رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

نكهة الشاى الأخضر بالنعناع

صديقتى منذ الطفولة كاتبة وشاعره (اسمها صديقة) لم تحصل على شيء من زينات الدنيا، لا المال ولا البنون والبنات

والأحفاد، ولا مديح الأدباء والشعراء والنقاد، نالها منهم الكثير من الأذى والإيذاء، وهى كما هي، وكما كانت فى طفولتنا، تبتسم لكل صبح جديد، تشرق عيناها بالسعادة دون سبب، لمجرد أن قلبها يخفق، لاتبالى بالمدح والثناء أو القذف والهجاء، لاتفزعها أخبار القتل والنهب والتجارة بالدين والجنس والمخدرات والأسلحة وادوات الزينة والتجسس، يغرق العالم فى الفساد والدماء، ويفقد الجميع الأمل وتظل هى متفائلة.

يفور الدم فى عروقى وأصرخ غضبا: وهذه الأزمة الاقتصادية ألا تفزعك؟، فراعاها ترفعهما فى الفضاء كأنما جناحان تطير بهما وصوتها ينشد: أنا لا آكل الكافيار والكريز والفستق واللوز، لا أصبغ شعري، وأظافرى، وشفتاى لا أدهنهما بالأحمر الوردي، ولا أملك سيارة، ولاتليفون محمول ولا تليفزيونا، لا أشترى الصحف، وتغمرنى السعادة وأنا أشرب كوب الشاى بالنعناع، مع قطعة من جبنة بيضاء، أو نصف ملعقة عسل نحل، أو شرائح من الخيار والفلفل الأخضر، أو نصف بيضة مسلوقة بالفلفل الأسود، بضع حبات بلح أحمر أو فول سودانى أو جوافة أو برتقالة، لن ينقصنى شيء لو توقف الاستيراد، وهل الأزمة فى الاستيراد فقط؟ الاستيراد وعدم الانتاج يتغذى بالقروض والمعونات اللانهائية، تصورى نفسك يا نوال تستلفين من الآخرين كل يوم لشراء ما لاتحتاجين إليه، وتدفعين فائدة للسلفة تزيد على قيمتها، ألا يكون مصيرك الإفلاس، أن تبيعى بيتك لسداد ديونك؟

إنها دوامة جهنمية ولايسيطر على السوق إلا القوى العظمى فى منظماتهم الدولية، يضعون القيود ليزيد الاثرياء ثراء ويغرق الفقراء، غرقت بعض الدول، أتذكرين اليونان؟ لسداد ديونها تبيع أصول أملاكها، خمسين مليار يورو؟ هذا مصير من يأكل ما لاينتج، يعيش بالقروض، ويخضع لشروط هذه القروض، الخصخصة، عدم الانتاج، إغلاق المصانع، تجريف الأرض، الاستهلاك الشره للكماليات، تركيز الأموال فى يد الاثرياء، زيادة الأعباء فوق ظهور الفقراء، وماذا يشترط صندوق النقد اليوم تحت اسم إصلاح الاقتصاد أن تستغنى مصر عن 2 مليون من العاملين بالحكومة؟ كانوا يتهمون النازية بالوحشية، لكن هتلر لم يقتل إلا المرضى والعاجزين عن العمل، لكنهم اليوم يقتلون ملايين العاملين والأصحاء، ياصديقة، اتركى الاقتصاد للمتخصصين، واكتبى عن المرأة والجنس. هل ينفصل الجنس عن الاقتصاد؟ لاتنفصل التجارة بالنساء والمخدرات عن التجارة بالأسلحة؟ القانون يمنع تجارة الرقيق، لكن الرقيق كان يرتبط بلون البشرة وليس بنوع الجنس، أصبحت التجارة بالنساء رائجة عالميا ومحليا، لايعاقب الأب إن باع ابنته فى سوق الزواج أو السوق الحرة لافرق، وإن ضبط الزوج مع امرأة لايعاقب، فقط المرأة تعاقب إن كانت زوجة لرجل آخر، يطبقون عليها جريمة الخيانة الزوجية، تضطر المرأة الفقيرة لبيع جسدها للرجال لتطعم أطفالها، ويطبق قانون الزنا والبغاء على المرأة ويخرج الرجل بريئاً، ازدواجية القوانين هى منبع الفساد فى الاقتصاد والجنس، كيف يكون ذلك؟ القانون المزدوج يقوم على الغش والبطش فى الاقتصاد أو الجنس أو السياسة أو الأخلاق أو الفلسفة والدين والتعليم، نحن نفعل فى الخفاء ماننكره فى العلن، هل سرقة المال تتساوى مع اغتصاب المرأة؟

أبشع الجرائم هى الاغتصاب الجنسي، لكن الحرب ونهب موارد الشعوب لايقل بشاعة، وكلها يحكمها قانون القوة والقنص، الذى يهدف للربح بأى وسيلة، بالتلاعب والكذب والقتل، ليس الغش فى مجال التعليم إلا جزءا من الغش فى الاقتصاد والحرب والتجارة بالبشر، ليس الكذب فى الحياة الخاصة إلا جزءا من كذب فى الحياة العامة، لاتختلف أمراض السوق والتجارة عن أمراض الحب والزواج، أعرف ياصديقة أمراض الحب والزواج، فما هى أمراض السوق الحرة؟ تضخم الديون والقروض تضرب الاقتصاد أغلبها كماليات، لو اعتمدت الدولة على إنتاج الشعب، لكنها تخافه وتخوفه، وتعمل لحساب الـ 2% من الاثرياء والمستوردين، ولماذا أنت متفائلة إذن ياصديقة؟

لأن الشعب بعد الثورة أصبح على وعى أكثر، ولأن الشمس اليوم ليس حارقة كالأمس، ونسمة هواء لها نكهة الشاى الأخضر بالنعناع.

لمزيد من مقالات د.نوال السعداوى

رابط دائم: