رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

شخصيات وتواريخ:سـعيد حورانيـة 1929 – 1994

سعيد حورانية هو أحد رواد القصة القصيرة فى سوريا. صعد إلى هذا الموقع فى مطلع الخمسينات من القرن الماضي. وكان له فى تلك الريادة فى كتابة القصة فى سوريا زملاء كبار كان من أبرزهم الفنان التشكيلى فاتح المدرس، ثم فيما بعد فارس زرزور وآخرون. لكن ميزة سعيد حورانية، الدمشقى ابن حى الميدان الذائع الصيت فى تاريخ دمشق القديم والحديث، أنه برع فى كتابة القصة وأعطاها نكهة خاصة. ثم صار واحداً من كبار كتّاب القصة فى سوريا وفى البلدان العربية.

وظلَّ ينتقل من حالة إلى أخرى، من ابن رجل الدين المتعصب لعائلته ولبيئتها ولتقاليدها، إلى المتمرد على الطقوس، المتطرف فى تمرده إلى حدود المغامرة. وصارت له قيمه التى حددت شخصيته كإنسان وكمواطن له آراؤه ومواقفه السياسية، وكمثقف يسارى ملتزم، وككاتب قصة، وكباحث فى قضايا الثقافة وفى دورها وفى دور المثقفين فى الحياة العامة لبلاده وللإنسانية.

ولد سعيد حورانية فى دمشق فى حى الميدان فى عام 1928. تخرج من جامعة دمشق مجازاً فى الأدب العربي. وحاز على شهادة دبلوم فى التربية. عمل فى حقل التدريس فى سوريا ولبنان منذ أواسط الخمسينات. وبدأ فى كتابة القصة منذ وقت مبكر. ونشأ فى أسرة دينية تقليدية، كما يقول هو، مؤكداً بأن صفة تقليدى لا تعنى بالضرورة المحافظة. والمعروف أن حى الميدان، الذى لا يزال أكبر أحياء العاصمة السورية، هو الحى الذى يعتبره السوريون مركز الحركة الوطنية قديماً، والمركز الذى تتشكل منه ومن عائلاته البرجوازية السنية التقليدية الكبيرة والمتوسطة. وكانت عائلة سعيد تنتمى إلى الفئة المتوسطة. لكنها سرعان ما انهارت وفقدت ثروتها. الأمر الذى اضطر الفتى سعيد إلى ممارسة العمل منذ وقت مبكر للمساهمة فى تأمين دخل للعائلة من جهة، ولتوفير المال الضرورى لدفع أقساط مدرسته من جهة ثانية.

كان أول مجال للعمل توفر له فى معمل لتعبئة عيدان الكبريت. ويقول سعيد إن ذلك العمل كان فى البداية صعباً عليه لفقدان الخبرة. ويقول إن اضطراره للعمل المبكر قد غذَّى لديه الإحساس بالأخوة مع العمال. وسيكون لذلك الإحساس المبكر عنده أثر فى تكوين شخصيته فيما بعد، وفى تكوين قناعاته الفكرية.

كانت قراءات سعيد المبكرة فى الأدب العربى القديم والحديث، وفى كتابات المفكرين العرب المعاصرين، قد بدأت تمارس تأثيرها على حياته وعلى أفكاره. وكانت تهيىء الشروط لتفجير مواهبه الأدبية. وبدأ يكتب. وشارك فى مسابقات عديدة. ونال جوائز. وذات يوم كتب قصة تدور أحداثها حول عامل ورب عمل، تنتهى بأن يموت العامل بمرض السل. ونالت تلك القصة إعجاب الروائى حنا مينه الذى كان يرأس تحرير جريدة «الإنشاء» السورية. وبدأ سعيد فى ذلك الحين يتعرّف إلى الأدباء السوريين. وكان من أوائل أصدقائه الشاعر شوقى بغدادي. أما حنا مينه فكان بالنسبة إليه فى مثابة الأب الروحي.

تعرفت إلى سعيد حورانية فى منتصف الخمسينات من القرن الماضي، بعد أن كان قد أصبح أديباً معروفاً. وكانت قصصه المنشورة فى المجلات السورية واللبنانية تشير إلى شهرته كقصَّاص من الدرجة الأولى. وكانت قد تشكَّلت «رابطة الكتّاب السوريين» التى أسهم سعيد فى تأسيسها فى عام 1952 إلى جانب عدد من كبار أدباء سوريا الشباب وفى مقدمتهم حنا مينه وشوقى بغدادى ومواهب وحسيب الكيالى وصلاح دهنى وآخرون. وبلغ عدد أعضاء المؤسسين اثنى عشر أديباً. وقد ارتبط تأسيس تلك الرابطة بالتحول الذى كان قد بدأ يحصل فى سوريا باتجاه الديمقراطية إلى أن تمَّ إسقاط آخر حكم عسكرى فى حركة الانقلابات العسكرية الأولى التى استمرت من عام 1949 حتى عام 1954. وابتداءاً من تلك الفترة نشطت الحركة الثقافية مع تطور الحركة السياسية الجديدة فى ظل نظام الحكم الجمهورى والتعددية الحزبية. وكان تأسيس «رابطة الكتّاب السوريين» تعبيراً عن حاجة موضوعية فى تلك الفترة، بالمعنى الثقافى والسياسى فى آن معاً. وكان الاتجاه العام الذى حكم تأسيسها فى السياسة هو الاتجاه اليساري. وكان ذلك طبيعياً فى تلك الفترة. ولم يمضِ عام ونصف العام على تأسيسها حتى تحولت إلى رابطة للكتّاب العرب بمبادرة ومشاركة من عدد من الكتّاب اللبنانيين والمصريين والعراقيين والسودانيين. وتمَّ ذلك فى عام 1954. وشكّلت «رابطة الكتّاب العرب» بعد تأسيسها ظاهرة أدبية متميزة. وصار أعضاؤها ينشرون أعمالهم الأدبية ممهورة بإعلان انتمائهم إليها. وكان سعيد حورانية من أكثر أعضاء الرابطة اهتماماً بالقصة ومن أكثرهم إنتاجاً فى ميدانها. وصار اسمه يقترن باسم يوسف ادريس فى مصر وعبد الملك نورى فى العراق. وهما فى تقييمى الشخصى لأدبهما القصصي، وفى تقييم نقّاد الأدب، الأكثر تميزاً فى تلك المرحلة فى هذا الجنس الأدبي.

ويعيد سعيد جذور اهتمامه بالقصة، وجذور بدايات إنتاجه القصصى إلى مرحلة شبابه الأولى. فهو يقول فى حديثه الآنف الذكر: «جذورى فى البيت كانت جذوراً قصصية فى الأساس. ففى كل أسبوع كان يجتمع فى بيتنا عدد من المسنين والمشايخ. وكنت أدعى لأقرأ لهم سيرة عنترة. كنت القارئ الرسمى لتلك السيرة منذ مرحلة السرتفيكا إلى مرحلة الكفاءة. وعندما كان يأتى دور عنترة فى الكلام كان أبى يقول لي: ضخِّم صوتك، ابني، ضخِّم. كان الجو حزيناً. وكنت أنا أتفرَّج على حركاتهم فأرى مدى تأثير القصَّاص على أناس يكبرونه فى السن. فرغم أن بعضهم كان قد تجاوز الستين من عمره كنت أشعر أننى قادر على التلاعب بهم. أستطيع أن أحييهم هنا وأميتهم هناك، خلال تقوية أو إضعاف لهجة الإلقاء. أخذت بهذه الأجواء الساحرة وبتأثير القصّاص على الناس». ومنذ تلك التجربة التى خاضها فى الطفولة بدأ سعيد يهتم بمعرفة أحوال الناس فى معيشتهم وفى علاقاتهم بعضهم ببعض وفى شتى شئونهم، فى الأساسى منها وفى التفاصيل. وصار ذلك همّاً من همومه وواحداً من الأساسيات فى اهتماماته. وهكذا تكوَّن كقصّاص.

وقد صدرت لسعيد عدة مجموعات قصصية. كانت أولاها مجموعة «وفى الناس المسرة». ومحور هذه المجموعة يدور حول علاقته بعائلته وثورته عليها وانفصاله فكرياً عنها. وجاءت بعدها المجموعات الأخرى تباعاً لتكشف بتنوع أجواءها قدرة هذا الكاتب المبدع على الدخول فى واقع الحياة الاجتماعية فى بلاده. فهو ظلَّ يعتبر أن الواقعية فى الأدب، قصة ورواية ومسرحاً، ليست مدرسة فى الكتابة، بل ربما هى شرط للكتابة فى هذه الأجناس الأدبية. وهو يفرق فى ذلك بين كتابة الشعر والكتابة القصصية والروائية والمسرحية، غير أن هو من المفيد هنا أن نشير إلى أن حياة سعيد حورانية لم تكن حياة مستقرة. إذ هو تعرَّض فى بداية حياته لكثير من المتاعب. وكانت بداية المتاعب فى منزل العائلة. إذ عاش فترة من التشرد كما أسلفنا. ثم إن المتاعب لاحقته عندما كان مدرِّساً فى مدارس ومناطق مختلفة من سوريا، وفى مدارس ومناطق مختلفة من لبنان، عندما قادته مرحلة الوحدة المصرية ـ السورية إلى لبنان بعد خروجه من السجن مع صديقه ورفيق عمره شوقى بغدادي. وظلَّت ترافقه تلك المتاعب، بأنواعها المختلفة، حتى خلال وجوده لفترة من الزمن فى موسكو. ولم تقتصر تلك المتاعب على سجن هنا، وتشرد هناك، وفقر وعوز هنالك. بل رافقته المتاعب فى تحولاته الفكرية والسياسية. ذلك أنه كان قد اختار منذ وقت مبكر الاشتراكية مبدأ ونهجاً فى الحياة، وممارسة سياسية، والتزاماً فكرياً وأدبياً وإنسانياً. وتركت تلك المتاعب آثارها عليه، بسبب ما عايشه من أزمات داخل الحركة الاشتراكية فى سوريا وفى البلدان العربية، وكذلك فى بلدان التجربة، لا سيما فى الإتحاد السوفياتي. واستمرت تلك المتاعب عشرين عاماً على وجه التقريب، غادر فيها كتابة القصة، وصار يكتب فى النقد الأدبى والاجتماعي. ثم صمت صمتاً طويلاً، حتى عن الكتابة. وانصرف إلى عمل وظيفى كمسئول عن المركز الثقافى السوفياتى فى دمشق. لكن صمته لم يكن نتيجة لإحساس بالعجز عن الكتابة. بل هو كان شكلاً من أشكال الاحتجاج على واقع سياسى فى وقت كانت تمر فيه سوريا بتحولات شديدة الاضطراب، كما يؤكد ذلك صديقه حنا مينه.

كنت خلال إقامة سعيد مع شوقى بغدادى عام 1960 على علاقة شبه يومية بهما. كنت أحمل لهما الكتب والأخبار وأناقش معهما شتى الأمور. وتوطدت الصداقة بينى وبينهما فى تلك الفترة بالذات. ثم تتابعت العلاقة فى الأعوام التالية، بين دمشق وبيروت وفى الخارج. وكنت أزور سعيداً فى فترة مرضه. وأشهد أن المرض لم يحرمه نكهة حياته الخاصة، النكهة التى تعبِّر عنها طريقة حديثه، وصراحته وجرأته فى قول ما يريد، وثقافته الواسعة، وانشغاله بكل ما يتصل بحاضر بلاده وبمستقبلها، واهتمامه بالشأن الثقافي. وكانت محاور نقاشاتى معه فى تلك الفترة. تتناول الأزمة فى الحركة الاشتراكية، التى كانت تشير إليها الانهيارات المتتالية. كما كانت تتناول مصائر الإشتراكية بعد انهيار التجربة. وكما كان الحال عند سعد الله ونوس فى نظرته التفاؤلية إلى المستقبل كانت نظرة سعيد مماثلة لتلك النظرة. والقراءة المتأنية لمجموعاته القصصية، ولبعض مسرحياته، وكذلك لكتاباته فى النقد الأدبى والنقد الاجتماعي، تشير إلى أن سعيداً لم يكن مجرد كاتب قصة، ولا مجرد مثقف. بل هو كان يحمل صفات الإنسان المتعدد. الإنسان الملتزم بقضايا شعبه وأمته، وبالقضايا العامة ذات الصلة بمستقبل البشرية. فهو كان أديباً سورياً، ومثقفاً عربياً، واشتراكياً أممياً. وبهذه الانتماءات الثلاثة لسعيد تبرز الملامح الأساسية لتلك الشخصية العربية المتميزة، التى تحمل اسم سعيد حورانية.


لمزيد من مقالات كريم مروَّة

رابط دائم: