رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

نقاشٌ على الشاطئ اللازوردى فى مطروح

وجدتنى فجأة وسط أعباء كثيرة فى مدينة مطروح ببساطتها ووداعتها وبحرها اللازوردى الأزرق البديع أتحدث فى ندوة جادة عن قضية الهجرة غير الشرعية. حين وجّه لى السيد محافظ مطروح اللواء علاء أبو زيد الدعوة للحديث فى الموضوع لم أكن أتوقع أن اجد قاعة فسيحة فى مركز ثقافة مطروح تغص بمئات من الحضور لا يكاد يوجد فيها مقعد واحد خال. استقبلنى السيد المحافظ فى مكتبه لساعة من الزمن قبل التوجه إلى الندوة ، فكانت فرصةً لأن أستمع وأتحاور مع محافظ لا تخطئ العين حيويته وحماسته وتفكيره المنظم وهو يستعرض المشاكل والقضايا التى تفرضها البيئة الجغرافية والاجتماعية والأمنية لمحافظة مثل مطروح تمثل الحصن الغربى للوطن.

والواقع أن قضية الهجرة غير الشرعية تستحق اهتماماً أكبر. لكن إحدى سمات تفكيرنا فى مصر أننا “ موسميون “ فى الاهتمام بقضايانا ، فلا نهتم ولا نبحث عن حلول إلا حينما تقع مصيبة أو كارثة تذكرنا بالقضية التى توارى اهتمامنا بها وسط انشغالات أخرى. حدث هذا ويحدث مثلاً فى كل مرة تسقط فيها بناية على رءوس ساكنيها لتجاوز عدد الطوابق المرخص بها أو لمخالفة فى مواصفات البناء.. هكذا يبدو الأمر لى فى قضية الهجرة غير الشرعية . نلوك الحديث عنها ثم يطويها النسيان لنصحو فجأة على حادثة جديدة لموت شبابنا غرقاً وهم يحاولون التسلل بحراً بقوارب متهالكة قديمة الى دول جنوب أوروبا فيندلع النقاش فى الفضائيات والصحف ثم يخفت ويتوارى كل ذلك حتى تهزنا فاجعة جديدة فى عرض البحر فيبدأ موسم النقاش من جديد.. وهكذا. لهذا يجب ألا تكون ندواتنا ومؤتمراتنا نهايةً لبحث قضية ما بل بدايةً لعمل دءوب يعالج ويقدم الحلول. وقد أثار اهتمامى وإعجابى ما أعلنه السيد محافظ مطروح فى الندوة عن إطلاق مجموعة ورش عمل لمواصلة بحث قضية التهريب والهجرة غير الشرعية من مختلف جوانبها.

وإذا كان لكل ظاهرةٍ أرقامها الدالّة الجديرة بالتأمل والتحليل فإن الهجرة غير الشرعية تبدو ظاهرة صادمة حين نعلم مثلاً أن عدد المهاجرين غير الشرعيين من المصريين قد بلغ نحو ٤٦٠ ألف شاب خلال العشر سنوات الأخيرة ، وأنه وفقاً لمنظمة الهجرة الدولية فإن حجم الهجرة غير القانونية فى دول الاتحاد الأوروبى وصل إلى نحو مليون ونصف المليون فرد. والواقع أنه لا أحد بوسعه إيقاف حركة الهجرة القانونية والتواصل بين الشعوب لأسباب اقتصادية ولسهولة التنقل وتطور وسائل المواصلات والاتصال والفوائد المتبادلة بين دول النزوح ودول الاستقبال. لكن الهجرة غير الشرعية تنطوى على مخاطر ومشاكل وكوارث جمّة لبلدى النزوح والاستقبال معاً. تحوّل حلم الهجرة الوردى فى خيال شبابنا إلى كابوس حقيقى فى معظم الحالات. واشتدت مخاوف دول جنوب أوروبا من الهجرة غير الشرعية خشية انخراط المهاجرين فى أنشطة إرهابية وإجرامية سواء تحت وطأة الحاجة الملحّة إلى المال أو من خلال اندساسهم وتوظيفهم ضمن شبكات إرهابية . والأسوأ من هذا كله أن الشباب الذى يقبل على الهجرة لا يقامر بمستقبله فقط ، بل يدفع حياته غالباً ثمناً لهذا الحلم المستحيل الذى تجاوزه الزمن والظروف والمتغيرات فى الدول الأوروبية نفسها. فقد تجاوز عدد من ماتوا غرقاً أو وعطشاً فى دروب الصحراء وفقاً لما ذكره السيد محافظ مطروح سبعة عشر ألف شاب خلال عام ونصف العام فقط.

لماذا يقامر شبابنا بالهجرة غير الشرعية وهو يعلم سلفاً أن مصيره يتراوح بين الموت غرقاً أو القبض عليه فى حالة وصوله أو فى أحسن الأحوال العيش فى ظروف حياتية ومهنية قاسية تبدو أقرب إلى عبودية جديدة ؟ هنا تتعدد الإجابات وتبدو كلها مؤلمة. تأتى البطالة والمعاناة المعيشية فى مقدمة أسباب الهجرة غير الشرعية. وبرغم أن معظم الباحثين ينطلقون دائماً من هذا التفسير إلا أنه بحاجة إلى مراجعة. فقد كشف السيد محافظ مطروح مثلاً أن المحافظة قد أعلنت عن ٢٥٠٠ فرصة عمل للشباب بمرتب أساسى يبدأ من ١٥٠٠ حتى ٢٥٠٠ جنيه لكن المفاجاة أنه لم يتقدم إلى هذه الوظائف سوى ٨٥ شاباً فقط ! الطريف أيضاً فى السياق ذاته ما قاله لى اللواء علاء أبو زيد أن أجرة راعى الغنم فى منطقة مطروح تصل فى اليوم الواحد إلى مائة جنيه ! وبخلاف هذين المثالين فالواقع أننا جميعاً نشكو من صعوبة العثور على عامل مهنى متاح لإصلاح عطل أو أمر ما فى منازلنا. وكثيرون من أصحاب الأعمال يشكون من نقص العمالة المتاحة فى مجالات عديدة. وبرغم ذلك يقبل شبابنا على الهجرة غير المشروعة بكل مخاطرها ومآسيها.

الحقيقة أن شبابنا يحتاج أولاً إلى توعية بالمتغيرات التى تجتاح دول أوروبا اقتصادياً وأمنياً وأن يدرك أن العالم البرّاق الذى عبر عنه الفنان هانى رمزى فى فيلم “ أبو العربي” لا وجود له إلا فى الخيال. يحتاج شبابنا ثانياً إلى تغيير ثقافته وطريقة تفكيره من قضية العمل وأنه يستطيع أن يبدأ فى بلده من الصفر ومن تحت الصفر لو آمن بقيم العصامية والاجتهاد والمعاناة والثقة بالذات بعيداً عن أنماط تفكير وسلوك تتسم بالمظهرية والشكلية. وهل هناك مجتمع فى العالم غير مصر يبدأ فيه زوجان شابان بسيطان وربما فقيران حياتهما الزوجية بهذا الإرهاق المادى والمظهرى فى تأثيث بيت الزوجية وما يقترن به من مظاهر ؟

لماذا لا يفكر شبابنا بهذه الطريقة ؟ هذه مسألة ثقافة تحتاج إلى تغيير. وهذه أيضاً مسألة سياسة لأن الشباب متذمر محبط حين يسمع ويتابع قصص الفساد وأحاديث المليارات المنهوبة ويرى بعينيه التفاوت الاجتماعى المقلق الآخذ فى الاتساع . لهذا فإن كل خطوة على طريق مكافحة الفساد وترسيخ العدالة الاجتماعية تعنى مائة خطوة على طريق استعادة ثقة وانتماء الشباب. كيف نكافح ظاهرة الهجرة غير المشروعة ؟ لدينا تشريعات تجرّم وتعاقب سماسرة ومنظمى هذه التجارة التى تدفع شاباً فقيراً لأن يستدين عشرات الآلاف من الجنيهات لكى يحصل على موضع قدم فى قارب قديم متهالك. بوسعنا أن نعاقب تجّار الموت كمحتالين بائعين للأوهام أو كمرتكبين لجريمة الاتجار فى البشر بوسيلة النقل. لكن القانون وحده لا يكفي.

ثمة عملٌ هائل ينبغى علينا القيام به حتى لا تتحول «بوصلة» الإحباط لدى الشباب من الهجرة إلى المجهول بكل مخاطرها إلى طاقة غضب تتوجه إلى الداخل. صحيحٌ أن الشباب يحتاج إلى تغيير ثقافته وإدراك المتغيرات التى حدثت فى أوروبا ، لكن الصحيح أيضاً أننا نحتاج وبسرعة إلى تغيير “بوصلة” التنمية ونظم التعليم فى بلادنا.

قالوا:

الفارق بين المغامرة والمقامرة حرفٌ فى اللغة وانحرافٌ فى التفكير


لمزيد من مقالات د‏.‏ سليمان عبد المنعم

رابط دائم: