رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

الزلزال التركى والتكوين النفسى الأردوغانى!

ترجع الأزمة السياسية التى تعيشها تركيا الآن، عقب محاولة الانقلاب العسكرى الفاشل، إلى عوامل عديدة داخلية وإقليمية، سياسية وثقافية، أفضت إلى تململ قطاعات واسعة من الجماهير والقطاعات الأكثر علمانية فى الجيش من سياسات حكومة حزب العدالة والتنمية، المندفعة نحو نوع من الأسلمة دفعه إلى موالاة الإخوان المسلمين على حساب علاقاته التاريخية بمصر، وإلى ممالأة تنظيم داعش، على نحو أفضى إلى اختلال التوازن بين طرفى المعادلة المؤسسة للنموذج التركي، أى بين العلمانية السياسية والإسلام الحضاري، التى كان الحزب قد جسدها بإتقان عبر تسع سنوات (2002 ـ 2011) استغرقت الفترتين الأوليين من حكمه، قبل أن يجنح فى ظل الحكومة الثالثة، ربما بدافع الثقة المفرطة، نحو مزيد من الأسلمة حتى فقد الأغلبية البرلمانية فى انتخابات (2015)، واضطر إلى إجراء انتخابات مبكرة صاحبتها سياسات تصعيدية ضد الأكراد، بغية إثارة مخاوف الناخبين وتأمين الأغلبية البرلمانية من جديد وهو ما حدث فعلا، ولكنه ترك آثارا وندوبا سلبية على الحال التركية عبرت عن نفسها فى مزيد من حوادث الإرهاب التى لم تتوقف طيلة الأشهر الخمسة الماضية. وعلى رغم أهمية ذلك الاختلال العام فى تفسير الزلزال التركي، فإن ثمة مقاربة خاصة (نفسية) لتفسيره نعزوها إلى (عقدة الكاريزما) لدى أردوغان نفسه كشخص، وقع ضحية لسحر (مصطفى كمال) فسعى إلى احتلال موقعه كأب للأتراك، قبل أن تصيبه مظاهرات ميدان تقسيم قبل العامين بجرح كبير فى كبريائه الشخصي، حاول الهروب منه دائما إلى الأمام؛ فتكرر وقوعه فى شراك الممارسات الاستبدادية ليؤكد لنفسه، على ما يبدو، حضوره الأبوي، الأمر الذى قضى على جل تحالفاته حتى مع شركائه السياسيين، وأقربائه الفكريين، خصوصا فتح الله جولن وجماعته، ظهيره السياسى القديم. ثم صديقه ورفيقه عبدالله جول، رئيس الجمهورية السابق، الذى أزاحه من موقعه فى الحزب والدولة على نحو خشن كاد يمزق الحزب لولا حكمة جول، وصولا إلى إزاحة داود أوغلو، المنظر الثقافى للعثمانية الجديدة، والانفتاح الاستراتيجى على المحيط العربي، بعد خمسة عشر عاما شهدت تبلور النموذج التركي، شغل خلالها الرجل مواقع نافذة بالقرب من أردوغان مستشارا له، ثم وزير لخارجيته، وأخيرا رئيسا للحكومة.

يمتلك أردوغان نوعا من الكاريزما ينبنى على الإنجاز الواقعى ومراكمة الخبرات الناجحة على الأرض سواء فى قيادة مدينة أسطنبول أو الحزب أو الحكومة، وليس على السمات الشخصية المرتبط بالكاريزما التقليدية، التى ميزت قادة كباراً فى عصور سابقة تمتعوا بجاذبية الحضور كما بسحر الغياب، وبملاحة اللغة، كما بشعبوية الخطاب، من قبيل ديجول وعبد الناصر، وغيرهما، وهى سمات لم تعد مقبولة تماما فى القرن الحالي، أو ممكنة فى سياق مجتمع ديمقراطى، نمت فيه الذات الفردية إلى حد صار مانعا للحركة خلف قائد يقود الجمع إلى حيث لا يعرفون. ولكن المشكلة هى أن أردوغان الذى صنع كاريزميته بمعايير عصره، عاد ليطلب الكاريزما التقليدية، تلك القائمة على الجاذبية والسحر.

ما لم يعرفه أردوغان بعد هو أن العصر غير العصر، حيث انتهى زمن السحر، وصارت الشعوب مريضة بداء الجدل، مهجوسة بفضيلة المكاشفة، مدفوعة برزيلة تأكيد الذات، خصوصا فى ذلك الزمن المليء بأدوات التواصل الاجتماعى حيث يكون الجميع كاتبا ومتلقيا، والكل مؤثرا ومتأثرا.. الزمن الذى يخلو من السحر والقداسة، ويتنكر للملهمين، ولا يتذوق الآباء الروحيين. ولذا فما قام به من انجاز لن يقف حائلا دون رغبة الناس فى حسابه، بل ربما مثلت انجازاته نفسها حافزا للرغبة فى محاسبته من قبل العديدين، فمن كان همه بالأمس أن يأكل ويشرب، صار اليوم، حيث ارتقى عيشه وانتظم دخله، مهجوسا بحريته، فالتنمية تزكى الطموح، والتحديث ينمى الشخصية، وكلاهما يدفع إلى البحث عن ذاتية أرقي، وعن كرامة مصونة.

لقد وقع الزلزال الذى دوى فى كل أرجاء العالم وليس فقط تركيا، وخرج منه أردوغان شبه منتصر بقوة المجتمع المدنى الذى أبدى تماسكا فى مواجهة الانقلاب حفاظا على مكتسباته الديمقراطية، والتى كان أردوغان نفسه قد حاول التقليل منها، وأيضا بقوة وسائط التواصل الاجتماعى التى استخدمها أردوغان فى حشد مناصريه خصوصا فى اسطنبول، بعد أن كان أفرط فى حصارها ومنع بعضها. وأخيرا بقوة الطبقة السياسية المدنية، التى طالما عارضته وطالما سعى إلى تهميشها خصوصا النخبة العلمانية المتمحورة حول حزب الشعب الجمهوري، ولكنها سرعان ما تجاوزت خلافاتها معه، وأعلنت منذ اللحظة الأولى وقبل أن تتكشف اتجاهات الريح، أى بشكل مبدئي، رفضها الانقلاب ودعوتها الجيش للعودة إلى ثكناته، إيمانا منها بدورها الوطني، كجزء من نظام الحكم، يمثل الانقلاب على أردوغان وحزبه انقلابا عليها هى الأخري، وهذا هو قمة النضج السياسى.

لقد انتصر المجتمع التركى إذن لنفسه، ولديمقراطيته، وانتصرت الطبقة المدنية لوجودها ودورها الطبيعي، ولم ينتصر هؤلاء جميعا لأردوغان، أو لحزبه، أو لميوله الاستبدادية، وطموحاته الكاريزمية، ومن ثم يتعين عليه قراءة الرسالة جيدا، بغية التحرك فى الاتجاه الصحيح، فما بعد الزلزال لا شك سيكون مختلفا عما قبله. ربما فى اتجاه إيجابى تماما إذا ما أجاد الرجل قراءة الموقف، وأدرك قيمة المجتمع المدنى المتنامي، وسعى نحو مزيد من التصالح والتسامح مع معارضيه، خصوصا من النخبة العلمانية والأكراد، ولم يفرط فى الثأر من المؤسستين العسكرية والقضائية، وهنا نصبح أمام إمكان لاختراق سياسى يصالح نهائيا بين العلمانية والديمقراطية، ويجعل هذا الانقلاب هو الأخير فى التاريخ التركى الحديث. وربما فى اتجاه سلبى جدا إذا ما أساء قراءة الانتصار باعتباره نتاجا لقوة حزبه، أو زعامته الكاريزمية، أو تفويضا لممارسات أكثر إقصائية للنخبة العلمانية، وانتقامية من الجيش والقضاء، فهنا يتعمق الانقسام المجتمعي، وتزداد الاضطرابات حتى يفقد الرجل وحزبه كل المتعاطفين معهم، ما قد يمثل إفلاسا لنموذجه، ونهاية لحكمه، وربما على نحو أكثر مأساوية.
[email protected]
لمزيد من مقالات صلاح سالم

رابط دائم: