رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

خطبة دينية أم منهج سياسى ؟

ردود الأفعال الكثيفة التى جلبها قرار وزير الأوقاف بتوحيد الخطبة الدينية يوم الجمعة، مثيرة ومتعددة ومتنوعة، وتحمل فى طياتها ما هو أبعد من الضبط والربط ومنع الانفلات وتنوير الناس وتجديد الخطاب، إلى تحقيق أهداف سياسية، خاصة بمن وقفوا خلف هذا الاتجاه.

ربما يكون هناك كثيرون توقفوا عند جملة من المرامى المتعلقة بتحجيم نفوذ المتشددين، أو فرض القبضة القوية لأذرع وزارة الأوقاف وتقليص نفوذ الأزهر، أو حتى إشاعة المزيد من أجواء الاعتدال، لكن مهما تكن طبيعة الأهداف الظاهرة، فإنها حملت مضامين أبعد من ذلك، جعلت توجه الأوقاف يبدو كأنه منهج تتبناه الحكومة حاليا، ويميل نحو وقف التشتت، وإعلاء قيمة توحيد أو تجميع المتشابهات فى بوتقة واحدة، فى كل من له علاقة بالسيطرة على الرأى العام.

قبل أن تستعجل وتتهمنى بالشطط، نناقش معا بعض الملامح التى تعزز هذا الاستنتاج، من بينها أن الاعتراض الذى أبداه الأزهر ومؤيدوه حول توحيد خطبة الجمعة، لم يحرك ساكنا لدى الحكومة، ولم تستمع جيدا إلى الأضرار الناجمة عن هذه الخطوة، وسدت أذنيها على طريقة المثل الشعبى “ودن من طين وأخرى من عجين”، وهو ما منح قرار الأوقاف مناعة، بدت لكثيرين أن الوزارة لم تكن تجرؤ على اتخاذ هذا القرار ما لم تملك غطاء سياسيا قويا.

فى حالات كثيرة أقل حدة، وأدنى صخبا، اضطرت الحكومة للتراجع ولم تعدم اختيار الحجج لتبرير تراجعها، لكن لأن قرار الأوقاف تمت دراسته بروية، وينطوى على أبعاد عميقة، تتجاوز الحدود التكتيكية التى توقف عندها البعض، كان هناك إصرار على تنفيذه، وتصميم على عدم الإنصات للانتقادات اللاذعة والموضوعية، والمضى قدما فى طريق إحكام السيطرة على التوجهات العامة للجماهير.

التقدير الذى ذهب إلى أن توحيد الخطبة يعبر عن طبيعة الخط السياسى للحكومة أكثر من الرغبة فى النقاء الديني، له جذور واضحة فى مجال الإعلام، فالجهود التى تبذل لدمج بعض الكيانات والمؤسسات، وزيادة الاحتكارات الفردية، تؤكد هذا الاتجاه، كما أن المظلة التى يمثلها المجلس الوطنى للإعلام والذى يشرف (بعد صدور القانون المنظم له) على الوسائل والعاملين فى هذا الفضاء، تشير إلى أن توحيد المنابر والقنوات والمصادر والإشراف والسيطرة، عملية سوف تصبح منهجا أصيلا فى الدولة المصرية.

إذا أضفنا المعلومات التى تتردد على نطاق واسع حول وقوف جهات رسمية خلف بعض الصفقات الإعلامية، وإنتاج بعض البرامج الفضائية، ناهيك عن التجهيز والإعداد لإطلاق شبكة تليفزيونية قريبا، فإن الشكل العام يوحى بأننا نسير فى طريق محاصرة المصلين والمشاهدين، على أمل تجنيبهم التعرض لمصادر أخرى مناهضة، بمعنى العودة بالإعلام إلى وظيفته التقليدية، ليكون بثا من أعلى إلى أسفل دون تغذية مرتدة للجمهور، من أسفل إلى أعلي، وعندما يكون الخطيب أو مقدم/ مقدمة البرنامج حارسا للبوابة باقتدار سوف تتضاعف المشكلة.

قد يحقق شيوع الاستعانة بحراس البوابات (خطباء وإعلاميين) جانبا من الأغراض السياسية التى حددها من وقفوا خلفهم، وقد ينجحون فى توصيل الرسائل المطلوبة لقطاع كبير من الجمهور، لكن عليهم أن يدركوا المخاطر الكثيرة التى يجلبها غلق باب الاجتهاد، بالنسبة لتوحيد الخطبة، ومنع التغذية المرتدة من جانب الجمهور، بذرائع متباينة، ربما تصل إلى حد التمسح بالدفاع عن الدولة الوطنية، والترويج لقيامهم بمحاربة من يريدون هدمها، وتحت هذه النوعية من المزاعم والافتراءات يمكن ارتكاب مجموعة كبيرة من الجرائم والانتهاكات التى يحاسب عليها القانون.

هذه الحالة القاتمة، سوف تكون لها ارتدادات سلبية على أصحاب منهج سد المنافذ المقابلة، والتحكم فى عقول الجماهير، ومن المتوقع أن تجبر البعض على رفض الاستماع للخطبة المكتوبة، خاصة إذا جرى نشر مضمونها قبل يوم الجمعة، أو تحدى بعض الخطباء قرار وزارة الأوقاف وتم اختيار موضوعات وقضايا مختلفة عما حددته، لمحاولة إظهار ضعف سيطرتها، وبالتالى هز هيبة الحكومة.

كما أن تطويق الإعلام وحجب الأصوات التى لا تتفق مع توجهات الحكومة، سوف يدفع إلى زيادة نسبة اللجوء إلى وسائل بديلة، مثل مواقع التواصل الاجتماعى المتعددة، والتى أصبحت تلعب دورا مهما فى إثارة البلبلة وسط فئات المجتمع، وإيجاد أجواء تسمح بتقبل الشائعات التى تتهم الحكومة بالعجز وعدم القدرة على تحقيق طموحات البسطاء، وفى ظل القيود المفروضة للتحكم فى المفاتيح الرئيسية للمواقع الاليكترونية، يمكن أن يحجم الجمهور عن مشاهدة القنوات التى تدور فى فلك تمجيد وتضخيم إنجازات الحكومة العادية.

لذلك سوف يقود تعميم المنهج الواحد، سواء فى خطبة الجمعة أو الإعلام، وغير مستبعد أن يمتد إلى مجالات أخري، فى السياسة والاقتصاد مثلا، إلى زيادة مساحة الانتقادات التى توجه للحكومة، وتكريس الانطباع بأنها تفتقر القدرة للاستماع إلى الأصوات المعارضة، ولن تتخلى عن صفة إلقاء الأوامر التى اعتادت عليها دون مناقشة، وهو ما يسهم فى ترسيخ الانطباعات التى تتردد بشأن عدم استبعاد تضييق هامش الحريات، بما يؤدى فى النهاية إلى سلسلة من الأزمات الداخلية والخارجية، لأن توصيل الرسائل من أعلى إلى أسفل فقط لن يقيم مجتمعا سويا.

لمزيد من مقالات محمد ابو الفضل

رابط دائم: