رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

لنتجاوز الأحزان .. ونستكمل مدينة زويل

قال جبران خليل جبران إن الصداقة مسئولية عذبة وجميلة وليست انتهازية أو فرصة. لقد تمتعت بصداقة الأخ والزميل والعالم والإنسان


أحمد زويل لمدة تتجاوز العشرين عاما، وأجمل استثمارات الحياة هى وفاء الصداقة، ندرة هم الذين وهبوا حياتهم لنشر المعرفة والعلم وترسيخ دعائم الأخلاق والقيم، ندرة هم من كانت لحياتهم أهداف واضحة محددة، يسيرون لإنجاحها بثبات وحكمة، ويدعُون إليها بروية واقتدار علمى فائق.

والأندر من ذلك أن يعيش الإنسان فكرا وعملا فى هذا المناخ القيم والفكرى الأرقى دون أن يحيد عنه. لقد حزنا على وفاة الدكتور زويل بعواطفنا وعرفاننا بالجميل، وواريناه الثرى، وودعناه، ولكن جزءاً من عقلنا ووعينا يأبى الوداع، وهذا حال البشر مع كل من ترك أثراً فكرياً وثقافياً وأخلاقياً طيباً، وإذا نتبصر فإن غياب مثل هؤلاء لا يلغى حضورهم، إن مثلهم وإن ماتوا فسيحيون. وإذ نرى الراحل على هذا النحو، فهو حاضر حضوراً مكثفاً معنا بحيث يعجز الموت عن انتزاعه منا ومن الوطن ومن عقول الأجيال التى أسهم فى تكوين رؤيتها. إنها لحظة الموت التى تكثف حضور الحياة. فالجسد يتوارى، والحزن يتوارى، ويستمر الفكر. سيذهب من القلب حزن الفراق، ولكن تبقى فى العقل وفى النفس وفى الفكر قوة الحضور.

تميز الفقيد بالإيمان بالله، العمل الجاد، الإخلاص فى العمل، الوفاء لكل من يعرفه، احترام الكبير والصغير و بتفرده المطلق فى العطاء، كان يبذل من نفسه فى صمت، يبذل من علمه وصحته، وماله، لم يخذل أى طالب للمساعدة أو للعلم، كان يؤمن بقدرة الشباب، وعندما تولى مدينة زويل للعلوم والتكنولوجيا أعطى للشباب الفرصة للانطلاق فى الإدارة، والبحث، والمحاضرات.

اتصل بى الدكتور زويل فى فبراير 2016 لإلقاء كلمة فى احتفال معهد كاليفورنيا للعلوم والتكنولوجيا (كالتك) بمناسبة تكريمه على انجازاته العلمية مع حضور الكثير من الحاصلين على نوبل فى الكيمياء و الطبيعة مع كبار العلماء فى أمريكا وبالطبع كانت بالانجليزية وقد طلب منى أن اكتبها بالعربية ووجدت لتجاوز الأحزان أن انقلها للقراء، وأنا على يقين أن تجاوز الأحزان هو تكملة وبناء مدينة زويل المشروع القومى للنهضة العلمية، وكان عنوان المؤتمر «العلم والمجتمع» حيث إن زويل تجاوز انجازه العلمى بالعمل فى المجتمع وخاصة فى مصر.

لقد وصف نفسه فى كتابه «عصر العلم» انه مصرى مسلم، إفريقي، آسيوي، شرق أوسطي، بحر متوسطى وأمريكي، متأثرا بالثقافة الفرعونية، والقبطية والإسلامية والأمريكية مما عزز نظرته التلسكوبية للعالم. انه رجل يتصف بالمصداقية والإتقان والانضباط وتحمل المسئولية، يقدس عمل الفريق متجاوزا ذاته فى كل أعماله وبالرغم من انتمائه لجذوره لم يمنعه ذلك من استيعاب الثقافة الأمريكية.

واستطاع بكفاءة أن يوازن انجازاته العلمية مع خدمة ورخاء المجتمعات وأجد اليوم فى صحبة علماء العالم فى اجتماع العلم و المجتمع مناسبة فريدة للاحتفال بانجازاته العلمية و المجتمعية. لقد توحد المصريون بنجاح زويل خاصة انه حصل على جائزة نوبل متفردا، وأصبح بطل مصر وأتذكر حدثا عابرا عن حب المصرى البسيط لزويل، بعد عشاء معه وفى عودتنا أراد أن يشترى جرائد الصباح، فتوقفنا بالسيارة وطلب الجرائد إذا بالبائع يصيح «أحمد زويل» ورفض أن يأخذ ثمن الصحف فسألته هل تعرف شيئا عما فعله فأجاب إننى لا أعرف شيئا، أنا أحبه، إنه فخر مصر .

لقد أراد أن يبنى مشروعا لنهضة العلم والبحوث والتنمية فى مصر وبعد حصوله على نوبل قرر الرئيس السابق مبارك تخصيص أرض فى 6 أكتوبر خارج القاهرة لمشروعه ووضع حجر الأساس عام 2000 وبعد التأخير لمدة 15 عاما وقيام ثورة 25 يناير فى مصر صدر قرار جمهورى بتأسيس المشروع القومى المصرى للنهضة العلمية وسميت مدينة زويل للعلوم والتكنولوجيا، واعتقد أن احد أسباب التأخير أن الله قد وهب زويل ليس فقط الذكاء الأكاديمى بل أيضا الذكاء العاطفى والكاريزما وبدأ الاعلام وغالبية الشعب تعتبره المنقذ لمصر، بل بدأ الإعلام فى ترشيحه لرياسة الجمهورية ما أثار الخوف من المسئولين الذين أبطأوا أى تقدم فى المشروع لمدة 15 سنة. لقد استطاع أن يستقطب العلماء المصريين فى الخارج والذين تركوا نجاحهم فى أمريكا وأوروبا وفى بلاد العالم ليقيموا النهضة العلمية فى مصر، وجذب أفضل وأحسن الطلبة فى الجامعة ومن كل محافظات مصر، إن العالم الحق هو الذى يهتم بالانجاز وليس بالمنافسة وكان هدفه من المدينة تكوين أجيال جديدة من القيادات والعلماء ليكون لهم تأثير بعلمهم على المجتمع.

فبعد السنة الأولى من الجامعة يختار الطالب بين العلوم أو الهندسة ولأول مرة فى مصر يكون أمام الطالب اختيار النانوتكنولوجي، الهندسة، الطاقة المتجددة، الهندسة البيئية، الفضاء، تكنولوجيا الاتصالات، العلوم الأساسية، العلوم البيوطبية، علوم المواد والطبيعة والأرض والكون، أما هدف معاهد البحوث هو المشاكل التى تواجه الوطن خاصة الصحة، الطاقة، التنمية الاقتصادية أو التنمية المستديمة فى الصناعات مبنية على معاهد البحوث. ووافق الرئيس السيسى فى بناء المجمع العلمى للمدينة بمائتى فدان فى 6 أكتوبر ويقوم بالإشراف الهيئة الهندسية بالقوات المسلحة مع الاستعانة بشركات المقاولات المصرية، وفى آخر خطاب لزويل لمجلس الأمناء وعد أن الرئيس سيفتتح المبنى خلال هذا العام بل قال انه فى سبتمبر 2016.

أيها العزيز زويل إن إسهاماتك للعلم والمجتمع والثقافة والإنسانية كان لها تأثير فاعل وأساسى ليس فقط فى معهد كالتك بأمريكا، لكن بجذورك فى مصر والكثير من البلاد الأخرى، لقد أعطيت للعالم رؤية لمستقبل أفضل وسلام أبقى حقا انك رجل دولة، أشكرك دكتور زويل، أشكرك صديقى احمد.

وقد قوبلت الكلمة من العلماء الحضور بفترة طويلة من التصفيق ليس فيما قلته، لكن لإيضاح سمات هذا الشخص الذى سيبقى علمه وانجازاته نبراسا على العالم وعلى مستقبل مصر فى نهضتها العلمية .

إن تجاوز الأحزان يتحقق بإعطاء الاستدامة والنجاح لهذا الصرح العلمى لنهضة مصر العلمية ولاحظت هذه البداية بإصرار المسئولين على العمل المستمر لنجاح المشروع القومى لنهضة مصر العلمية. فقد المجلس الرئاسى لكبار علماء مصر، أحد أعمدته وقد أراد الله توفيقا لهذا المشروع بموافقة أحد أعضاء المجلس د. مجدى يعقوب لحمل الأمانة واستكمال الصرح العلمى حتى تكون روح الدكتور زويل فى سلام راضية مرضية.


لمزيد من مقالات د. احمد عكاشة

رابط دائم: