رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

حياه الناس

فؤاد حجازى

غنــــــاء ..
...........................
استدعيت عامل المقهى بإشارة من يدي. قال:
- عندنا هذه المرة يا عم الحاج.
آه.. بدأ الغناء ..
- شكراً .
- خلِ عنكَ ..

هززت رأسي ممتناً ..

- 11 جنيهاً .

كنت سأصهين عن نصف جنيه باقي العشرة، وأدفع الجنيه إكرامية .

ناولته ورقة بعشرة جنيهات وتطلعت إليه ..

تلكأ قليلاً .. ولم ينبس .

وهو يسحب خطواته، ألقيت جنيهاً معدنياً على الترابيزة .

...........................

خدمــــــــــة

...........................

لم تكد تقف أمام الكشك، حتى تسابق جيرانها ليفتحوا لها قفل بابه، وفاز بالفتح صبي المقهى، وأسرع لإحضار قهوتها السادة، وهو يقول :

- نورت يا حاجة .

وسحبت بنت صاحب محل حبوب خلفها، كرسيها من داخل الكشك، وأجلستها، بعد أن ركنت عصاها التي تتوكأ عليها في جانب .

ومرت بعض نسوة ذاهبات للتسوق، عبرن عن افتقادهن لها يومين كاملين، وكن يسترحن عندها أحياناً يدردشن، أو يتركن ما اشترينه في عودتهن، بعض الوقت، ريثما يذهبن إلى مشوار آخر .

وردت :

- الحمد لله على كل حال .

ومدت يدها من فتحة الكشك المربعة، التي تبيع منها لزبائنها، السجائر والحلوى والبسكويت والمناديل الورقية، وكبشت بعض الطوفي، ونفحت الصغار الذين بصحبتهن .

دعون لها بالصحة، ورجونها أن تأمر بأية خدمة .

وإزاء إصرار إحداهن، قالت :

- كيلو طماطم ونصف فلفل .

انصرفت النسوة، فحملت كرسيها إلى الداخل ببطء..

وانتزعتها نقرات على قاعدة الفتحة، من غفوتها، وتناولت كيساً بلاستيكياً .

شكرت الشارية، وبعد أن شيعتها بنظراتها، تفحصت ما في الكيس.. حبات من الطماطم مفعصة، وقرون فلفل صغيرة .

وضعت الكيس جانباً، وهي تردد في نفسها.. حاضر يا ستي.. لن أكلفك بشيء ثانية .

...........................

نظــــرة

...........................

ناولت صديقي القطة، موفياً بوعدي. راوغت وانفلتت. أمسكتها وأعدتها له. فلفصت وتملصت. أطبقت عليها بكلتا يدي وصدري .

وهو يغيبها في كيس قماشى أحضره معه، طالعتني بنظرة منكسرة، مقهورة .

اجتاحنى أسف فور مغادرته، فقد أبلت معي بلاء حسناً. منذ رأيتها أمام باب شقتي ذات مساء بارد، فأحضرت لها علبة كرتونية، لتقضي فيها ليلتها .

في الصباح فوجئت برأس فأر مقطوع، على بعد سلمتين من بابي. ابتسمت ومضيت. بعدها تركت جثة فأر على بسطة مقدمة السلم المؤدي إلى شقتي في الدور الخامس. انتشلتها بورقة محاذراً وقذفت بها في كيس القمامة .

واستخسرت ما تفعله في سكان العمارة. فكلما نظفنا المسقط مما يلقونه فيه، ووعدهم بعدم الإلقاء، يعاودون ثانية. وكان عادياً للصاعد ليلاً أن يفاجأ بما يسير أسفل قدميه. يقفز مضطرباً ويفر الفأر مذعوراً.

اتصلت بصديقي أطمئن على هديتي، فأخبرني أنها امتنعت عن الطعام. هدأت خاطره أنها ستفعل فور أن تعتاد بيئتها الجديدة. وساورني قلق أن يكون السبب عزلها داخل الشقة، أو لأنها في موسم التزواج، فقد كان الذكور يطاردونها، ونسمع أصوات تحذير ترسلها إلى المتنافسين عليها.

وخشى السكان أن تفعلها، ويستوطن صغارها السلم .

عاودت الاتصال، فأنبأني أنها ماتت.

غزاني حزن، زاد من ألمه عجزي عن فعل شيء .

وتسللت إلى داخل نفسي نظرتها العاجزة الناشعة بالقهر، تطفو من حين لآخر.

...........................

ورقــــــــــة

...........................

لفتت نظري بقعة زخرفية زرقاء، في يسار الورقة من أسفل. استعرضت ورقات أخرى، فوجدت الرقم مكتوباً وسط هذه البقعة وكان لونها أحمر. دققت النظر في توقيع محافظ البنك المركزي على الورقة المختلفة والأوراق الأخرى فلم ألحظ فرقاً. لكني شككت فيها .

استبعدت تصريفها لبائع الجرائد، خشية ألا تكون فكة متوافرة لديه، وكذا بائع المخبوزات، الذي اعتدته فربما لحظها وأحرجني، وإن كان –عادة- لا يبالي، والبقال لعل زبوناً لا يقبلها، فيحتفظ بها حتى يراني ثانية. واستقر عزمي على أية صيدلية. فعشرة جنيهات على فرض أنها مزورة، مجرد قطرة في بحر أرباحهم، التي لا يقنعون بها، ويتاجرون في الأقراص المخدرة.

وقفز إلى ذهني اسم دواء بسعر الورقة زائده عدة جنيهات فضية، ألهيه بها، وأخذه وأنصرف. وإذا به يجيبني أنه غير موجود. وكنت قد أعددت نفسي بطلب بديل أقل سعراً. مد الصيدلي يده إلى أحد الرفوف، ووضعت الورقة مطوية على الغطاء الزجاجي لبنك البيع، والتقطت الدواء، وهو يستمهلني ليغلفه لي، وأرد أن الحكاية لا تستاهل .

غادرت وجوانحي عامرة بالنشوة، وفردت ورقته المطوية، رأيت جانبها الأيسر ممزقاً، ومن الصعب قراءة رقم خمسة في البقعة الزخرفية، وقد التحم المزق بشريط لاصق وقد انطمست بعض أرقامها .

...........................

تنمــــــــر

...........................

جلست على دكة خشبية، أفك لفافة بها رغيف فينو كبير، معمر برقائق من الشاورمة. وخزتني نظرات بعض القطط على بعد يسير. وقد وقفت في تحفز. اقتطعت لباباً مشبعاً بالدهن، كان مدسوساً في لحم المخروط المعلق من قاعدته وحرارة كهربية تشع من ثقوب صغيرة في خلفية معدنية. بينما يجتهد سكين البائع في الترقيق، كأنما يقطع من لحمه. رفعت يدي، فشبت القطط إلى أعلى. سارعت بإلقائه نحوها، وقد مسنى غير قليل من الخوف .

وبخفة قرد، التقط قط ما ألقيته قبل أن يسقط أرضاً. وعلى سلم بيتي ماءت قطة، فوضعت لها فتات خبز وبعض الأرز، تشممتها وابتعدت .

وعادت القطط تنظر نحوي في تنمر، بسبابة وإبهام يدي اليمنى، تناولت قطعة من الدهن وطوحت بها.

طارت القطط كموجة عالية إليها. انتزعت قطعة من الخبز، وألقيتها بعيداً، لتبتعد عني. تسابقت إليها وعادت تغزني بنظراتها .

تجاهلتها وتطلعت إلى الباصات الواصلة إلى المحطة، حتى لا يفوتني المتجه إلى محافظتي .

ركنت ظهري على أضلاع مسند الدكة، وقد سمح انفلات مسمار في أحدها بقلقلته في ظهري، وانساب بصري إلى الشارع الذي يحف بالمحطة. كان المساء على وشك السدول، والحركة لم تخفت . اختلاط المسير بالباصات الداخلية والتاكسيات والعربات الخاصة وازدحام المارة. وحسدت نفسي، لأنني مررت من بينها سالماً إلى المحطة، مع أني لم أسترح منذ وصولي في الصباح لقضاء مهمة لي في وسط المدينة .

وتوالت اعلانات النيون في الظهور، بألوانها وأشكالها المختلفة، تؤكد عتمة المساء .

سلكت قميصي من مسمار الضلع المنفلت ، وأنا ألمح اسم محافظتي على واجهة الباص الواصل .

...........................

صيــــاح

...........................

بعد اللف على القنوات، في موعد بث المباراة، نهضت في ضيق إلى الشرفة، رأيت الناس تجلس في ازدحام أمام تليفزيون، في مقهى قريب، وامتدت الصفوف إلى الشارع. تجولت في الشقة لأشغل نفسي بشيء، ولم أجد داعياً للبحث ثانية في القنوات، فالمباراة مشفرة، ومتاحة لمن يدفع للشركة المحتكرة.

تصفحت مجلة، وبعد قليل ألقيت بها، وعدت إلى الشرفة. كانوا يجلسون وقدران عليهم سكون متحفز. دخلت .. وجاءت خلفي صيحة جماعية، كُبحت فجأة، تلملم ما اندثر من نثارها. وعاد الصمت.. هممت بتشغيل التلفيزيون، لكني عدلت.. وإذا بصيحة خبت بسرعة، وعمق الصمت مصحوباً بهاجس أن يكون الخصم قد سجل في مرمى مصر .

غطست في كرسي أسيوطي، وأغمضت عيني، فلاحقتني صيحة ممتدة، لها شراشيب متماوجة.

أتراه هدف فوز أم تعادل ..؟!

تنامى الوقت في ثقل، وارتخيت في كرسي. نظرت في ساعتي، مقدراً أن الوقت انتهى أو على وشك، عندما صكت سمعي صيحة عالية، رفرفت مناديلها تصفع الهواء. ابتسمت، وأنا أتعجل موعد نشرة الأخبار، متلهفاً لسماع الخبر .

...........................

حياة الناس

...........................

أخرج الموسى من غلافه الورقي.

ولما كان استعماله أول مرة، يجرح ذقنه، فقد وضعه على رف زجاجي أسفل مرآة معلقة فوق حنفية غسل الوجه في الحمام. قرط إغلاق مكنة الحلاقة، وضغط أنبوب المعجون على وجهه في عدة مواضع، وغراه بالفرشاة والماء. انزلق بالمكنة على وجنتيه.

غسل وجهه، وجففه. جلس إلى ترابيزة عليها صينية الشاى. فتح عليه السكر وملأ ملعقتين، وضعهما على الصينية، وقلب في الكوب بالملعقة.

وهو نازل رجته زوجته أن يشتري كيلو من الملوخية، ولما كانت تستغرق وقتاً في إعدادها، فسوف تقطف أوراقها، وتخرطها حتى يعود.

قال لبائع الخضر أن يزن له كيلو من الباذنجان. وفي طريق عودته تذكر أن المكمل الغذائي من فيتامينات ومعادن نفد من عنده. بحث عن صيدلية حتى وجدها. دخل محل بقالة. وساعتها غامت الدنيا في عينيه وكاد يغمى عليه. جعله البقال يتساند عليه، وأوقف تاكسياً ليوصله إلى مستشفى الطوارئ.

تابع طبيب الاستقبال دقات قلبه، وتفحص بياض عينيه، وسأله عدة أسئلة. أمر بإعطائه محلول جلوكوز فوراً.

علا وجهه الخجل وهو يفصح للطبيب عن خوفه من الحقن، فذات مرة تصلبت عضلة في إليته، كادت تكسر إبرة المحقن، لكن الله سلم.

طمأنه الطبيب أن الحكيمة تجيد عملها ولا داعي للقلق. اصطحبه ممرض إلى عنبر خلف حجرة الاستقبال، وأرقده على سرير. علقت الحكيمة زجاجة المحلول أعلى السرير. أدلت منها خرطوماً من المطاط في آخره إبرة، أمسكتها لترشقها في ذراع مريض راقد على سرير يجاوره، لكن الخرطوم لم يمكنها لقصره.

أمرت الممرض أن يحضر لها خرطوما أطول، أخبرها أن الخراطيم كلها مقاس واحد، وهي تأتي مع الزجاجات. انقلبت سحنتها وصاحت:

- اغطس ولا تقب إلا ومعك المطلوب .

انصرف الممرض ليتقي غضبها، تشيعه كلماتها.

- إلى متى تعرضون حياة الناس للخطر..؟!

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق