رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

النقــد‏..‏ وتغييـر الواقـع

لدينا مفهوم شائع عن النقد‏,‏ باعتباره مجموعة من الحجج التي يستخدمها أحد المؤلفين ليدحض رأي مؤلف آخر‏.‏
ولقد عرف فكرنا العربي الإسلامي نماذج ساطعة لهذا النقد القائم علي دحض آراء المفكرين الآخرين‏,‏ وقد كتب الغزالي كتابه تهافت الفلاسفة ليرد علي آراء الفارابي وابن سينا والتي من بينها القول بأن البعث يكون للأرواح فقط وليس للأجساد في حين أنه يري أن البعث للأرواح وللأجساد معا‏.‏ وجاء من بعده ابن رشد ليرد علي الغزالي بكتابه تهافت التهافت ويبين أن آراء الغزالي لا تتفق مع العقل‏.‏

في أواخر القرن كتب الفيلسوف كانط كتابه الأشهر نقد العقل الخالص‏,‏ وكتب في مقدمته‏:‏ إن قرننا هو القرن الحقيقي للنقد ولا ينبغي أن يفلت من هذا النقد أي شيء‏.‏ من هذه العبارة ومن عنوان الكتاب نفسه‏,‏ يتبين أن النقد أصبح له مفهوم مختلف‏,‏ فلم يعد المقصود به سجالا فكريا بين مؤلف وآخر‏.‏ فما هو إذن المعني الجديد للنقد؟

لاحظ كانط أن العقل الذي نعتبره زينة الإنسان ويوضع موضع تقدير من الجميع‏,‏ يقع في التخبط إزاء قضايا معينة‏,‏ ويثبت الرأي ونقيضه ولا يحسم حكما بصورة يقينية‏.‏ ولاحظ كانط أن هذا الاضطراب يقع دائما عندما يتعرض العقل لقضايا ميتافيزيقية عن وجود الله وخلق العالم وخلود النفس‏.‏ ومن هنا قصد كانط أن يكون النقد محكمة تنصب للعقل لتحدد له مجال اختصاصه الذي لا ينبغي له أن يخرج عنه‏.‏

وهذا المجال هو صياغة الأحكام العلمية انطلاقا من رصد الظواهر الحسية الخارجية وتنظيمها حسب مقولات العقل‏.‏ فالحواس الخمس عند الانسان تكتفي بإدراك ما يحدث من ظواهر لكنها تعجز عن تفسيرها‏,‏ أما العقل فهو مزود بمجموعة من المقولات مثل السبب والنتيجة والشكل والعدد والحركة يقوم بتطبيقها علي الظواهر الخارجية فينتج معرفة علمية‏.‏ هذه المحكمة التي تحدد مجال الاختصاص ينبغي لها أن تمتد لكل علومنا ونظرياتنا ومصطلحاتنا‏.‏ أصبح النقد إذن هو الفعل الذي تقوم الفلسفة من خلاله برد التصورات التي تم تشكلها في الفكر إلي منابعها‏,‏ وقد امتد تأثير هذا المفهوم عن النقد إلي العلوم الإنسانية الأخري حتي أصبح منهجا قائما بذاته يسمي المنهج النقدي‏.‏ وأصبحت نزعة كانط النقدية تقوم علي سؤال مركزي‏:‏ كيف نعرف ما يمكننا معرفته؟

أراد هيجل أن يحرر النقد من أسر نظرية المعرفة‏,‏ واعتبر أن للتاريخ مسارا تطوريا ومراحل لم تتحقق بعد‏.‏ ولا ينتقل التاريخ من مرحلة إلي أخري إلا بفضل النقد الذي يتم توجيهه إلي المرحلة التي تحققت ووصل إليها التاريخ بالفعل‏..‏
ولهذا سعي تلاميذ هيجل إلي إخراج النقد من جوهره المثالي والنظري وجعله مهمة تاريخية تتحقق من خلال حركة المجتمع‏,‏ ولم يعد الهدف من النقد التخلص من الخرافة‏,‏ وإنما أيضا تجاوز الاغتراب‏,‏ والمقصود بالاغتراب هنا كل صور القهر والتضليل والاستغلال التي تحرم الانسان من حريته وامتلاكه لمقدراته‏,‏ وأطلقوا علي إتجاههم هذا النقد النقدي‏.‏ووجدنا من بينهم من وجه النقد للاهوت أو المعتقدات الدينية مثل فيورباخ‏,‏ أو السياسة مثل باور أو النقود مثل موسي هيس‏.‏ ولقد عبر عن هذا الاتجاه عبارة بليغة قالها أحد هؤلاء التلاميذ وهو كارل ماركس‏:‏ علينا أن ننتقل من نقد السماء إلي نقد الأرض‏.‏

ويحمل لنا النصف الأول من القرن العشرين ظهور مدرسة فلسفية كبيرة ذاع صيتها هي مدرسة فرانكفورت‏,‏ لكنها تطلق علي نفسها اسم المدرسة النقدية‏,‏ وتحدد نشاطها الفكري فيما يسمي بالنقد الاجتماعي‏,‏ وتجعل هدف النقد هو التحرر من الاغتراب‏,‏ ويقول أحد أعلام هذه المدرسة وهو الفيلسوف هابرماس إن المعرفة ترتبط دائما بالمصلحة‏.‏ والمعرفة المطروحة أمامنا تتخذ شكلين‏:‏ أولاالمعرفة الوضعية التي تنقل الواقع في صور قياسات وإحصائيات وتكتفي بالوصف دون أي إدانة أو استهجان‏.‏ الشكل الثاني هو المعرفة التأولية التي تريد أن تحصر إنتاج المعرفة في تفسير نصوص سبق كتابتها‏.‏ ويري هابرماس أن المصلحة في التحرر تفرض علينا أن يظل المجال مفتوحا للتناول النقدي للواقع‏.‏

من كانط حتي هابرماس‏,‏ كل من تحدثنا عنهم فلاسفة ألمان‏.‏ ورغم ذلك لا يمكننا القول إن التحول الذي أشرنا إليه حدث في ألمانيا وحدها‏,‏ بل حدث في العالم كله‏.‏ وفرض المفهوم الجديد للنقد علي العلوم الإنسانية اقتضاءين‏:‏ التأسيس المعرفي الصارم لمجالها ومصطلحاتها والاهتمام بتغيير الواقع‏.‏

لمزيد من مقالات د.انور مغيث

رابط دائم: