رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

خطاب جديد لا تجديد «3»
د. ياسر قنصوه: سيادة الفكر المتطرف تقودنا إلى «حرب الجميع ضد الجميع»

حوار ـــ محـمد حـربـى
تقوم الفكرة المحورية لهذا الملف على شهادات المفكرين والباحثين حيث طرحنا عددا من الأسئلة عن معنى الخطاب الدينى على عدد من الباحثين والمفكرين ومنها ماهية ملامحه، وماذا يحتاج العرب والمسلمون الآن: خطابا دينيا جديدا أم تطويرا للخطاب السائد؟

وهذه اسئلة الملف:
> ما المقصود بمصطلح الخطاب، وهل يمكن تطبيقه على النص الدينى المقدس أو ينسحب فقط على النصوص الشارحة و? وهل ثمة خطاب دينى واحد شامل جامع أم أنها خطابات دينية تنطلق من منطلقات التاريخ والتأويل، فلا يصح أن نتكلم عن خطاب دينى بل خطابات متعددة بتعدد الازمنة والرؤى ؟

> كيف تقرأ عملية الإصلاح الدينى وتجديد الفكر الإسلامى منذ محمد عبده فى مصر وخير الدين التونسى حتى الآن ، ولماذا لم تصبح تيارًا سائدًا فى الثقافة العربية؟

> هل نحن بحاجة إلى تجديد خطاب راسخ بالمعنى الإصلاحى أم أننا بحاجة إلى خطاب جديد أو خطابات جديدة تنطلق من الافكار وعلاقتها بالواقع لا من الماضي؟ وكيف يمكننا ذلك: هل بإعادة قراءة النص أم بجعله ساحة للحوار وماهى قوانين اعادة القراءة ؟

> ما هى الملامح الأساسية فى الخطاب الدينى السائد و التى تراها بحاجة إلى تجديد إن اتفقنا على تجديد الخطاب كحل مرحلي؟وما هى الملامح التى تفسد عملية تنجديد الخطاب اوانتاج خطاب جديد؟

*ما هى العناصر المفقودة أو الفريضة الغائبة فى الخطاب الدينى السائد فى مصر والتى ترى أن وجودها أمر جوهرى فى أى خطاب دينى معاصر؟

> هل يمكن للدين أن يكون أداة للتغيير الاجتماعى أم أنه بطبيعته التى تفرض إيقاعها يثبت الواقع؟ وهل ثمة تناقض فى دعوة الناس للتغيير بينما هو يسعى لتثبيت رؤاه؟

*هل تجديد الخطاب أمر نخبوى لا يصح للعامة الحديث فيه بمنطق إلجام العوام أم أنه حديث جماهير يقود إلى دمقرطة الخطاب الديني، أم أن ذلك خطر على الدين والتجديد معا ؟

> كيف ترى دور التصورات الشعبية للدين فى عملية أنسنة الفكر الدينى وتجديد الخطاب وهل اصبح محكوما على الاسلام بحتمية التحول الى الصوفية او الروحية كما يدعو البعض فى الغرب ؟

> ماذا لم يشهد التاريخ الإسلامى تيارًا كبيرًا يمكن تسميته بـ»لاهوت التحرير أو فقه التحرر» على غرار ما حدث فى أمريكا اللاتينية من مزج بين اللاهوت والماركسية على أيدى رجال الدين ؟

آليات الخطاب الدينى

تتعدد آليات الخطاب وتتنوع بتعدد وسائل طرح هذا الخطاب وأدواته، ومع ذلك فهناك جامع مشترك يمكن رصده وتحليله، خاصة إذا استبعدنا من مجال تحليلنا آليات الأداء الشفاهي، وقصرنا تحليلنا على الآليات الذهنية والعقلية التى توجد فى كل – أو معظم – وسائل هذا الخطاب وأدواته. وتوقفنا عند ما نعتبره أهم آليات هذا الخطاب، وهى تلك الآليات الكاشفة عن المستوى الأيديولوجى لهذا الخطاب، وهو المستوى الذى يجمع بين الاعتدال والتطرف من جهة، وبين الفقهاء والوعاظ من جهة أخرى. هذه الآليات يمكن لنا إجمالها فيما يلي:

١- التوحيد بين الفكر والدين وإلغاء المسافة بين الذات والموضوع

٢- تفسير الظواهر كلها بردها جميعا إلى مبدأ أو علة أولى، تستوى فى ذلك الظواهر الاجتماعية أو الطبيعية.

٣- الاعتماد على سلطة «السلف» أو «التراث»، وذلك بعد تحويل النصوص التراثية-وهى نصوص ثانوية – إلى نصوص أولية تتمتع بقدر هائل من القداسة لا تقل – فى كثير من الأحوال – عن النصوص الأصلية.

٤- اليقين الذهنى والحسم الفكرى «القطعي» ، ورفض أى خلاف فكرى – من ثم – إلا إذا كان فى الفروع والتفاصيل دون الأسس والأصول.

٥- إهدار البعد التاريخى وتجاهله، ويتجلى هذا فى البكاء على الماضى الجميل، يستوى فى ذلك العصر الذهبى للخلافة الرشيدة، وعصر الخلافة التركية العثمانية.

نصر حامد ابو زيد من كتاب نقد الخطاب الدينى

ليست الليبرالية حلا نرفعه إزاء من يرفع الإسلام حلا، ولا طريقة .. فالحلول مؤقتة والطرق من خطواتنا تصعد بجهدنا فى تعبيدها وغرس الأشجار حولها.

الطرق كذلك ليست حلا بل دروبا نسعى فيها لجعل المعنى ممكنا ومتاحا والعقل سيدا وقارئا لما مضى وما يكون وما يأتى فى تلك الدروب التى نقطعها كبشر نصيب ونخطىء.

الليبرالية ممكنة كما هو تجديد الخطاب الديني، ولذلك عندما نحاور ليبراليا نضع فى حسباننا أنه سينطلق من فكرة الحوار نفسه كوسيلة للتجديد. فإذا كان القطب أمين الخولى يرى أن أول الجديد هو قتل القديم فهما، فإن الدكتور ياسر قنصوة - أستاذ الفلسفة السياسية بآداب طنطا – يرى أن قتل القديم فهما لا يكفي، وإنما يلزم أيضا قتل الجديد وألا تتوقف آلة الفهم عن قتلها الفلسفى لكل المنظومات الفكرية بالقراءة المستمرة وبالحوار واعمال العقل فى مناخ من الإستنارة الفكرية والا صار الكلام عن تجديد الخطاب ثرثرة بلاغية .

يؤكد ياسر قنصوه فى شهادته على دور الجمهور والحوار المجتمعى فى تفكيك بنَى الخطابات الدينية، ربما لأنها خطابات تسعى لمغازلة الجمهور فى الوقت الذى تسعى للسيطرة عليه وجدانيا وعقلانيا وسلوكيا. لذلك يؤكد قنصوه أن أول الجديد قتل القديم والجديد معا بالحوار، وهذا نص شهادته فى ملف تجديد الخطاب الدينى من وجهة نظر ليبرالية.

فى معنى الخطاب

ما المقصود بمصطلح الخطاب، وهل يمكن تطبيقه على النص الدينى المقدس أو ينسحب فقط على النصوص الشارحة ؟

الخطاب إما خطاب مدون فى كتب، مقالات، وما شابه ... أو شفاهى عبر وسائل الاتصال المتعددة من خلال حديث ومستمع أو مشاهد وبإيجاز الخطاب هو كل قول أو حديث، لكنه صار مقترنا فى أذهان العامة بالخطاب السياسى الذى يلقيه رئيس أو زعيم أو رجل سياسى لمخاطبة جمهور أو شعب. ولعل هذا المعنى المغلوط يؤثر سلبا وجهلا لدى العامة، فيكون التشكك فى نوايا دعاة تجديد الخطاب خصوصا الديني.

فنحن أمام فجوة عميقة فى الفهم ومن ثم التشكك فى النوايا، وهنا يمارس الجهلاء والمغرضون لعبة الاتهامات الموجهة لدعاة التجديد فى الخطاب. ويكفى القول أن الإمام محمد عبده بكل كيانه لم يسلم من هذا عندما دعا للإصلاح الديني.

وإذا تحدثنا عن الخطاب الدينى فإنه يجب أن نفهم مستويات الخطاب الثلاثة: اللغة والمعنى والشيء، وهذا مايحويه أى نص. وعندما ينصرف الأمر إلى النص الدينى المقدس هنا تكون الوقفة. فاللغة فى مفرداتها تحتاج إلى فهم لدلالة اللفظ، وهنا ندخل إلى عالم المعنى لتكون التصورات والرؤى. وتبدو المساحة الواقعة بين اللغة والمعنى بيت القصيد للتجديد من ناحية، ولكيل الاتهامات من ناحية أخرى. ويفرض الواقع الاجتماعى أو الشيء سيطرته على المسألة.

فمتى كان المناخ الاجتماعى منفتحا فى ثقافته كانت رياح تجديد الخطاب مواتية لتغيير الفهم للنص وفق مقتضى الحال والصالح العام للبشر، ومتى صار منغلقا فإن محاولة الاقتراب من النصوص الشارحة لا النص الدينى قد يكون ثمنها باهظا. إذ تكتسب النصوص الشارحة التقليدية ذاتها نوعا من القداسة لا تمس، ولايجوز معها أى محاولة للتجديد. وعندما نقدم المثال للتعامل مع النص فإن أى محاولة لإلقاء حجر فى ماء الاجتهاد المعاصر الراكد بفعل تبجيل كتابات الأقدمين غير القابلة لمس النقاش أو الحوار محكوم عليها بالفشل.

وكما حدث مع طه حسين فى الشعر الجاهلى يمكن أن نعى الدرس الصعب لمن يحاول من جديد. لكن ثمة ما يستحق الإشارة إليه، وهى تلك الوثيقة التى سطرها قاض مستنير، هو محمد نور الذى عبر عن روح عصر وضمير أمة تتطلع إلى المستقبل، الذى لايمكن تصوره من دون اجتهاد زمنى تتفتح من خلاله آفاق قراءات واعية تصب فى مجرى التجديد، أو تتجمع ينابيعها لتوجد تيارا لخطاب جديد.

ما أشدد عليه هنا: كيف يرتبط تجديد الخطاب أو صياغة خطاب جديد بسريان روح الاستنارة ليس على مستوى النخب المثقفة فحسب، بل تتسع لتشمل كل القوى الاجتماعية المحركة لهمة المجتمع والمحفزة لتقدمه.

تناثر الخطاب

هل نتحدث هنا عن خطاب دينى واحد شامل جامع، أم عن خطابات دينية حتى فى الدين الواحد تنطلق من منطلقات التاريخ والتأويل؟

أى خطاب نقصد؟ ثمة تعددية بتعدد الأغراض والمصالح والرؤى وجميعها تصب فى خانة الخطاب المسيطر ثم الأكثر سيطرة .. إنه سباق السيطرة الفكرية التى تحركها من وراء ستار سيطرة سياسية، تدفع بالخطاب إلى صياغة أيديولوجية حاكمة، تتخيل نفسها عصا موسى السحرية التى تلقف كل الحيات أى الخطابات الأخرى .

وعلى سبيل المثال فمن المستغرب أن الخطاب الإصلاحى عند محمد عبده بكل انفتاحيته وخلفائه المستنيرين أمثال أمين الخولى وطه حسين نازعه على الجهة المقابلة أحد تلاميذ عبده حاملا لواء خطاب سلفى متشدد وهو محمد رشيد رضا. هنا يمكن أن نقبل وجه الاستغراب تحت دعوى التعددية اللائقة بمجتمع ديمقراطي، لكن الأمر لا ينتهى عند هذا الحد بل يصل إلى (تناثر ) خطابي، أى يتفكك الخطاب الواحد إلى رؤى ووجهات نظر تتباعد أو تتقارب من الخطاب الإصلاحى او السلفى المتشدد. فرؤية حسن البنا ووجهة نظر الشيخ الغزالى والشيخ شلتوت وبعض من علماء الأزهر، لا تجدّ فى البحث عن خطاب دينى معين، بقدر إبداء وجهة نظر أو طرح فكرة أو الكشف عن رؤية بصدد مسألة أو قضية معينة.

إننا بصدد الحديث عن سطح تتداعى على جوانبه الأفكار والرؤى و التنظيرات على المستوى الأفقي، لكن الخطاب يحتاج إلى تراكم رأسى من اللغة والمعنى والوقائع الاجتماعية، تشيد الرؤى المتعددة فى مجرى واحد فى ضوء الاستفادة المتبادلة بين اللغة والمعنى والوقائع أو الأشياء.

وإلى جوار ( التناثر) أو تفكك الخطاب الدينى فى مجتمعنا، يأتى ما يفوق وجه الغرابة وهو ( القطيعة) الخطابية.. أى خطاب يمحق كل ماعداه من خطابات وهذا ما فعله سيد قطب. ومن التناثر أو التفكك إلى القطيعة يفرغ الخطاب من صورته ليصبح شيئا آخر غير كونه خطابا.

وهل مثل التناثر المعرفى عائقا أمام تحول خطاب الاصلاح إلى تيار رئيس فى الاستنارة والإصلاح الديني؟ .

رفاعة الطهطاوى ومن بعده محمد عبده رهناء عصرهم. يكفيهم أنهم نقلوا لنا أن عالما خارج حدودنا أصلح حاله وصار متقدما، وطرحوا أسباب التقدم، لكنهم وهم يصورون لنا ملامح التقدم الغربى أكدوا لنا فى ضوء العودة للماضي، أننا ملكنا تاريخا حافلا بالمنجزات الحضارية، ومن ثم حاول الطهطاوى أن يجد حلا توفيقيا بين قيمنا المتوارثة والقيم الغربية فالعدل عندنا يوازى الحرية لدى الغرب. ولم يكن بوسعه واقعيا فى عصر محمد على وخلفائه، أن يضع تصورا وطنيا للحريات المدنية يؤسس لعملية إصلاحية تتيح الفرصة لإصلاح دينى وتجديد للفكر الإسلامي.

وبناء على ذلك تم الحديث عن إصلاح الخارج الغربى دون لمس عصب الإصلاح الداخلى مع أمل أن يأتى من يقوم بهذا العمل الإصلاحي، وتابعه على المنوال نفسه خير الدين التونسي، مع نجاح فى صياغة دستور فى تونس. غير أن محمد عبده كان أقوى تأثيرا فى المسألة الاصلاحية فى ضوء قراءته الواعية للنص واكتشاف مكامن التطور المعاصرة فى صحيح الدين، بمعنى صالح لكل مكان وزمان. ومع ذلك كان السطح النخبوى يزداد وعيا بضرورة الإصلاح وقد أفرز نهضة ثقافية جديرة بالاعتبار لكن القاع الاجتماعى ظل يعانى الجهل والفقر، مما مكن للقوى المناوئة للإصلاح أن تلتهم كل معطيات الإصلاح لصالح الارتداد إلى مجهول يعاود طرح سؤالنا التاريخى الذى عفا عليه الزمن: لماذا تقدم الغرب وتأخرنا نحن؟

تناحر الخطابات

فى الستينيات برزت لجنة توحيد المذاهب برئاسة الشيخ شلتوت هل يمكن أن نتكلم عن استئناف توحيد المذاهب أو التقريب بينها ، وهل من الممكن التقريب بين الخطابات الدينية المنطلقة من أسس مذهبية ؟ وهل يمكن أن يؤدى ضيق الخطابات وتشددها إلى حرب مذهبية فى المنطقة كما تلوح بعض الأدبيات السياسية ؟

المشكلة ليست فى التقريب بين المذاهب فهذا يطرح نظريا فى أوقات مختلفة، لكن المعضلة فى الحراك الاجتماعى والثقافى والسياسى الذى يباعد الهوة بين الخطابات، ويضع أيديولوجيات متصارعة تروم الفرقة لا التقارب. ويبدو الآن على الدرب خطابان يطرحان نفسيهما بقوة ويعدان قواهما لخوض معركة حاسمة يظن كل طرف أنها غلبة الحقيقة المطلقة المؤيدة بجند الله الواثقين من نصره. وعندما نتحدث عن الخطابات المتشددة فإننا نكون كرماء للغاية بوصفها خطابات، حيث أن التشدد لفظة مبتورة من سياق العنف. أليس التشدد فى حد ذاته عنفا أيا كان سياقه اللفظي، أو حتى الممارسة المتشددة بمستوياتها المختلفة.

وعبر وسائل الإعلام تتهافت الأفكار والرؤى تفصح عن مكنوناتها الانفعالية والغضبية أكثر من كونها فكرية تعبيرا عن قضية أو مسألة. وتظل المحنة السائدة الآن فى عالمنا العربى كامنة فى تصور أن الاندراج تحت راية مذهبية معينة تحمل ملامح خطابية، هو بطاقة الهوية الدنيوية كما إنها جواز السفر الآمن إلى الآخرة. ومن هنا تلعب أيديولوجية الخطاب لعبتها الآثمة بلا شك حينما تحكم قبضتها على المشايعين لمذهب معين، فتسلبهم وعيهم الفكرى وتسوقهم عقيديا، كالسائرين نياما فى رائعة الأديب سعد مكاوى، إلى حتفهم شهداء وراء شهداء. هنا لاتوجد خطابات بل توجد مصالح وأغراض تدفع - بتعبير الفيلسوف هوبز - إلى «حرب الجميع ضد الجميع» .

هل نحن بحاجة إلى تجديد خطاب راسخ بالمعنى الإصلاحى أم أننا بحاجة إلى خطاب جديد أو خطابات جديدة تنطلق من الأفكار وعلاقتها بالواقع لا من الماضى؟

نحن بحاجة أولا لوعى مجتمعى بضرورة تجديد الخطاب أو حتى خطاب جديد. نحن نستبق الأهم إلى المهم. حقا من المهم العمل على التجديد أو استحداث الجديد لكن الأهم هل نملك على المستوى الشعبى الذى يفتقد مقومات الوعى بمحتوى التجديد ما يجعلنا نثق فى إمكانية نجاح تجربة التجديد وترسيخها فى الوجدان الشعبى كسبيل لكسر الانغلاق والانفتاح والتسامح وإحراز التقدم المأمول؟! هذا من وجهة نظرى يبدو سابقا على مناقشة إعادة القراءة أو الحوار أو طرح معايير للقراءة.

لكن فى مصر الآن تدور رحى سجالات فكرية يتشيع لبعضها دون الآخر جماهير غفيرة لا تضيف جديدا إلى مستوى الوعى بقدر ماتهبط به إلى منحدر من التراشق اللفظى يصل حد تبادل الاتهامات وكيل السباب وإعمال آلة التصنيف المكارثية فمن ليس معنا هو ضدنا .

وحتى تلك المحاولات الجادة من نصر حامد أبو زيد لم تخلف وراءها مدرسة فكرية تجدّ فى أثر خطاب جديد. نعم تركت منظّرين نجباء كعلى مبروك - رحمه الله - وما طرحه يحفز للمحاولة من جديد. وألمح على الدرب، وعلى نحو مختلف، إطلالات فكرية متميزة لأحمد سالم وآخرين مجتهدين، لكن يبقى البحث جاريا عن تيار فكرى أو مدرسة فكرية تعمل على تجديد الخطاب، آملين فى إمكانية خطاب جديد ينتشلنا من مغبة الصراع المذهبي.

من يدعو للتجديد

هل من المنطقى أن تنطلق الدعوة لتجديد الخطاب الدينى من رأس السلطة السياسية؟ وهل هذا من مصلحة الدعوة للتجديد أم أن ذلك يلقى بضغط عليها يجعلها أسيرة تصورات الدولة أو السلطة السياسية لمنطق الدين وتفسيره ؟

من حق المسئول السياسى فى ضوء مسئولياته الوطنية أن يطلق دعوته بما يراه من مخاطر أيا كان نوعها، وفى هذا السياق يمكن فهم الدعوة. وعندما نتحدث عن الوعى المجتمعى بضرورة تجديد الخطاب، فإن للدولة دورها المهم فى التوعية بأهمية الموضوع لا محتوى الموضوع ذاته .

ما هى الملامح الأساسية فى الخطاب الدينى السائد و التى تراها بحاجة إلى تجديد إن اتفقنا على تجديد الخطاب كحل مرحلي؟وما هى الملامح التى تفسد عملية تجديد الخطاب او إنتاج خطاب جديد؟

لا يوجد خطاب دينى سائد بل توجد تصورات تعكسها ألفاظ، ورؤى لاتشكل ملامح خطاب متكامل بل تمثل وجهات نظر تحكمها دوافع وأغراض ومصالح تتشابك أحيانا وتتعارض وتتقاطع أحيانا أخرى، وجميعها ينتظر الاعتماد النظرى من جهة معينة.. لكن مايسمى بخطاب سائد يمكن تحديد مساره الاجتماعى أو السياسى دون أطر نظرية تعتمده خطابا سائدا.

هل يمكن للدين أن يكون أداة للتغيير الاجتماعى أم أنه بطبيعته التى تفرض إيقاعها يثبت الواقع؟ وهل ثمة تناقض فى دعوة الناس للتغيير بينما هو يسعى لتثبيت رؤاه؟

يمكن للدين أن يكون دافعا للتغيير الإنسانى ومن ثم الاجتماعي، متى فهم البشر الغرض الروحانى من الدين كمبادئ كلية، تؤكد إنسانية الأفراد فى تسامحهم وتعاونهم. ما يجمد الحراك الدينى هو إخراج الدين من عمق الإيمان الجوانى إلى التظاهر الخارجى بالإيمان وملكية الحقيقة المطلقة. هنا يغيب المعنى الكلى والعام للدين ويتم تخصيصه لصالح واقع معين يكرس الجمود مهما تظاهر بوعود التغيير.

الدين والدولة

يرى الباحث السودانى عبد الله النعيم أن علمانية الدولة فريضة إسلامية تحرر الدين من تبعية تصور الدولة وتجعله وسيلة لتحرر الإنسان وصدقيته مع نفسه، كيف ترى العلمانية : هل هى حجر أساس فى مشروع التجديد أم عامل مكمل، وهل تراها تتعارض مع فكرة الدين؟

العلمانية هى فصل السلطة السياسية عن السلطة الدينية أى أن رجل الدين لا يحكم إلا بكونه سياسيا ولديه برنامج سياسي. نحن نتغافل عن أصل العلمانية وهى ذات أصل فى اللغة السريانية وجاءت التسمية لتمييز رجال الدين عن الناس العاديين فى المسيحية، وفى الإسلام لا يوجد رجال دين بالمعنى الكهنوتي، ومن ثم لا معنى للعلمانية فى السياق الإسلامي، ووجودها جاء من قبل فى السياق المسيحي، لكن يحلو للبعض استخدامها كفزاعة أحيانا، وعن عدم دراية بأصل المصطلح أحيانا أخرى.

هل تجديد الخطاب أمر نخبوى لا يصح للعامة الحديث فيه بمنطق إلجام العوام أم أنه حديث جماهير يقود إلى دمقرطة الخطاب الديني، أم أن ذلك خطر على الدين والتجديد معا ؟

لا ليس نخبويا بل يجب أن يكون شعبيا فى ظل وعى بمحتوى التجديد من قبل العامة وهى مسألة تحتاج إلى تضافر كل الجهود المخلصة لشرح ضرورة التجديد وأهميته للنهوض بالأمة، ومن هنا تكون الممارسة ديمقراطية واعية بالمخاطر المحتملة والفرص المتاحة.

لماذا لم يشهد التاريخ الإسلامى تيارًا كبيرًا يمكن تسميته بـ»لاهوت التحرير أو فقه التحرر»، على غرار ما حدث فى أمريكا اللاتينية من مزج بين اللاهوت والماركسية على أيدى رجال الدين ؟

الفارق يكمن فى أمرين : الأول طبيعة الدين ومحتواه العقائدي، الثاني: البيئة الحاضنة للدين. ومن طبيعة الدين الإسلامى إلى البيئة العربية الحاضنة، يمكن فهم كيف لم يصادف فقه التحرر أى فرصة للتحقق على أرض الإسلام. فالفقه الاسلامى اكتسب وجودا وشرعية ذات طبيعة راسخة لا تسمح بالدمج أو المزج.

الليبرالية وتجديد الخطاب

هل ثمة إمكانية لليبرالية فى مجتمع يمارس إقصاء الآخر كثقافة؟

عندما نتحدث عن الليبرالية فإننا بصدد الحديث عن حرية الفكر والتسامح، فجملة الحريات الفردية المدنية (حرية التعبير ،حرية العقيدة، حرية التجمع...) التى تؤسس للمبدأ الليبرالى ينتفى معها فكرة إقصاء الآخر. ولن نذهب بعيدا إلى الغرب لنتحدث عن التجربة الليبرالية، بل نستدعى ملامح مشروع ليبرالى لم يستكمل فى مصر. إننا نتحدث عن مصر منذ بدايات عصر النهضة متوجا بثورة19 19 إلى نهاية الأربعينيات من القرن العشرين، حيث كتابات أحمد لطفى السيد، وطه حسين، والعقاد، وماحدث من حراك ثقافى وفكرى فى ظل حرية مكفولة للتعبير. نعم كان هناك سجال فكرى محتدم على الساحة الثقافية ، لكن لم تكن هناك محاولات لإقصاء طرف متى تم الإختلاف معه فكريا أو عقيديا. لكن حينما توارت الروح الليبرالية القائمة على التسامح، وصارت حبيسة الغرف المغلقة والمناقشات النخبوية، بدا واضحا للعيان كيف تتسلل ثقافة لم تعرفها مصر منذ أن أسفرت النهضة الفكرية عن وجوه مثقفيها ونخبها، إنها ثقافة إقصاء الآخر كبديل للحوار والنقاش والإختلاف.

بإيجاز يمكن القول أن الديمقراطية الليبرالية لا محل لها من الإعراب فى جملة إقصاء الآخر على أى صورة، وتحت أى مسمى ، مع الوعى بأن ما يطرح على الساحة الآن أو ما يسمى بالليبرالية الجديدة يبدو مشابها للأصولية فى كونهما ليستا عودة إلى الماضى، بقدر ما هما طور حداثى يحمل صورة مخادعة بالعودة إلى الماضى الذهبي، لكنهما من حيث المضمون يكرسان واقعا احتكاريا وإقصائيا فى آن.

وهل تصلح ليبرالية ثورة 19 فى استعادة ذاتها كحل للمأزق الراهن؟

عندما نتذكر المشروع الليبرالى عقب ثورة 19 فإن أول ما تشعر به حسرة فرصة عظيمة ضائعة.. فرصة أمة تنهض من كبوتها عبر تراكم مؤثر من فكر النهضة، وطبقة وسطى متعلمة واثقة فى إمكاناتها من أجل مقاومة المستعمر، بل والتغيير للأفضل، ليسفر الأمر عن دستور 23 ، ومن بعد انفتاح رائع للأفكار، فمن الإسلام وأصول الحكم لعلى عبد الرازق ، والشعر الجاهلى لطه حسين إلى طلعت حرب واقتصاد وطنى واعد وحراك سياسى واجتماعى لم يمهله الوقت ولا الظروف لتحقيق المنتظر! لكن وحدة الأمة فى ثورة 19 كانت كفيلة بطرح تجديد للخطاب الدينى وكل الظروف مواتية فكريا ومعنويا لصياغته، لكن لم يحدث، بل على العكس جاءت نهاية العشرينيات بتأسيس لجماعة الإخوان عام 28 لتكون البادرة الأولى فى الإسلام السياسى من ناحية، ومن ناحية أخرى مشروع مناوئ للمشروع الليبرالى الذى مثله حزب الوفد ومعظم الأحزاب الأخرى. وبعد سلسلة من الاغتيالات (الخازندار، والنقراشى)، والتفجيرات وصولا إلى حريق القاهرة عام 51 ، ومنذ تلك اللحظة بدأت الليبرالية تلفظ أنفاسها الأخيرة ، مخلفة وراءها أصداء وذكريات ليبرالية غير قادرة على استعادة ذاتها، لكن المهم أنه أصبح لدينا سجل حاويا لمشروع ليبرالى لم يكتمل، لكن بوسعنا أن نسأل أنفسنا ألسنا جديرين بمشروع آخر لعلنا نصيب الهدف هذه المرة ، وألا يكون تاريخنا المعاصر اجترارا لحسرة الندم والألم؟

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق