭ ‬الخضراء‭ ‬عن‭ ‬يساره‭.‬

كان‭ ‬قد‭ ‬مضي‭ ‬من‭ ‬الليل‭ ‬بضع‭ ‬ساعات‭ ‬غاب‭ ‬خلالها‭ ‬ضوء‭ ‬النهار،‭ ‬ومضي‭ ‬الناس‭ ‬معها‭ ‬إلي‭ ‬مضاجعهم،‭ ‬وحلت‭ ‬السكينة،‭ ‬وساد‭ ‬هدوء‭ ‬عميق‭ ‬لا‭ ‬تكاد‭ ‬تخالطه‭ ‬حركة‭ ‬ولا‭ ‬يكاد‭ ‬ينتهي‭ ‬إليه‭ ‬إلا‭ ‬أصوات‭ ‬ضعيفة‭ ‬خافتة‭ ‬من‭ ‬بعيد‭.‬

وكان‭ ‬النسيم‭ ‬يسري‭ ‬دانيا‭ ‬وادعا‭ ‬حتي‭ ‬لتكاد‭ ‬الأوراق‭ ‬الغضة‭ ‬والأزهار‭ ‬الناضرة‭ ‬أن‭ ‬تنكره‭ ‬لولا‭ ‬هذا‭ ‬البرد‭ ‬الذي‭ ‬يحمله‭ ‬فتختلج‭ ‬له‭ ‬الأزهار ‬خلجة‭ ‬خفيفة،‭ ‬فتلفها‭ ‬أوراقها‭ ‬بالدفء‭ ‬والأمن‭ ‬والحنان‭.‬

ونظر‭ ‬الفتي‭ ‬إلي‭ ‬النيل‭ ‬فرأي‭ ‬النيل‭ ‬ساكنا‭ ‬ساجيا،‭ ‬كأنما‭ ‬وقف‭ ‬ماؤه‭ ‬فلا‭ ‬يمضي،‭ ‬وثبت‭ ‬تياره‭ ‬فلا‭ ‬يتدفق‭. ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬يلوح‭ ‬منه‭ ‬إلا‭ ‬خط‭ ‬أبيض‭ ‬من‭ ‬ضباب‭ ‬خفيف‭ ‬يغشي‭ ‬صفحته‭ ‬فلا‭ ‬تكاد‭ ‬تبين،‭ ‬ويقيد‭ ‬موجاته‭ ‬فلا‭ ‬تكاد‭ ‬تصطفق،‭ ‬ويلقي‭ ‬عليه‭ ‬سترا‭ ‬من‭ ‬الخفاء‭ ‬تمحي‭ ‬معه‭ ‬صورة‭ ‬النهر‭ ‬العظيم‭. ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬هناك‭ ‬آية‭ ‬تشهد‭ ‬بأنه‭ ‬يجري‭ ‬أو‭ ‬تدل‭ ‬علي‭ ‬أنه‭ ‬يتدفق‭!‬

ونظر‭ ‬الفتي‭ ‬فإذا‭ ‬غصن‭ ‬كبير‭ ‬يسير‭ ‬الهويني‭ ‬مع‭ ‬الماء‭ ‬ويقترب‭ ‬من‭ ‬مقعده‭ ‬الرخامي،‭ ‬ثم‭ ‬يمر‭ ‬به‭ ‬ثم‭ ‬يجاوزه‭ ‬إلي‭ ‬الشمال‭ ‬ثم‭ ‬يلفه‭ ‬الموج‭ ‬والظلام‭. ‬وعاد‭ ‬إلي‭ ‬الفتي‭ ‬يقينه‭ ‬بأن‭ ‬النيل‭ ‬لم‭ ‬يكف‭ ‬عن‭ ‬حركته‭ ‬الخالدة‭ ‬ولم‭ ‬يقف‭ ‬جريه‭ ‬الأبدي،‭ ‬وأنه‭ ‬مازال‭ ‬حيا‭ ‬يمضي‭ ‬إلي‭ ‬غايته‭.‬

ونظر‭ ‬إلي‭ ‬الجسر‭ ‬فراعه‭ ‬هذا‭ ‬الغموض‭ ‬الذي‭ ‬يطيف‭ ‬به‭ ‬وهذه‭ ‬الظلال‭ ‬التي‭ ‬تتراقص‭ ‬من‭ ‬حوله،‭ ‬وخيل‭ ‬إليه‭ ‬أنه‭ ‬رسم‭ ‬بارز‭ ‬في‭ ‬لوحة‭ ‬فنان،‭ ‬ولم‭ ‬يستطع‭ ‬أن‭ ‬يتمثل‭ ‬فيه‭ ‬ذلك‭ ‬الجسر‭ ‬الضخم‭ ‬البين‭ ‬الذي‭ ‬يجتازه‭ ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬في‭ ‬رائعة‭ ‬النهار‭. ‬وسما‭ ‬بصره‭ ‬يتقصاه‭ ‬من‭ ‬أوله‭ ‬ويمضي‭ ‬معه‭ ‬حتي‭ ‬يبلغ‭ ‬به‭ ‬منتصف‭ ‬النهر‭ ‬أو‭ ‬يزيد،‭ ‬ثم‭ ‬إذا‭ ‬بصره‭ ‬يضل‭ ‬هذا‭ ‬الرسم‭ ‬فلا‭ ‬يجده‭ ‬ويخطئه‭ ‬فلا‭ ‬يراه‭!. ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬هناك‭ ‬إلا‭ ‬سلطان‭ ‬الظلام‭ ‬يتيه‭ ‬مختالا‭ ‬فوق‭ ‬الماء‭ ‬ويلف‭ ‬الجسر‭ ‬في‭ ‬ردائه‭ ‬الأسود‭ ‬الثقيل‭.‬ وخيل‭ ‬إلي‭ ‬الفتي‭ ‬أن‭ ‬الجسر‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬جسرا‭ ‬وأنه‭ ‬لم‭ ‬يبلغ‭ ‬الضفة‭ ‬الأخري‭ ‬حيث‭ ‬يلقي‭ ‬برأسه‭ ‬علي‭ ‬ثري‭ ‬النهر‭ ‬العظيم‭.‬

ودلفت‭ ‬سيارة‭ ‬تريد‭ ‬أن‭ ‬تعبر‭ ‬إلي‭ ‬العدوة‭ ‬الشرقية،‭ ‬وأرسلت‭ ‬أنوارها‭ ‬الزرقاء‭ ‬ترود‭ ‬هذا‭ ‬المحيط‭ ‬الشامل‭ ‬من‭ ‬الظلال‭. ‬وتابع‭ ‬الفتي‭ ‬ببصره‭ ‬النور‭ ‬حتي‭ ‬إذا‭ ‬بلغ‭ ‬به‭ ‬منتصف‭ ‬النهر‭ ‬أو‭ ‬يزيد،‭ ‬لم‭ ‬تخطئه‭ ‬عيناه‭ ‬وإنما‭ ‬ومضتا‭ ‬معه‭ ‬وهو‭ ‬يشق‭ ‬الظلام‭ ‬حتي‭ ‬بلغ‭ ‬الضفة‭ ‬الأخري‭ ‬واختفي‭ ‬في‭ ‬حنايا‭ ‬الطريق‭.‬

وعاد‭ ‬إلي‭ ‬الفتي‭ ‬يقينه‭ ‬بأن‭ ‬الجسر‭ ‬لم‭ ‬يزل‭ ‬قائما‭ ‬بين‭ ‬العدوتين‭ ‬ملقيا‭ ‬رأسيه‭ ‬علي‭ ‬الضفتين،‭ ‬وأنه‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬برغم‭ ‬الظلام‭ ‬يمضي‭ ‬إلي‭ ‬غايته‭.‬

ومن‭ ‬الشمال‭ ‬لاحت‭ ‬للفتي‭ ‬من‭ ‬بعيد‭ ‬ظلال‭ ‬ثقيلة‭ ‬سوداء‭ ‬تجثم‭ ‬علي‭ ‬صفحة‭ ‬الماء‭ ‬فيخبو‭ ‬تألقه‭ ‬وينقطع‭ ‬امتداده‭ ‬ويخال‭ ‬الناظر‭ ‬أن‭ ‬النهر‭ ‬قد‭ ‬ألقي‭ ‬بنفسه‭ ‬في‭ ‬هوة‭ ‬عدم‭ ‬رهيب‭! ‬لقد‭ ‬فقدت‭ ‬سرحه‭ ‬الجزيرة‭ ‬بهاءها‭ ‬ونضرتها‭ ‬ولم‭ ‬تعد‭ ‬تطل‭ ‬علي‭ ‬النيل‭ ‬تتأمله‭ ‬في‭ ‬جلال‭. ‬لا‭ ‬أشجار‭ ‬هناك‭ ‬ولا‭ ‬أزهار‭ ‬ولا‭ ‬عشاق‭ ‬ولا‭ ‬أطيار،‭ ‬ذهب‭ ‬كل‭ ‬أولئك‭ ‬ولم‭ ‬تبق‭ ‬إلا‭ ‬هذه‭ ‬الظلال‭ ‬الثقيلة‭ ‬السوداء‭ ‬تضغط‭ ‬علي‭ ‬صدر‭ ‬النهر‭ ‬الوديع‭ ‬حتي‭ ‬لتخنق‭ ‬أنفاسه‭ ‬وتأخذ‭ ‬عليه‭ ‬الطريق‭.‬

وحفت‭ ‬أجنحة‭ ‬صغيرة‭ ‬لسرب‭ ‬من‭ ‬الطير،‭ ‬وهتفت‭ ‬أصوات‭ ‬رقيقة‭ ‬فيها‭ ‬من‭ ‬الشوق‭ ‬إلي‭ ‬العش‭ ‬الحبيب‭ ‬وفيها‭ ‬من‭ ‬الفرحة‭ ‬بالإياب‭ ‬السعيد‭. ‬كان‭ ‬السرب‭ ‬يطير‭ ‬آمنا‭ ‬نحو‭ ‬هذه‭ ‬الظلال‭ ‬الثقيلة‭ ‬السوداء‭ ‬وهو‭ ‬يعلم‭ ‬أنها‭ ‬ليست‭ ‬هوة‭ ‬العدم‭ ‬ويثق‭ ‬بأن‭ ‬وراءها‭ ‬سرحته‭ ‬الباسقة‭ ‬وروضته‭ ‬المونقة‭ ‬وأعشاشه‭ ‬الدافئة‭ ‬ونومه‭ ‬الهادئ‭ ‬اللذيذ‭.‬ وأيقن‭ ‬الفتي‭ ‬أن‭ ‬السرحة‭ ‬لم‭ ‬تفقد‭ ‬بهاءها‭ ‬ونضرتها‭ ‬وأنها‭ ‬لم‭ ‬تزل‭ ‬حالية‭ ‬بالزهر،‭ ‬حافلة‭ ‬بالشجر،‭ ‬عامرة‭ ‬بالأطيار‭ ‬والمحبين‭ ‬برغم‭ ‬هذه‭ ‬الظلال‭ ‬الثقيلة‭ ‬السوداء‭.‬ وعلي‭ ‬غير‭ ‬بعيد‭ ‬من‭ ‬مجلسه‭ ‬الرخامي‭ ‬هجعت‭ ‬ثلاثة زوارق‭ ‬في‭ ‬سكون‭ ‬حزين‭. ‬كان‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬فيها‭ ‬نياما‭ ‬يحلمون،‭ ‬وكانت‭ ‬هي‭ ‬أيضا‭ ‬نائمة‭ ‬تحلم‭. ‬ولكن‭ ‬الفتي‭ ‬لم‭ ‬يتمثلها‭ ‬أحلاما‭ ‬ناعمة‭ ‬سعيدة‭ ‬ولم‭ ‬يستطع‭ ‬ أن يصرف‭ ‬عن‭ ‬قلبه‭ ‬هذا‭ ‬الشجن‭ ‬العميق‭ ‬لمنظر‭ ‬هذه‭ ‬الزوارق‭ ‬الثلاثة‭ ‬في‭ ‬صمتها‭ ‬الكئيب‭. ‬تمثل‭ ‬الفتي‭ ‬فيها‭ ‬الأجنحة‭ ‬المهيضة،‭ ‬والقلوب‭ ‬الكسيرة،‭ ‬والفل‭ ‬الهزيم‭! ‬وأين‭ ‬من‭ ‬هؤلاء‭ ‬النائمات‭ ‬الحزينات‭ ‬تلك‭ ‬الأجنحة‭ ‬البيض‭ ‬تخفق‭ ‬علي‭ ‬الماء‭ ‬من‭ ‬بعيد‭ ‬فتبعث‭ ‬في‭ ‬النفس‭ ‬الأمل‭ ‬وتخلق‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬البهجة،‭ ‬وتنشر‭ ‬علي‭ ‬النهر‭ ‬الجمال‭.‬

وأين‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬السكون‭ ‬تلك‭ ‬الحركة‭ ‬المتوثبة؟‭ ‬وأين‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الخلاء‭ ‬زمر‭ ‬من‭ ‬فتيان‭ ‬وشبان‭ ‬وشيب‭ ‬يجيزون‭ ‬النهر‭ ‬كل‭ ‬ساعة‭ ‬وفي‭ ‬صدورهم‭ ‬آمال‭ ‬وفي‭ ‬رؤوسهم‭ ‬أفكار‭ ‬وعلي‭ ‬شفاههم‭ ‬أحاديث‭!‬

كم‭ ‬رأت‭ ‬هذه‭ ‬الزوارق‭ ‬النائمة‭ ‬من‭ ‬مشاهد‭ ‬وكم‭ ‬سمعت‭ ‬من‭ ‬همسات‭ ‬وكم‭ ‬حفلت‭ ‬بالحياة‭ ‬في‭ ‬أفراحها‭ ‬وأتراحها‭ ‬وفي‭ ‬عبوسها‭ ‬وابتسامها‭! ‬ولكنها‭ ‬مع‭ ‬ذلك‭ ‬مغرقة‭ ‬في‭ ‬صمتها‭ ‬الحزين‭ ‬كالجناح‭ ‬المهيض‭ ‬والقلب‭ ‬الكسير‭ ‬والفل‭ ‬الهزيم‭.‬

ونظر‭ ‬الفتي‭ ‬فإذا‭ ‬ساريات‭ ‬ثلاث‭ ‬تضرب‭ ‬في‭ ‬الفضاء‭ ‬عزيزة‭ ‬سامية‭. ‬كان‭ ‬يلفها‭ ‬غشاء‭ ‬رقيق‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الحزن‭ ‬المخيم‭ ‬علي‭ ‬الزوارق،‭ ‬ولكنها‭ ‬كانت‭ ‬تلقي‭ ‬في‭ ‬النفس‭ ‬اليقين‭ ‬بأن‭ ‬هذه‭ ‬الشرع‭ ‬المطوية‭ ‬ستنشر‭ ‬بعد‭ ‬حين‭ ‬فتعود‭ ‬أجنحة‭ ‬بيضاء‭ ‬تخفق‭ ‬علي‭ ‬الماء‭ ‬تبعث‭ ‬فيه‭ ‬البهجة‭ ‬وتنشر‭ ‬عليه‭ ‬الجمال،‭ ‬وتنتزع‭ ‬الزوارق‭ ‬من‭ ‬ركودها‭ ‬الكئيب‭ ‬وسكونها‭ ‬العميق‭. ‬و‭ ‬علم‭ ‬الفتي‭ ‬أن‭ ‬الزوارق‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تنبض‭ ‬بالحياة،‭ ‬لم‭ ‬تضيع‭ ‬ما‭ ‬شهدت‭ ‬من‭ ‬مناظر‭ ‬ولا‭ ‬ما‭ ‬سمعت‭ ‬من‭ ‬أحاديث‭.‬

واتجه‭ ‬الفتي‭ ‬ببصره‭ ‬إلي‭ ‬مياه‭ ‬النهر،‭ ‬فإذا‭ ‬أضواء‭ ‬متفرقة‭ ‬شاحبة‭ ‬كأنها‭ ‬بقايا‭ ‬شموع‭ ‬توشك‭ ‬أن‭ ‬تنطفئ‭. ‬وعجب‭ ‬الفتي‭ ‬لهذه‭ ‬الأضواء‭ ‬الحائلة‭ ‬كيف‭ ‬تستقر‭ ‬في‭ ‬اللجة‭ ‬الباردة‭ ‬جامدة‭ ‬لا‭ ‬تتحرك‭ ‬إلا‭ ‬حركات‭ ‬يسيرة‭ ‬كلما‭ ‬رجف‭ ‬الماء‭ ‬بموجة‭ ‬أو‭ ‬هب‭ ‬علي‭ ‬صفحته‭ ‬نسيم‭ ‬شديد‭. ‬كانت‭ ‬شيئا‭ ‬غير‭ ‬الماء،‭ ‬ولكن‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬الصعب‭ ‬علي‭ ‬الفتي‭ ‬أن‭ ‬يتمثل‭ ‬فيها‭ ‬معني‭ ‬من‭ ‬معاني‭ ‬النور،‭ ‬النور‭ ‬ذي‭ ‬السنا‭ ‬الفياض‭ ‬والأشعة‭ ‬الغامرة،‭ ‬والخواطر‭ ‬الراقصة‭ ‬الطروب‭. ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الشموع‭ ‬الخافتة‭ ‬إلا‭ ‬نور‭ ‬باهت‭ ‬لم‭ ‬ينل‭ ‬ما‭ ‬للظلمة‭ ‬من‭ ‬سواد،‭ ‬ولم‭ ‬يحظ‭ ‬بما‭ ‬للنور‭ ‬من‭ ‬تألق‭. ‬وأطال‭ ‬الفتي‭ ‬نظره‭ ‬إليها‭ ‬كأنما‭ ‬يرجو‭ ‬أن‭ ‬تتلألأ‭ ‬أو‭ ‬تتوهج‭ ‬كجذوة‭ ‬نائمة‭ ‬تنتظر‭ ‬أن‭ ‬توقظها‭ ‬الريح‭ ‬ولكن‭ ‬الأضواء‭ ‬ظلت‭ ‬باهتة‭ ‬جامدة‭ ‬لا‭ ‬تتألق‭ ‬ولا‭ ‬تتحرك‭! ‬ورفع‭ ‬الفتي‭ ‬بصره‭ ‬إلي‭ ‬السماء‭ ‬فإذا‭ ‬نجوم‭ ‬لامعة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬السحب‭. ‬نجوم‭ ‬واضحة‭ ‬فيها‭ ‬من‭ ‬سنا‭ ‬الضوء‭ ‬الباهر‭ ‬والأشعة‭ ‬الغامرة‭. ‬نجوم‭ ‬توحي‭ ‬بما‭ ‬يزخر‭ ‬فيها‭ ‬من‭ ‬عوالم،‭ ‬وما‭ ‬ينبسط‭ ‬في‭ ‬أرجائها‭ ‬من‭ ‬كائنات،‭ ‬ساعية‭ ‬إلي‭ ‬غايتها،‭ ‬سالكة‭ ‬سبيلها‭ ‬المرسوم‭ ‬في‭ ‬نظام‭ ‬الكون‭ ‬العجيب‭. ‬وعاد‭ ‬الفتي‭ ‬ينظر‭ ‬إلي‭ ‬هذه‭ ‬الأضواء‭ ‬الشاحبة‭ ‬فأكبرها‭ ‬وأجلها‭ ‬ورأي‭ ‬فيها‭ ‬الآن‭ ‬حياة‭ ‬لم‭ ‬يحسها‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬وإيحاء‭ ‬بليغا‭ ‬بأنها‭ ‬ـ‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬ظلالا‭ ‬ـ‭ ‬رمز‭ ‬لحيويات‭ ‬أكبر،‭ ‬وعالم‭ ‬أضخم،‭ ‬وأضواء‭ ‬أكثر‭ ‬لمعانا‭ ‬وأعظم‭ ‬تألقا‭.‬

إن‭ ‬النجوم‭ ‬برغم‭ ‬ظلالها‭ ‬الشاحبة‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬في‭ ‬السماء‭ ‬تمضي‭ ‬إلي‭ ‬غايتها‭. ‬وكان‭ ‬الهلال‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬في‭ ‬مطلع‭ ‬دورته‭ ‬ضئيلا‭ ‬صغيرا‭ ‬لا‭ ‬يكاد‭ ‬يبدد‭ ‬الظلام‭ ‬من‭ ‬حوله‭. ‬وهو‭ ‬ينحدر‭ ‬نحو‭ ‬الغرب‭ ‬في‭ ‬بطء‭ ‬وإعياء‭. ‬وكانت‭ ‬السماء‭ ‬ملأي‭ ‬بالسحب،‭ ‬سحب‭ ‬صغيرة‭ ‬متعددة‭ ‬الأشكال‭ ‬والألوان‭ ‬يقذف‭ ‬بها‭ ‬الأفق‭ ‬الغربي‭ ‬فتزحف‭ ‬في‭ ‬بطء‭ ‬وإصرار‭ ‬حتي‭ ‬تغمر‭ ‬وجه‭ ‬السماء‭ ‬وتمضي‭ ‬في‭ ‬بطئها‭ ‬وإصرارها‭ ‬نحو‭ ‬الأفق‭ ‬الشرقي‭ ‬في‭ ‬وراء‭ ‬التلال‭.‬

وكانت‭ ‬السحب‭ ‬تمر‭ ‬بالقمر‭ ‬فتخطئ‭ ‬وجهه‭ ‬حينا‭ ‬وتغشاه‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان‭. ‬هذه‭ ‬سحابة‭ ‬خفيفة‭ ‬بيضاء‭ ‬تسعي‭ ‬وئيدة‭ ‬رفيقة‭ ‬علي‭ ‬محياه‭ ‬نقابا‭ ‬خفيفا‭ ‬ينفذ‭ ‬من‭ ‬خلاله‭ ‬ضوئه‭ ‬الهادئ‭ ‬الوديع‭ ‬ثم‭ ‬تمضي‭ ‬في‭ ‬طريقها‭ ‬لتدعه‭ ‬يتألق‭ ‬مرة‭ ‬أخري‭ ‬ويسير‭ ‬إلي‭ ‬غايته‭ ‬من‭ ‬الأفق‭ ‬الغربي‭.‬

وهذه‭ ‬سحابة‭ ‬أخري‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬رقة‭ ‬أختها‭ ‬ولا‭ ‬في‭ ‬شفافتها‭ ‬ولكنها‭ ‬لم‭ ‬تبلغ‭ ‬من‭ ‬القتامة‭ ‬أن‭ ‬يختفي‭ ‬القمر‭ ‬الضعيف‭ ‬كل‭ ‬الاحتفاء‭. ‬ويظل‭ ‬القمر‭ ‬يجاهد‭ ‬وتظل‭ ‬السحابة‭ ‬تزحف‭ ‬حتي‭ ‬تنجاب‭ ‬في‭ ‬سلام‭ ‬ويبقي‭ ‬القمر‭ ‬لألاء‭ ‬يتألق‭ ‬في‭ ‬بهاء‭!‬

وتلك‭ ‬غمامة‭ ‬ثقيلة‭ ‬سوداء‭ ‬تنذر‭ ‬بشر‭ ‬وترقص‭ ‬في‭ ‬طواياها‭ ‬شياطين‭ ‬الظلام‭! ‬ولكن‭ ‬القمر‭ ‬هادئ‭ ‬الصفحة‭ ‬باسم‭ ‬الثغر،‭ ‬ماض‭ ‬في‭ ‬طريقه‭ ‬إلي‭ ‬الأفق‭ ‬الغربي‭ ‬حتي‭ ‬إذا‭ ‬ظفرت‭ ‬به‭ ‬السحب‭ ‬الثقال‭ ‬غاب‭ ‬ضوءه‭ ‬واختفي‭ ‬محياه‭. ‬ولكن‭ ‬الفتي‭ ‬مع‭ ‬ذلك‭ ‬كان‭ ‬يحس‭ ‬ـ‭ ‬وهو‭ ‬ينظر‭ ‬إلي‭ ‬الغمامة‭ ‬ـ‭ ‬أن‭ ‬خلفها‭ ‬قمرا‭ ‬يجاهد‭ ‬لكي‭ ‬يرسل‭ ‬نوره‭ ‬مرة‭ ‬أخري‭ ‬إلي‭ ‬الآفاق،‭ ‬وكان‭ ‬الفتي‭ ‬يحس‭ ‬أن‭ ‬الغمامة‭ ‬نفسها‭ ‬ـ‭ ‬وإن‭ ‬عدت‭ ‬إلي‭ ‬القمر‭ ‬تهيئ‭ ‬له‭ ‬سبيل‭ ‬الخلاص‭ ‬بزحفها‭ ‬البطئ‭ ‬نحو‭ ‬الأفق‭ ‬الشرقي‭ ‬وراء‭ ‬التلال‭.‬ وأرسل‭ ‬القمر‭ ‬أشعته‭ ‬إلي‭ ‬أطراف‭ ‬السحابة‭ ‬بشرا‭ ‬بين‭ ‬يديه‭ ‬ثم‭ ‬ظهر‭ ‬بعد‭ ‬قليل‭ ‬يتهادي‭ ‬علي‭ ‬الصفحة‭ ‬الزرقاء‭ ‬متنفسا‭ ‬ملء‭ ‬رئتيه‭ ‬بعد‭ ‬ما‭ ‬كاد‭ ‬يختنق‭. ‬إنه‭ ‬يمضي‭ ‬في‭ ‬طريقه‭ ‬إلي‭ ‬الغرب‭. ‬إلي‭ ‬غايته‭.‬

كل‭ ‬شيء‭ ‬يمضي‭ ‬إلي‭ ‬غايته،‭ ‬هكذا‭ ‬علم‭ ‬الفتي‭. ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬وإن‭ ‬ناله‭ ‬السكون‭ ‬أو‭ ‬ألم‭ ‬به‭ ‬الإعياء‭ ‬لابد‭ ‬سيعود‭ ‬سيرته‭ ‬الأولي‭ ‬ليمضي‭ ‬في‭ ‬حياته‭ ‬كما‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬قبل‭. ‬وفي‭ ‬كل‭ ‬سكون‭ ‬دليل‭ ‬علي‭ ‬الحركة‭ ‬القادمة،‭ ‬وفي‭ ‬كل‭ ‬إعياء‭ ‬آية‭ ‬علي‭ ‬الوثبة‭ ‬المتوقعة‭ ‬والنشاط‭ ‬الجديد‭. ‬للجسر‭ ‬سياراته،‭ ‬وللسرحة‭ ‬طيورها،‭ ‬وللنجوم‭ ‬ظلالها،‭ ‬وللقمر‭ ‬خروجه‭ ‬ظافرا‭ ‬بعد‭ ‬كل‭ ‬غماء‭!‬

وعادت‭ ‬نفس‭ ‬الفتي‭ ‬إلي‭ ‬نفسها‭ ‬تتساءل‭ ‬عن‭ ‬دليل‭ ‬علي‭ ‬حركة‭ ‬بعد‭ ‬سكون‭ ‬طويل‭ ‬وآية‭ ‬علي‭ ‬نشاط‭ ‬بعد‭ ‬ركود‭ ‬يشبه‭ ‬الموت‭ ‬وإعياء‭ ‬يشل‭ ‬فيها‭ ‬الحياة‭. ‬ثلاث‭ ‬سنين‭ ‬طوال‭ ‬قضاها‭ ‬الفتي‭ ‬في‭ ‬آلام‭ ‬وأحزان،‭ ‬ثلاث‭ ‬سنين‭ ‬كفر‭ ‬في‭ ‬خلالها‭ ‬عما‭ ‬نعم‭ ‬به‭ ‬في‭ ‬سنواته‭ ‬الأربع‭ ‬والعشرين‭ ‬من‭ ‬رضا‭ ‬القلب‭ ‬وابتسام‭ ‬الحياة‭ ‬وراحة‭ ‬البال‭. ‬ثلاث‭ ‬سنين‭ ‬حملت‭ ‬إليه‭ ‬آلاما‭ ‬مرارا‭ ‬تعذب‭ ‬بها،‭ ‬وتعذب‭ ‬لأن‭ ‬أحدا‭ ‬من‭ ‬أصدقائه‭ ‬لم‭ ‬يستطيع‭ ‬أن‭ ‬يدرك‭ ‬حقيقتها‭. ‬ركود‭ ‬وإعياء‭ ‬وقفا‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬كان‭ ‬يريد‭ ‬أن‭ ‬يتقدم،‭ ‬وأخذ‭ ‬يشهد‭ ‬زملاءه‭ ‬يمرون‭ ‬به‭ ‬واحدا‭ ‬في‭ ‬إثر‭ ‬واحد‭ ‬وهم‭ ‬ماضون‭ ‬إلي‭ ‬غاياتهم‭ ‬وهم‭ ‬واقف‭ ‬ينظر‭ ‬إليهم‭ ‬في‭ ‬لهفة‭ ‬ويهم‭ ‬بالسير‭ ‬فتقعد‭ ‬به‭ ‬آلامه،‭ ‬وينوء‭ ‬بجراحه،‭ ‬فلا‭ ‬يملك‭ ‬إلا‭ ‬السكون،‭ ‬فأين‭ ‬إذن‭ ‬دليل‭ ‬الحركة؟‭ ‬وأين‭ ‬إذن‭ ‬آية‭ ‬النشاط؟‭!‬

وانبعثت‭ ‬في‭ ‬الظلام‭ ‬صيحة‭ ‬غردة‭ ‬من‭ ‬طير‭ ‬مرح‭ ‬طروب،‭ ‬صيحة‭ ‬تحمل‭ ‬أصداؤها‭ ‬كل‭ ‬معاني‭ ‬الحياة‭ ‬والنشاط‭ ‬والتفتح‭. ‬وهفا‭ ‬قلب‭ ‬الفتي‭ ‬إلي‭ ‬الصوت‭ ‬الغرد‭ ‬وخفق‭ ‬خفقة‭ ‬فيها‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الحياة‭ ‬وفيها‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬النشاط‭ ‬وهذا‭ ‬التفتح،‭ ‬وهتف‭ ‬هاتف‭ ‬من‭ ‬الأعماق‭: ‬هنا‭ ‬الدليل‭!‬

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق