رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

هذة اللامبالاة.. كيف نفسرها؟

هذه اللامبالاة التى نتعامل بها مع ما يواجهنا من مشكلات وتحديات، كيف نفسرها؟ وأنا أطرح السؤال مستغربا هذا

السلوك الذى يتناقض كل التناقض مع تعاليم الإسلام، الذى نبالغ فى الحرص على مظاهره الخارجية، ولا نلتفت كثيرا لحقائقه الجوهرية.

الإسلام عند الكثيرين ممن يزعمون أنهم سدنته، أزياء وأشكال وعبارات مكررة أكثر من كونه ضميرا يقظا ومثلا أعلى وقانونا أسمي، وقد ذكرتكم فى نهاية مقالتى السابقة بالآية الكريمة التى نعرف منها «أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد فى الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا»، أين نحن من هذه الآية الكريمة؟ أقصد أين نحن من هذا الشعور العظيم بالمسئولية، ليس عن أنفسنا أو عن ذوينا فحسب، بل عن البشرية كلها؟

نحن لا نكاد نبالى بما تتعرض له وحدتنا الوطنية من أخطار ماحقة، لا تتمثل فى صورة واحدة، بل تتعدد صورها وتتسارع وتيرتها، فتيات يتعرضن للخطف، ورجال للقتل، وبيوت للهدم، وأسر بكاملها للطرد والتهجير، ليس فى قرية واحدة أو مدينة دون غيرها، بل فى قرى ومدن ومحافظات مختلفة، وإذن فهى ليست حوادث فردية كما يقول بعضهم، بل هى جرائم مسلطة علينا نحن المصريين جميعا تهدد وجودنا الوطنى المادى والمعنوي، وتهدد الوجود البشرى كله لأنها تتناقض مع كل القيم والمبادئ والحقوق والمصالح التى قام عليها هذا الوجود، فإذا نظرنا الى ردود أفعالنا وإلى الطرق التى نعالج بها ما يحدث فلن نجد فيها ما يدل على الشعور بالمسئولية، أو يوحى بالثقة أو يبعث على الاطمئنان. وكيف نطمئن ونحن نرى أن الحل الوحيد الذى أصبح متاحا أمام الدولة وأمام مؤسساتها السياسية والأمنية، والدينية هو الحل العرفي؟ ما هو هذا الحل العرفي؟ إنه ببساطة الاحتكام للعادات والتقاليد الموروثة السابقة على وجود الدولة الوطنية، أى السابقة على وجود الدستور الذى يجعل المواطنة أساسا وحيدا لقيام الدولة، ويسوى بين المواطنين على اختلاف أصولهم وعقائدهم.

وقبل أن تقوم الدولة الوطنية، كانت السلطة استبدادا خالصا يمارسه العسكر ورجال الدين وشيوخ القري، وكانت القوانين المعمول بها وهى التقاليد والأعراف التى تحتكم لها المجالس العرفية، منحازة بطبيعتها لهذه القوى التى تسيطر على الدولة وتخضع كل ما فيها لمصالحها الخاصة وقوانينها المتخلفة، ومعنى هذا أن المجالس العرفية التى نلجأ إليها كلما تعرض المسيحيون المصريون للاضطهاد والأذى أصبحت خصما وحكما، لأن الأعراف التى تحتكم لها هذه المجالس هى الأعراف نفسها التى تميز بين المواطنين وتحرض المسلمين الخاضعين لها على المسيحيين الذين تعتبرهم هذه الأعراف أنصاف بشر وأنصاف مواطنين، وهو وضع همجى ظالم يرفضه أى إنسان متحضر أيا كان دينه، ويرفضه الدستور، ويرفضه العالم كله، ومن هنا لم يعد الحل العرفى حلا للفتنة الطائفية، بل هو يزيدها اشتعالا، فضلا عن أنه اعتراف صريح بأن الدولة الوطنية لم تعد دولة وطنية، وبأن قوانينها التى تجسد مبدأ المواطنة فقدت ما يجب أن يكون لها من هيبة واحترام، وتخلت عن مكانها لتقاليد عصور الانحطاط بعد أن خلعت عليها الدولة ومؤسساتها أسماء تبتز بها عواطفنا وتفرض علينا الرضا والسكوت، مثل «بيت العيلة» الذى اختصر وجود الجماعة الوطنية فى مؤسساتها الدينية.

ونحن نعرف أن المؤسسات الدينية فى مصر مؤسسات قوية لها حضورها الذى تستخدمه فى تديين الحياة الوطنية بكل مجالاتها وفرض سلطتها عليها. ونجد هذا الحضور شاهدا على دورها السلبى الذى يؤدى لزعزعة أركان الوحدة الوطنية.

ونحن نعرف أن الدين هو المصدر الأول حتى الآن لثقافة المصريين، وأن المصريين جميعا رجالا ونساء، كبارا وصغارا، متعلمين وأميين، ومسلمين ومسيحيين، يتلقون ثقافتهم الأساسية على أيدى رجال الدين. ونحن نقرأ الكتب المقررة على طلاب الأزهر، ونسمع الفتاوى التى يطلقها السلفيون وأمثالهم فنجدها لا تخجل حتى الآن مما تزخر به من تمييز فاضح بين المسلمين وغير المسلمين، ليس فقط فى تولى الوظائف وبناء دور العبادة، بل حتى فى الملابس التى يرتديها هؤلاء وهؤلاء وفى الألوان التى يجب عليهم أن يلتزموا بها، وهذه هى الوحدة الوطنية التى لا نتذكرها إلا عندما يقع حادث يهددها والتى نعتبرها مسئولية رجال الأمن ورجال الدين وحدهم، ونكتفى نحن بأن نقرأ أخبارها كأننا نقرأ حالة الطقس أو نواجه تقلبات المناخ!

نحن باختصار نواجه هذا الخطر المدمر دون مبالاة كأنه لا يعنينا، مع أننا نحن المقصودون به والمعرضون له قبل غيرنا، فضلا عن أننا وحدنا القادرون على أن نقاومه ونتطهر من أدرانه دون أن نبذل جهودا أو نقدم تضحيات، الشيء الوحيد المطلوب للخلاص من خطر التمزق والانقسام هو أن نرى أنفسنا كما نحن فى الواقع، وأن نشعر نحو أنفسنا بالمسئولية، والواقع هو أننا جماعة وطنية واحدة تغيرت عقائدنا الدينية مرات فخرجنا من عقيدة آمون الى المسيحية، ثم خرج الكثيرون من المسيحية الى الإسلام، غيرنا عقيدتنا لكننا لم نغير أرضنا ولم نغير سماءنا، غيرنا أسماءنا لكننا لم نغير وجوهنا، وظللنا كما عهدنا أنفسنا مصريين لا نختلف إلا فى شيء واحد ولوقت محدود هو أن بعضنا يتعبد فى مكان له مئذنة، وبعضنا يتعبد فى مكان له ناقوس، وهو ليس اختلافا إلا فى المقام الذى يبدأ منه كل منهما فإذا تصادف أن التقيا فهما لحن واحد لأنهما دعوة واحدة الى حيث نتوجه بأبصارنا وأفئدتنا الى رب المئذنة ورب الناقوس، فنجده مهما تختلف وجهتنا، ولابد أن تختلف لأننا بشر لكل منا مكانه وتاريخه وثقافته، كما تقول الآية الكريمة «ولكل وجهة هو موليها»، لكننا من حيث اتجهنا إليه نجده لأنه فى كل مكان، وأنا أصف الآن ما كنت أراه وأسمعه وأنا صبى قبل ستين عاما، فالأذان نداءات وترجيعات تترقرق عذبة نقية، والناقوس يسأل ويجيب، والفضاء يتسع لهذا العناق الحميم كما تتسع الأرض للجميع. ما الذى حدث لنخرج من هذه النشوة الروحية الغامرة وهذه الوحدة الحية العميقة التى كنا بها مواطنين مصريين قبل أن نكون مسلمين ومسيحيين؟ ما الذى حدث لنفقد شعورنا بالمسئولية ونقف لا مبالين بالأخطار التى تهدد وجودنا؟

الجواب سهل وهو أننا فقدنا شعورنا بالمسئولية حين فقدنا حقنا فى الحرية، لأن الحرية هى الشرط الجوهرى اللازم للشعور بالمسئولية.

لمزيد من مقالات أحمد عبدالمعطى حجازى

رابط دائم: