رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

المنيا مرة أخرى...تساؤلات السنين الصامتة

استضافت قرى المنيا خلال الأسابيع الماضية عددا من أحداث العنف الطائفى على نحو جعل أسماء هذه القرى ملء السمع والبصر، وهى التى لم يكن أحد يعرفها سوى أهلها، وربما لا يفقهون الجذور التاريخية لإطلاق أسماء تبدو غريبة عليها.

هذه ظاهرة ليست جديدة، وسبق تناولها على مدار عقود، وهناك العديد من الدراسات المهمة التى قدمت من مثقفين وباحثين مسلمين وأقباطا، يعوزنا الوقت لإعادة سرد هذه الدراسات والأبحاث، وبرغم كل ذلك نأتى مع كل حادث نعيد انتاج نفس الأحاديث. هناك حديث عن رفض الجلسات العرفية، وسبق أن تحدث كثيرون منذ نظام مبارك عن ذلك، ولم نعدل عن ذلك. نتحدث عن تشريع منصف عاقل ينظم بناء وترميم الكنائس، هل نتذكر تقرير اللجنة البرلمانية التى رأسها المرحوم جمال العطيفى الذى صدر فى مطلع السبعينيات، ولم يؤخذ به، هل نتذكر الرسالة المفصلة التى وجهها ميريت غالى إلى أحبائه المسئولين - هكذا أطلق عليها - فى مطلع الثمانينيات، ولم يؤخذ به. هناك من يتحدث عن أهمية دور الإعلام والتعليم والثقافة وتحديث الخطاب الدينى فى محاربة التطرف، وهل هذا حديث جديد، على الأقل يجرى تداوله فى المجال العام منذ أكثر من عقدين من الزمن، هل آن لنا أن نقيم المبادرات التى أطلقت فى هذا المجال، وما المردود الذى آلت إليه؟

من هنا فإن الحديث الذى قيل، ويقال عن الشأن الديني، ومواجهة التوترات الدينية، وما يطلق عليه الأزمات الطائفية سيظل مجرد أحاديث أزمة، تمضى مثلما مضت سابقتها، وقد نعود فى حالة تجدد الأزمات فى المنيا، أو غيرها إلى نقطة الصفر، ونجتر ما سبق ترديده، بحيث أصبح هناك متخصصون فى هذا الحديث، تمثل الأزمات الطائفية «مواسم» مهمة بالنسبة لهم فى الظهور العام، وإثبات الحضور، والشهرة دون انجاز جاد.

إذا كنا جادين فى مواجهة المأزق الطائفى أو التوترات الطائفية ينبغى أن نسير على طريق بناء التماسك الاجتماعى الحقيقي، مثلما سارت وتسير الأمم المتقدمة، دون الاكتفاء ببردة الشعارات التى نلقى بها على سطح إناء يغلى فى باطنه. ويمكن أن نلخص هذا الطريق فى جملة من النقاط الأساسية:

أولا: المواطنة حديث وشعار، ولكنه يحتاج إلى برنامج قومى لتجسيده فى الإعلام والتعليم وتفاعلات المجتمع، هناك دول كثيرة سبقتنا فى هذا المضمار. وعندما نقول برنامج، فإننا نعنى أن تكون هناك خطة واضحة معلنة، وإجراءات عملية، وإطار زمنى للتطبيق، وحشد كل الموارد الحكومية وغير الحكومية المتاحة، وتقييم دائم لما يتحقق على الأرض. فى هذا السياق يأتى الحديث عن التربية المدنية، والمواثيق الاخلاقية فى الإعلام، ومواجهة التمييز فى الفضائين الرسمى وغير الرسمي، الخ.

ثانيا: التعريف الدقيق للتطرف، والخروج من وهم النظرة الضيقة التى تربطه بممارسة العنف، بحيث أصبح الخطر ممن يحمل السلاح أو يلجأ إلى العنف، بينما يجرى التساهل أو غض التطرف عن دعاوى الكراهية، والتمييز الديني، واحتقار المختلفين دينيا، وتكفيرهم، وإهانة المعتقدات التى يؤمنون بها، باعتبارها أحاديث فى الفضاء، لا ينتج عنها تحرك على الأرض. فى المجتمعات المتقدمة ترويج خطاب الكراهية يعادل ممارسة العنف.

ثالثا: اطلاق مشروعات جادة للتنمية بهدف تحقيق المواطنة فى القرى المصرية. التنمية فى ذاتها لا تأتى إلا مقرونة بأهداف مجتمعية عريضة. فى هذا السياق ينبغى أن نطلق مشروعات تنموية نشترط فيها أن تجمع بين مسلمين ومسيحيين، ومن خلال العمل التنموى المشترك تنشأ مصالح متبادلة، وعلاقات دافئة، مما يرفع من كفاءة المجتمع بأسره على مواجهة أى توترات تنشأ حرصا على المشروع المشترك الذى يجمع مختلف أطرافه. فى الخبرة المصرية قامت بعض المنظمات غير الحكومية بمبادرات فى هذا الخصوص كانت لها نتائج ملموسة، وهناك دراسات أجريت فى هذا الخصوص أثبتت أن العمل المشترك فى التنمية يساعد بشكل غير مباشر على احتواء المشكلات، ومواجهة الأزمات فى إطار سلمي. بالطبع يحتاج الأمر إلى نوعية من القيادات المحلية أكثر انفتاحا، ومهاراة، وقدرة على بناء توافقات مجتمعية، ومواجهة التحديات.

رابعا: تطبيق القانون يعد أحد المداخل الأساسية فى الحفاظ على التماسك الاجتماعي، إذ من خلاله يشعر الفرد بالأمان، وترتفع ثقته فى النظام القائم، ويتوقع دائما أن الحق يصل إلى أصحابه، والعقاب ينزل على المسيء، كم نحن بحاجة إلى التأكيد على أن أية جرائم لا ينبغى أن تمضى بلا عقاب، ولا نلتمس أسبابا واهية أو حججا فى غير محلها لتضميد قسرى لجراح تحتاج إلى تدخل جراحى جاد. وتقتضى تطبيق القانون مراجعة الوضع القانونى الذى عفا عليه الزمن فى تنظيم بناء وترميم الكنائس، ولا يكون القانون الجديد الذى لا أحد يعرف مضمونه إلى الآن إعادة انتاج لأفكار قديمة بالية فى ثوب حديث.

هذه خطوط أربعة أساسية ينبغى أن نسير عليها إذا أردنا أن نتجاوز التوترات ذات البعد الطائفي، ولا نحتاج أن نعود دائما لحديث يبدو مكررا، ولكن لا نستطيع تركه فريسة للصمت.


لمزيد من مقالات د. سامح فوزى

رابط دائم: