رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

وزراؤنا ومخاطر التقاء الهوى مع الهوية

والهوية انتماء بالغ التعقيد فهى مزيج من العلاقة بالوطن، قد تكون علاقة انتماء وثيق يدفع الانسان لأن يدفع حياته فداء له وقد تكون مجرد وصف فى جواز السفر أو البطاقة الشخصية والعلاقة مع الأسرة، وهى أيضا قد تكون وثيقة وقد تكون مجرد اسم فى البطاقة، حسب الوضع الاجتماعى للأسرة، وبعد ذلك هى توليفة متداخلة من مدارس وكليات التعلم واللغة الأجنبية التى تتسيد فى التعاملات وحتى فى الأسرة مع “شغالات” لا يتكلمن إلا الانجليزية وأبناء لا يتعلمون إلا بالانجليزية ونادراً ما ينطقون بالعربية وعندما يكبرون لن يتكلموا مطلقاً بالعربية. ولكى نعرف كيفية اختيار هؤلاء نجد أن الاختيار يتم على أساس C.V يقول تخرج من الجامعة الأمريكية، حصل على الدكتوراه من جامعة هارفارد أو أى جامعة فى أمريكا، عمل فى مركز بروكنجز، أو أى مركز بحثى هو بالضرورة على تماس مع الأجهزة الأمنية الأمريكية، وبعدها عمل فى صندوق النقد الدولى أو البنك الدولى . أو عمل لدى مؤسسة ضخمة تختاره ليس فقط لكفاءته وإنما أيضا لمقدرته على إدراك أهمية أكثر ربح ممكن لاستثماراتها الرأسمالية. ويكون الاختيار محكوما بضخامة المؤسسة التى يعمل بها وليس محكوما بمقدرته على تفهم أوضاع مصر، ولا مكونها الطبقى، ولا وضعية كل طبقة ودورها فى إنجاح ثورتى 25 يناير و30 يونيو، وعلى الوعى بأحلام الفقراء الذين اندفعوا فى غمار الثورتين على أساس أنهما ثورتان تستهدفان ليس فقط الإطاحة بنظام قائم وإنما بناء نظام يسوده العدل الاجتماعى الذى لا معنى له إلا أن تأخذ من الأغنياء بعضا مما يتربحونه وتعطى للفقراء بعضاً مما يحتاجونه، أمثال هؤلاء الفقراء لم ترد فى خاطر أمثال هؤلاء الوزراء. لأن الهوية التى تلبستهم قادتهم نحو الهوى الولهان بتعليمات أو أوامر صندوق النقد الدولى.

وينسون تحذير الإمام الشافعى الذى قاله شعرا: فغالب هواك فإن الهوى/ يقود الأمور إلى ما يعاب. فيقودهم الهوى إلى ابتلاع تعليمات صندوق النقد الدولى والتى تتلخص فى أمرين “ تحييد الفقراء – والحماية المدنية”، بعد أن اغتالت الدوائر الرأسمالية فى أمريكا وأوروبا أحلاماً ترددت عن دولة الرفاهية، واغتالت حتى صناديق الرعاية الصحية والخدمة الاجتماعية وقلصت المعاشات .. الخ . وقد أجابنى أحد سفراء دولة غربية، ثم كرر ذات الإجابة مسئول مصرى أن تحييد الفقراء يعنى عدم إقحامهم فى الخلافات الاجتماعية والمجتمعية أى عدم تذكيرهم بأن لهم حقوقاً مغتصبة وأن فقرهم وجوع أبنائهم وحرمانهم من تعليم وعلاج كاف يجب تحقيقه ونأتى إلى الفارق بين العدل الاجتماعى والحماية الاجتماعية. والإجابة واضحة فالعدل الاجتماعى هو ما يحقق أحلام دولة الرفاهية أو حتى بعضا من الرفاهية أو العيش بكرامة دون رفاهية، وهو ما صاغته شعارات 25 يناير بعفوية وبلا تصنع: عيش – حرية – عدالة اجتماعية – كرامة إنسانية. والكرامة هى ليست نتيجة وإنما معيار حاسماً لضرورة العدل فلا كرامة بلا عدل وتكافؤ. ثم ما هى حكاية الحماية الاجتماعية وما هو الفرق بينها وبين العدل الاجتماعى ؟ لقد أوردنا فيما سبق المعنى الذى نقصد به تعبير العدل الاجتماعى أما الحماية الاجتماعية فهى تعبير جرى اختراعه لحماية السياسة المتوحشة التى تغتال أحلام الفقراء وأفراد الطبقة الوسطى، وبلهفة مثيرة للرثاء اندفع البعض عندنا نحو هذه الحماية التى هى فى واقع الأمر مجرد إقرار للسياسات الجديدة التى تغتال حقوق التعلم والصحة وضمان المعاشات وتزيينها بترتيبات تقوم بتثبيتها، ومحاولة إقناع الجمهور بابتلاعها كدواء مرير المذاق لكنه حتمى .

ولدينا عدة نماذج فهناك مشروع حماية سكان العشوائيات المهددة لحياة ساكنيها ومنها منشية ناصر. ومنها مشروع حارة العسال التى يعانى سكانها من مساكن غير آدمية فالأسقف منهارة والغرف خانقة ودورات المياه يتزاحم أمامها عشرات من الأسر بصورة غير آدمية وغير محتشمة فيتم ترميمها وباختصار تصبح الحياة المريرة أقل مرارة . ثم ماذا؟ لا شىء؟ يبقى الوضع الاجتماعى للبشر ثابتا على حالته البائسة المتعطل يبقى متعطلا.

حول هذه السياسة يكون هوى بعض السادة الوزراء ويملأون آذان شعبنا بطنين مزاعمهم حول إصلاح الأحوال وما هو بإصلاح . والأحوال بهذا «الهوى» المتطابق تماما مع الهوية ستزداد تردياً والأحوال المعيشية ستزداد تردياً وهنا سيكون السؤال الذى هو أشد مرارة من أحوال الفقراء.. ثم ماذا؟ أن هؤلاء السادة لا يدركون خطر تطابق هويتهم مع هوى الوحشية الرأسمالية الجديدة وهم لا يتخيلون أو يتصورون أن لحظة غضب قد تتفجر بركانا لا يبقى ولا يذر. وأن غضبة الفقراء ليست كأى غضب فهى ذات عينين عين ترى سوء أحوالهم وجوع أطفالهم وعين أخرى ترى وتسمع عن الإنفاق الفاجر للمليارديرات وأكوام أموالهم التى امتصوها من عرق الشعب ثم يسكبونها بسفه مجنون وهنا تكون الغضبة الفقيرة ضارية، بل مخيفة. وربما كان الخطأ من مبدأ الـ C. V وربما كان من خطأ الانصياع لتحليلات وتبريرات لسياسة شريرة يغرسها صندوق النقد فى عيوننا ليطفئ نور الأمل، ولا مخرج سوى أن تتغير الهوية كى يكون الهوى مع الشعب والوطن وليس مع الصندوق .


لمزيد من مقالات د. رفعت السعيد

رابط دائم: