رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

عن الكرامة المصرية

لم أهتم كثيرا فى البداية بفكرة منح الإقامة بمقابل مادى لغير المصريين توطئة لمنحهم الجنسية ،اعتقادا منى أنها

ليست سوى اقتراح عابر من تلك الاقتراحات العجيبة والمهينة التى تطل علينا بين حين وآخر ، لكن إلحاح البعض على الفكرة دفعنى غصبا للاهتمام بها فصدمنى أن الطرح جدى وأن ثمة مشروعاً بقانون لتعديل بعض أحكام قانوني89 لسنة 1960 و 26 لسنة 1975 معروض حالياً على مجلس الدولة لمناقشته والمرجع هنا (بوابة البرلمان) بتاريخ 4/8/6102، ووفقاً لهذا المصدر فإن مجلس الوزراء قد أرسل حتى قبل طرح هذه الفكرة مشروع قانون يتضمن مجموعة من التعديلات على قانونى إقامة الأجانب وخروجهم والجنسية المصرية إلى قسم التشريع بمجلس الدولة وذلك بهدف تشجيع استثمار الأموال العربية والأجنبية فى المشروعات الاقتصادية ، والفكرة العامة أن التعديلات المقترحة جاءت تيسيراً على الأجانب ذوى الارتباط الطويل والقوى بمصر والعمل على إيجاد جو من الثقة والاستقرار ليطمئن المستثمرون على مشروعاتهم وأموالهم وتحقيقا للاستقرار العائلى لهم ، وجوهر الفكرة أن الحكومة رأت منح الأجانب إقامة بموجب وديعة نقدية تودع فى أحد البنوك المصرية طوال مدة إقامتهم على أن تُحدد قيمة الوديعة بقرار من وزير الداخلية بعد موافقة مجلس الوزراء ، وبناء على هذا سوف تضاف فئة جديدة إلى فئات المقيمين الأجانب تُسمى (أجانب ذوو إقامة بوديعة) ثم يضيف التعديل المطلوب مادة جديدة إلى قانون الجنسية المصرية تنص على أنه يجوز بقرار من وزير الداخلية منح الجنسية المصرية لكل أجنبى أقام فى مصر إقامة بوديعة خمس سنوات متتالية . هناك موضوعات يُبدَى الرأى فيها وفقا لميزان المزايا والعيوب، وهناك مسائل مبدئية تتعلق بالكرامة والشرف لا يجوز للأسوياء النقاش حولها ، ومع ذلك دعونا نناقش منطق الفكرة الذى يقوم على أن فيها إنقاذا للاقتصاد المصرى فهناك وفقا لأنصارها ما يقرب من خمسين ألف عربى يرغبون فى اكتساب الجنسية المصرية يمكن أن يدفع كل منهم مليون دولار وبالتالى فنحن نتحدث عن خمسين مليار دولار وهو رقم يسيل له لعاب أى اقتصاد مأزوم ، ولا أدرى كيف تُحسب هذه الخزعبلات بهذه البساطة وهذا الاستخفاف وكيف تُتخذ قرارات فى مسائل أساسية بناءً على حسابات عشوائية كهذه ؟ ومن قال أن المستثمر غير المصرى سوف يتخذ قراراته الاستثمارية بناءً على اكتسابه الجنسية وليس على توافر مناخ استثمارى صحي؟ وكيف يطمئن إلى الاستثمار فى مصر إذا كان للمستثمرين المصريين شكاواهم من معوقات محبطة ؟ أم أن المقصود ليس الاستثمار وإنما إعطاء الجنسية للمتلهفين عليها لسبب أو لآخر لا نضمن اتساقه مع مصالح مصر وأمنها ؟ وكيف يُسَوغ لنا منح الجنسية المصرية لفئات محرومة منها فى بلدان إقامتها مع احترامنا الكامل لهذه الفئات ؟ وماذا يعنى أن وزير الداخلية سوف يحدد قيمة الوديعة المطلوبة للإقامة فالجنسية وكأننا سنكون كالبائع الذى يحدد سعر السلعة حسب إمكانيات المشترى ؟ وماذا عن المشكلات الأمنية التى يمكن أن تنجم عن تحريات خاطئة عن طالبى الإقامة والجنسية فى الظروف الراهنة التى نُكثِر الحديث فيها عن مؤامرات تُحاك ضد مصر؟ وكيف يكون الحال لو طُبقت هذه الفكرة فإذا بمردودها خائب مثلها؟ أخشى من أن يسود منطق هذه الفكرة حياتنا فالذين استغلوا هذا الشعب وثرواته يستطيعون تبييض صفحتهم بالمال ومشكلات الاقتصاد المصرى تُحل ببيع الجنسية وهلم جراً ، ولو كان الأمر يتعلق بجمع الأموال فلدى اقتراحات صادمة كثيرة أكثر جدوى يمنعنى الحس الوطنى والحياء من ذكرها .

يقولون إن بلادا عديدة محترمة تمنح الجنسية لغير أبنائها وهذا صحيح غير أنى لم أسمع من قبل عن هذه الفكرة العبقرية المسماة بالإقامة فالجنسية بوديعة يتم التنازل عنها عندما يتم المطلوب وإنما يتوقف الأمر على معايير للتأكد من الولاء والانتماء الذى لا يُقوَم بالمال . إن فكرة منح الجنسية بمقابل مادى تُهدر قيمة حضارية رفيعة فى التاريخ المصرى ، فعبر العصور استقبلت مصر موجات من البشر الذين طابت لهم الإقامة فى أرضها لحضارتها وطيبة شعبها وأصبحوا مصريين بمرور الوقت وأصبحت لدينا عائلات المغربى والجزايرلى والعراقى واليمنى والعكاوى والجداوى والمكاوى ، كما استقبلت مصر المناضلين من أجل حرية أوطانهم والهاربين من الظلم والاضطهاد فى هذه الأوطان والمبدعين من الأدباء والفنانين وغيرهم واعتبرتهم من أبنائها وأخلصوا هم بدورهم العطاء لها ، ولم تتردد مصر فى أى وقت فى منح جنسيتها لهؤلاء، ولم يودع الفنان الراحل محمد خان دولارا واحدا فى الخزينة المصرية وإنما كان رصيده عطاءه المبدع الذى أسعد المصريين ..فمن فضلكم لا تهدموا هذا التاريخ الجميل.

لمزيد من مقالات د. أحمد يوسف أحمد

رابط دائم: