رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

مصـــر وصــندوق النقـــد

دخلت المفاوضات مع صندوق النقد الدولى مرحلتها قبل الأخيرة فى إطار سعى الحكومة المصرية للتوصل الى اتفاق يهدف

إلى الحصول على تسهيل ائتمانى بمبلغ يصل الى 12 مليار دولار على ثلاث سنوات، وجدير بالذكر ان هذه ليست المرة الاولى لهذه المفاوضات، إذ انه منذ يناير 2011 حتى الآن جرى التفاوض على هذا الاتفاق وكانت الحكومة المصرية قد نجحت فى الحصول على اتفاق مبدئى عام 2011 بمبلغ 3.2 مليار دولار، ورغم اعلان الطرفين الاتفاق النهائى على جميع التفاصيل فإن الاتفاق لم يكلل بالنجاح رغم المناقشات والحوارات التى أجرتها بعثة الصندوق مع الأحزاب والقوى السياسية بأطيافها المختلفة، والتى أبدت تفهما لضرورة معالجة التحديات قصيرة الاجل التى تواجه الاقتصاد، وبالمثل توصلت الحكومة فى نوفمبر 2012 إبان فترة د. هشام قنديل الى اتفاق مبدئى مع الصندوق حول تسهيل ائتمانى بمبلغ 4.8 مليار دولار والذى مثلت فيه اصلاح السياسات المالية حجر الزاوية بغية خفض الهدر فى الإنفاق العام وإصلاح النظام الضريبى عن طريق رفع تصاعدية ضريبة الدخل وتوسيع المجتمع الضريبى وتعزيز الإنفاق الاجتماعى والاستثمار فى البنية الأساسية وخفض التضخم مع تعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد المصري، ورغم موافقة البرلمان ومعظم الأحزاب السياسية آنذاك فإنه باء بالفشل أيضا. وهنا يصبح التساؤل هو لماذا تصر الحكومات المختلفة على التوصل لاتفاق مع الصندوق؟ وماهى الآثار المترتبة على ذلك؟ وقبل الإجابة عن هذه التساؤلات وغيرها، لابد من الإشارة إلى أن الحكومات المصرية قد نفذت بنجاح خلال التسعينيات من القرن الماضى ثلاثة برامج للتثبيت الاقتصادى، فى إطار عدة تسهيلات معتمدة من الصندوق. أولها تسهيل المساندة Stand by arrangement والذى استغرق تنفيذه الفترة (1991-1993)، وثانيها التسهيل الائتمانى الموسع Extended Fund Facility arrangement E.F.F خلال الفترة من (1993-1996) وثالثهما تسهيل المساندة الذى بدأ العمل به فى أكتوبر 1996، وانتهى فى سبتمبر 1998. وبهذا البرنامج تكون مصر قد نجحت، فيما سبق أن فشلت فيه من قبل خاصة عامى 1977/1987. وتشير المؤشرات إلى أنها حققت نجاحات لا بأس بها، فبعد ان عانى الاقتصاد المصرى، أزمة مالية حادة، خلال الفترة السابقة على تطبيق البرنامج، حيث ظل العجز الكلى فى الموازنة العامة للدولة مستقرا عند مستوى بلغ 23% من الناتج المحلى كمتوسط خلال الثمانينيات، واقترن ذلك بارتفاع نسبتى التمويل الخارجى والمصرفى للعجز الكلى، الأمر الذى أسهم فى ارتفاع معدل التضخم. قامت الحكومة بعمليات إصلاح مالية جذرية من خلال ضبط الإنفاق العام وترشيده من ناحية، وتحقيق الاستخدام الأمثل للموارد العامة وتنميتها من ناحية أخرى. وتشير الإحصاءات إلى نجاح هذه السياسة فى التحول من ظاهرة العجز فى الموازنة الجارية، التى استمرت لسنوات طويلة، إلى فائض جار، بل أمكن خفض العجز الكلى فى الموازنة والوصول به إلى مستويات دنيا. وذلك بسبب السياسة الانكماشية للبرنامج، على الأخص فى مرحلته الأولى، والذى ركز على خفض الإنفاق العام بصورة كبيرة. فانخفض العجز فى الموازنة إلى اقل من 1% عام 97/1998، وكذلك انخفض معدل التضخم لحدود اقل من 5%، وتراكمت احتياطيات من النقد الأجنبى وصلت إلى 20 مليار دولار فى نهاية يونيو 1998.ورغم هذه النجاحات فإن الاقتصاد المصرى لم يستمر طويلا فى هذا المسار الذى لم يكن يمثل سوى خطوة نحو تحقيق أهداف التوازن الاقتصادى. من هنا فان الدرس الأول المستخلص من الخبرة الماضية يكمن فى ضرورة استمرار السياسات الإصلاحية واستكمالها فى جميع مناحى الحياة، وهنا يمكن الاستفادة من التطورات الجديدة الحادثة فى البنية الفكرية للصندوق، التى أصبحت تؤمن تماما بأن سياسة التقشف التى كان يدعو إليها عن طريق تخفيض النفقات العامة، خاصة على بعض الجوانب الاجتماعية كالأجور والدعم قد أدت فى النهاية الى المزيد من عدم المساواة وسوء توزيع الدخول، بل وأقر بأن هناك إفراطا شديدا فى تخفيض الموازنات مما أدى الى نتائج عكسية اضرت بأهداف النمو والعدالة الاجتماعية وحتى استمرارية السياسة المالية ذاتها. ولذلك يرى انه إذا كان من الضرورى والمهم ان تؤدى السياسة المالية إلى تعزيز النمو وتحقيق العدالة الاجتماعية على المدى المتوسط والبعيد إلا أن ذلك يتوقف على طبيعة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية السائدة لدى كل دولة. من هذا المنطلق بدأ فى إعادة النظر فى العديد من المسلمات التى كان مؤمنا بها تماما وخرجت معظم الدراسات بنتيجة أساسية مفادها أن عملية النمو معقدة للغاية ولا تخضع للصيغ والمعادلات البسيطة، وهناك العديد من الدروس المهمة يأتى على رأسها ضرورة ان يكون النمو متوازنا وقادرا على توليد وظائف وخدمات اجتماعية كافية تسمح للجميع بالعيش فى أمن وكرامة، وبالتالى يجب ان تعود بالنفع على جميع شرائح المجتمع. وهكذا فقد انتهى الجدل العقيم، حول حتمية تعارض هدفى النمو السريع واعتبارات العدالة، إذ يقدم الواقع الاقتصادى الحديث، العديد من الدلائل على إمكانية تحقيق هذين الهدفين فى آن واحد. من هذا المنطلق فقد كان من الضرورى الحصول على تسهيل ائتمانى من الصندوق ليس فقط للمساهمة فى سد الفجوة التمويلية بالبلاد، وهى مسألة مهمة وضرورية جدا نظرا لضعف المدخرات المحلية وازدياد عجز الموازنة العامة للدولة وارتفاع الدين العام، بالإضافة الى ما تحدثه من آثار على سعر الصرف وتراجع الاحتياطيات النقدية، ولكن وهو الأهم للحصول على ثقة المستثمرين والمؤسسات التمويلية الأخرى بغية ضخ المزيد من الاستثمارات فى دولاب الاقتصاد المصرى، مع العلم أن البرنامج لايرتبط بمشروطيات معينة ولكنه يتطلب الالتزام بالسياسات والإجراءات التى يتم الالتزام بها من جانب الحكومة وتنفيذها بالجدول الزمنى المتفق عليه، مع الأخذ بالحسبان ان الهدف الأول من هذا الاتفاق هو تعزيز الثقة فى السياسات الاقتصادية والاجتماعية، وبالتالى قد لا تضطر الحكومة لسحب كل هذه الأموال وهو ماتم بالفعل فى التجارب التى أشرنا اليها آنفا. وبالتالى يجب ان يكون البرنامج الإصلاحى شاملا ومستديما يحقق التغييرات الهيكلية المطلوبة، ويدفع معدلات التشغيل والتنمية ويسهم فى تحسين نوعية الحياة للسواد الأعظم من الشعب.

لمزيد من مقالات عبد الفتاح الجبالي

رابط دائم: