رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

حديث النفق على الشاطئ الرابع للقناة
عناق ٥ أغسطس بين الحفارين وبناة الأهرام

‎أنور عبد اللطيف
بعد ساعتين من الإنتظار وسط طابور طويل من المركبات يزحف بسرعة «السلحفاة» أخذت سيارة الجنرال وأبنائه وأحفاده موقعها فوق معدية نمرة 6 بالإسماعيلية..

كانت هذه أول مرة يعبر فيها من الغرب إلى الشرق عبر قناتين مصريتين ..بعد أن عبر من قبل قناة السويس القديمة مئات المرات وسط جنوده، كان أولها فى الساعة الثانية ظهر ٦أكتوبر ١٩٧٣. استوقف الجنرال بين الزحام مشهدان : المشهد الأول هو عبارة بالإنجليزى welcom to Egypt ومعناها مرحبا بك فى مصر التى كتبتها هيئة قناة السويس القديمة على جدارية منحوتة فى الساتر الترابى على الشاطئ الشرقى للقناة، وفى نفس المكان الذى كان يقبض فيه خط بارليف على أنفاس القناة وكرامة جنود مصر وتنطلق منه دانات مدافع ودبابات جيش الاحتلال الذى زعموا كذبا انه لا يقهر، وضعت هيئة القناة اللوحة بحيث تكون فى وجه القادمين من الإسماعيلية إلى سيناء كما أضيف إلى الجدارية أو «الشاطئية» إن صح التعبير عبارة تحيا مصر،..وهو الهتاف الذى صار الآن شعارا لإغاثة الملهوف ونجدة المضطر فى كل أرجاء الوطن.

‎المشهد الثانى الذى لفت نظر الجنرال العجوز هو جندى الشرطة العسكرية الواقف لتنظيم حركة الداخلين والخارجين من المعدية .. تذكر الجنرال ذلك الجندى الذى كان يقف على رأس المعبر فى الثانية من ظهر السادس من أكتوبر 1973 .. وظل طوال 72 ساعة أى ثلاثة أيام بلياليها فى نفس المنطقة وبنفس الهيئة ونفس الشدة العسكرية، ظل ذلك الجندى يؤدى عمله بنفس الجدية والحسم والانتباه وظل يؤدى نفس الإشارات رغم زئير الطائرات فوق رأسه وصفير دانات المدافع حين تمر بجانب أذنيه .. ودوى الانفجارات بالقرب منه وتحت رجليه، وسط الدخان والغبار والتراب الذى تثيره الدبابات فى طريقها لعبور الجسر المطاطى واقتحام الساتر الترابي.

‎فالمؤكد أنه وسط استمرار القصف القادم من الجهة الغربية للقناة ـ بشهادة الروائى فؤاد حجازى فى ملحمة النصر ـ كان يسقط عشرات الجنود ويحل محلهم عشرات آخرون فى دقة بالغة ونظام دون أن يشعر أحد ولا حتى زميله الواقف بجواره بأن أسلوبا فى أداء الخدمة قد تغير بوفاة جندى ..

‎قلت للجنرال العجوز : هل تعرف أنه فى نفس اللحظة التى تمخر بنا المعديه فوق صفحة مياه القناة ، هناك حفار تحتنا الآن يشغله شباب مصريون بهمة ونشاط تحت قيادة ملك الأنفاق هانى عازر لانجاز حفر ثلاث أنفاق فى نفق واحد طوله 4 كيلو مترات على الأقل ضمن ستة أنفاق أخرى يعتبر العمل فى حفرها فى وقت متزامن معجزة حقيقية ؟!

‎قال الجنرال فى شبه استنكار:لماذا يجب أن ننظر لكل إنجاز على أنه معجزة؟ فالمعجزة معناها أن نتائج ما قد تحققت بشكل مفاجئ دون تخطيط أو مقدمات ، لماذا لايكون هذا نتاج إدارة عمل محسوب وحقيقى ومنظم وقاد حتما إلى انجاز؟

‎قلت: وماحدث منذ سنة حين أنجز المصريون معجزة حفر قناة السويس الجديدة فى 12 شهرا بجهد وأموال وعرق مصرى خالص، ألا يعد معجزة ؟.

‎قال: هذه هى الروح المصرية التى لايعرف اسرارها إلا القلة من الحكماء أرجوك لا تحرم المصريين من نعمة الثقة بقدرتهم على التخطيط والكتمان. التى تم استدعاؤها فى ثورة 30 يونيو من قبل، وإنجزت مشروع القناة الجديدة ..وهى نفس الروح التى تجلت فى حفر القناة الأولى منذ نحو مائة وخمسين سنة، مع الفارق فى نوع الإدارة وجنسيتها.

‎من يصدق أن جيش الشعب الذى صد التتار والصليبيين والهكسوس وقابل الحيثيين خارج الحدود.. وكان صاحب فلسفة لم تفلح حضارات الإغريق واليونان والرومان فى تغيير حرف واحد منها، وواجه الاحتلال التركى العثماني، وقهر الآلة العسكرية الجهنمية الفرنسية الحديثة عام ١٧٩٨بقيادة نابليون، وكان عماد الجيش الذى قاده القائدابراهيم باشا فى إفريقيا وبلاد الشام وحتى القسطنطينية.. هو نفسه الشعب الذى رضخ للذل والسخرة والسياط فى حفر قناة السويس التى كانت هديته للعالم ؟!

‎هذه هى الروح المصرية التى ألفت قلوب المصريين فهبت بالدعاء لنصرة جيش عرابي، وشاهدنا هذه الروح بصورة أوسع فى ثورة ١٩١٩، ثم كانت حصنا وحضنا للضباط الشباب قادة ثورة 1952، ثم تجلت بكل عبقريتها فى الكتمان حت أنجزت نصر أكتوبر العظيم عام ١٩٧٣، الذى تلاحم فيه إرادة شعب بكل طاقاته وطوائفه مع إصرار قواته المسلحة لعبور الهزيمة وكسر حالة اليأس والإحباط، فكان لها ما أرادت، ثم تجلت أيضا فى ثورة 25 يناير، فأوقفت مخطط التوريث وأجبرت الرئيس على «تخليه عن منصب رئيس الجمهورية»، وفى ثورة 30 يونيو كانت الروح المصرية التى قرأ شفرتها قائد جيشها الوطنى من خروج حوالى 30 مليونا إلى الشوارع والميادين، ولم تنصرف هذه الملايين إلا بعد انجاز قناة السويس الجديدة، تمويلا وإدارة وحفرا!

‎قلت: لكن واعجباااه بدلا من مواصلة روح الحماس والتلاحم رأينا كل مؤسسات الدولة تقريبا تكاد تنفجر من الداخل .. المستشفيات المجانية تحولت إلى مؤسسات انتقامية من المرضي، ومؤسسة التعليم خلت من التربية، وصارت وسيلة لتلقين الغش والتهرب والاستغلال، وجرت محاولات مستميتة لتسميم الأجواء بين مؤسسات الشرطة والصحة وبين القضاة والمحامين، حتى مؤسسات الإعلام تم استدراجها إلى الدرك الأسفل من الحوار، وشهدنا تسميم العلاقة بين مؤسسة الأزهر ووزارة الأوقاف، حول خطبة الجمعة فاختنقت محاولات ترميم الخطاب الدينى، ويتم الآن الوقيعة بين المصريين باسترجاع أسلوب حرق الكنائس، حتى لايبقى حرق الكنائس على المدى الأوسع مرتبطا بالإخوان، كما أن الجمود الذى أصاب مؤسسات السياحة لا ينفصل عن الحصار والتجميد الذى تعرضت له بعد حادث سقوط الطائرة الروسية، ثم كان الحريق الذى تعرضت له قيمة الجنيه، فهل هذا التفخيخ للمؤسسات والتشكيك فى قدرات الدولة سببه حرص شبكة المصالح الدولية والمحلية على عدم إسقاط النظام القديم، والإبقاء على الوضع الأسوأ للحالة المصرية ؟.

‎جاءتنى إجابة الجنرال ونحن ندخل إلى المعدية الثانية لنعبر القناة الجديدة وسط أعلام الفرح والبهجة والاستعداد للاحتفال بالعيد الأول ، ونقترب من الوصول إلى الشاطئ الرابع:

‎أى مؤسسة تستطيع آن تتخلص من فيروس الانقسام وتكتب لنفسها طول العمرإذا تمسكت بالروح المصرية الحقة وتحلت بروح المسئولية فى أداء دورها، وللأسف الشديد لم يستوعب أحد معنى أن تحتفل مؤسسة مصرية كالأهرام بدخول عامهاالـ ١٤١ ، لقد استوعب الأهرام منذ طلب تأسيسه المسيحى سليم تقلا عام ١٨٧٥طبيعة الروح المصرية، فتلقفه المصريون، وهيأت له الروح المصرية مع كل موجة تحديث من يطورون له أمور المهنة ويحدثون أساليب الأداء بآخر تقنيات الصنعة الصحفية، فكان من بين أبنائه البناءون أمثال داود بركات أو جبرائيل تقلا أو محمد حسنين هيكل ومن مدرسته خرج إبراهيم نافع، وهم الذين أضافوا للمهنة واستحقوا عن جدارة أن يقودوا عجلة الصحافة المصرية والعربية كلها إلى الأمام، وفق التزام غير مكتوب، فتولدت لدى الأهرام خبرة السنين فى تجاوز العقبات، وقدم الدرس والقدوة لأى مؤسسة مصرية ـ صحفية أو غير صحفية ـ ملخصه: أن استيعاب كل الأطياف والثقافات والحضارات والتعبير عن الأمانى والروح الوطنية هو معيار النجاح ، وقد ظلت هذه الوصفة هى أكسير العمر الطويل للأهرام دون صدام مع «السلطة» التى تعاقبت على البلاد فى عصور الحكم المختلفة، من الخديوية إلى السلطانية إلى الملكية إلى الجمهورية أثبت الأهرام أنه أكبر من كل الثورات والتقلبات، ومن حسن تدابير الروح المصرية أن تتعانق فى سماء المحروسة فى الخامس من اغسطس الجارى احتفال مصر بمرور سنة على افتتاح قناة السويس الجديدة ، مع عيد دخول الأهرام عامه الحادى والأربعين بعد المائة الأولى، وهو الكيان الذى يناهز عمره عمر قناة السويس القديمة التى افتتحت عام 1869، الذى أصابها طوال عمرها ما أصاب الأهرام من استغلال ومحاولات تعطيل وإرباك، فكانت تتداعى لها الأهرام وكل مؤسسات الدولة بالحمى والسهر، مرة عام 1908 بإجهاض مخطط مد امتياز الشركة الدولية لقناة السويس أربعين سنة أخرى بعد عام 1968، ومرة أخرى بالابتهاج قرار عبد الناصر بتأميم الشركة عام 1956 وعودة القناة إلى أصحابها الحقيقيين، ولم يدخر الرئيس السيسى وسعا فى متابعة مشروعات تنمية المجرى الملاحى وإقليم قناة السويس باعتبار نجاحه رهانا على قدرة الإرادة المصرية المستقلة، ومن يتأمل القفزات التى أحدثها بناة الأهرام فى عمره المديد يكتشف أن هذا الكيان الوطنى التنويرى بدأ يحظى باهتمام ومتابعة وزيارات إلى دارها من رئيس الدولة مباشرة فى ظل حكم الجمهوريات الوطنية ابتداء من حكومة محمد نجيب وبعده الرئيس عبد الناصر ثم الرئيس السادات مرورا بمبارك الذى زارها أربع مرات، مما يشير إلى تعاظم فهم دور الصحيفة العريقة كرمز لوحدة الدولة ومدنيتها وقوة من قوى التأثير والتنوير وأداة من أدوات أمنها القومى.

‎ـ فهل نتوقع متابعة ميدانية فى شكل زيارة تهنئة من الرئيس السيسى إلى دار الأهرام ، وهى الطاقة المحركة لقوة مصر الناعمة؟.

‎هبطنا على الشاطئ «الرابع» للقناة، بعد ساعة من الحديث، بعد ان احصيت عبور ١٢ ناقلة عملاقة عبرت فى الاتجاهين من الشمال الى الجنوب ومن الجنوب الى الشمال، مما هون علينا الشعور بمرارة إجراءات التفتيش والانتظار ، لكننا شعرنا بمسيس الحاجة لسرعة إنجاز الأنفاق التى تضع حدا لمعناة العبوراليومى من الشرق إلى الغرب الذى يقاسيه الأهالى وشركات التعمير، حين ودعنى الجنرال شاكرا الظروف السعيدة التى اهاجت عليه الذكريات والافكار وهو فى طريقه الى الاسماعيلية الجديدة فودعته شكرا ومتمنيا:

‎نلتقى عبر النفق قريبا بإذن الله.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق