رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

وضع استعداد

مريم حسين
استغربت..كان شروق فاتر بلا ألوان..أطباق مختلفة الأحجام متناثرة على الأسطح، بنايات متواصلة بأسلاك رفيعة متداخلة بشكل معقد ، قط نجح بعد مناورة طويلة فى القفز على قطة ذات مواء ماجن جدا فى السطح المقابل، وفى الأسفل كلبان يتشاجران صانعين دوائر غبار حولهما،

لم ألمح الحمام لكن صوت هديله كان قريبا منى للغاية بشكل جعلنى أشعر جيدا بوخز منقاره فى خدىً.

إنها السادسة صباحا ودرجة الحرارة خمسون والرطوبة شديدة، ظللت طوال الليل أتصور لحظة الوقوف فى الشرفة وأنا أرى عن بعد البحر قاطعا وسط المدينة وألًّف حول رقبتى إيشارب خفيفا اتقاء للطل وقد انزلق الندى بمرونة على كل أنواع الصبار حولي، وفى الصباح كان المشهد عبارة عن رطوبة وبحر غير مرئي بسبب السدَة، ارتحت لرؤية الشوارع فارغة صامتة والمحلات مغلقة، آخر مرة رأيت الفيوم هكذا منذ عشر سنوات في الثانية ظهرا.

أنا في الدور الخامس، لا أحب رقم خمسة ، عامة لا أحب الدوائر تشعرنى بالتيه . تغط خالتى في نوم عميق بعد أن صلت الفجر. من المفترض أن أوقظها قبل رجوعى للقاهرة، ولكنى فعلا منهكة تماما لا أقوى على أى انفعالات ، بدءا من الإفطار الإجبارى والإلحاح المستمر فى تأجيل السفر إلى برطمانات العسل والسمن البلدى والتوابل وبعض أكياس الأرز والسكر ، سوف يفور غضبى إلى أقصاه و أدفعها أرضا وأذهب ، منذ أن سكنت وحدها فى تلك الشقة بشارع السنترال فى وسط البلد وأنا أرى هاتين العمارتين المقابلتين لعمارتها الواقعة على ناصية يسكن فيهما فقط الدور الأول وباقى الأدوار «مؤكد فيها عفاريت» ، فى معظم أيام الجمعة يختبىء فيها عناصر إخوانية من مطاردات قوات الشرطة أو يصعد البعض إلى الأسطح لتصوير الكر والفر بين العناصر والقوات. وليلا لمحت أكثر من مرة وطاويط تتنقل بين أسطح العمارتين، ظللت أغنى لتبعدهم ذبذبات صوتى ثم تخيلتهم بسرعة عالقين بوجهى فدخلت فورا من الشرفة.

لمحت الكمين الرابض بجوار البحر مدرعتان وسيارة صندوق كحلي، تحرك عسكري منهم بسلاحه ودخل شارعا موازيا لشارعى، رأيت وجهه جيدا كان مليحا أسمر ونحيفا وطويل القامة، غاب، وراقبت الموقف وأنا ألم شعرى كحكة وأمسح على رقبتى وأنفخ فى الهواء ومن ضيق الجو بينما أضع كفاى على السور وأسند ذقنى عليهما مع احناء خصرى، وبعد لحظات رأيته عائدا بلفّة كبيرة من السندوتشات، استغربت: وده لقى محلات فاتحه إزاى دلوقتي في تلك اللحظة رفع رأسه لأعلى ولمحني، ارتبكت وخفت وتراجعت للخلف.

انتابنى جوع ، عملت شاى وأخذت ثلاث كحكات وقفت أتناولهم عند سور الشرفة ، لون الشاى أعطانى رغبة فى قضم الكوب ، عند قضمى للكحكة الثالثه سمعت صوت غير واضح ، جريت فورا ناحية هاتفى ولكنى لم أجد مكالمات ولا إشعارات ، رميت الهاتف بإهمال وترددت لحظة فى العودة إليه وتراجعت . وشرعت فى أكل الكحكة، التى تحجرت فى فمى بشكل جعل كتل دموع ثقيلة تسقط متتالية وكدت أشرق ولحقت نفسى « ببق شاى» وأنا أمسح الدموع بكتفى وأكمل الكحكة فى صمت.

استحممت دون أن أغسل شعري، ارتديت ملابس الخروج في هدوء شديد، وأخذت حقيبة السفر الصغيرة واتجهت للباب، ثم توقفت تاركة الحقيبة واتجهت للحمام ووضعت رأسى أسفل الصنبور لدقائق. جففته فى المنشفة سريعا وقد شعرت ببعض «الطراوة»، لممته كحكة مرة أخرى، فتحت الباب ونظرت لدرابزين السلم بضيق ثم اضطررت بخطوات ثقيلة للذهاب. الدور الثانى فى تلك العمارة غير مسكون فقط شقتان بلا أبواب ولا نوافذ غارقين فى ركام، فى ليلة كنت تحججت بنزولى لشراء دواء صداع ودخلت ووقفت فى حذر أشرب سيجارة. فجأة تجمع الدم الذى فى جسدى كله فى وجهى فقط، ظهر لي ثلاثة كلاب نباحهم مرعب، تسمرت فى مكانى وتسمروا هم أيضا الى أن استرخوا حولي وسمحوا لي بإنهاء السيجارة والذهاب في أمان.

عبرت عند الكمين، بحثت عن العسكرى بسرعة وسطهم ووجدته، ابتسمت له بعينى فقط ، وبعينى فقط دخلت وسط الكمين ووقفت أمامه أنظر له بدقة، أحضر لى سندوتش طعمية واتجهنا ناحية البحر، رفعني على السور ثم قفز بجانبى، جلسنا معا وأقدامنا مدلاة الى البحر وظهرنا للكمين، أكملنا طعامنا فى صمت، ثم أخرج علبة سجائر سوبر وعزم لى بسيجارة، أخذتها فى حماس وأنا أضحك: سوبر، دى قاتلة، رد وهو يشعل الكبريت: على جد حالنا، أجبت بسرعة محاولة تصليح الموقف : الحال من بعضه، سرحنا تجاه البحر ثم سندت رأسي على كتفه، أنا مش عاوزة أرجع مصر ومش عاوزه أقعد هنا. تجنب النظر لى ورّد خجلا: تعى عندينا فى سنهور.. «.

أكملت ذهابي للموقف سيرا على الأقدام، فالموقف بجانب مديرية أمن الفيوم وهناك تحصينات من دبابات ومدرعات وأكياس رمل والناس تعبر فقط سيرا على الاقدام و»بسرعة انت وهو»، وبما أنه لا توجد سيارات فالحمام انتشر بأمان، هديل الحمام هو بالنسبة لي الآتي: أنا في سن العاشرة مع أبى على قهوة بسيطة فى الكيت كات فى السابعة صباحا قرب المحكمة ننتظر دور قضيته التى يترافع فيها فى الرول بينما يعبر الحمام فوقنا عن قرب يخيفنى، أمامنا منضدة معدنية رفيعة عليها كوبان شاى بلبن وكيس بلاستيك به فايش وكلانا منهمك فى إغراق الفايش فى الكوب واخراجه سريعا وقضمه قبل أن يسقط. كالعادة لاينسى أبى أن يشير لى قائلا: دى الحارة اللى اتصور فيها فيلم الكيت كات بتاع شيخ حسنى وده ، أقاطعه حافظة: دكان عم مجاهد، يبتسم بفخر.

أرتمي في سيارة بيجو في الكنبة الوسطى بجانب الشباك وطبعا عند الكرسى الثابت، وكالعادة أسوأ إحساس بالفقد انتابنى طول حياتى هو فى اللحظة التى تتحرك فيها السيارة متجهة للقاهرة، فذلك الاحساس يستدعى كل شىء سيئ حدث في حياتي ويحرك خيالي سريعا لتأليف مواقف جميلة تدعم فكرة نزولي من السيارة سريعا، تحركنا وتخطينا قرية الاعلام، قرية صناعة الخوص المجتهدة، عندما ساعدت أختى فى عمل بحث هناك عاملونا كالأجانب وبمجرد جلوسنا معهم على الأرض وشربنا للشاى من أكوابهم صاحبونا وظلوا على اتصال بنا وعلمونا بعض الغرز وفى النهاية أعطونا هدايا وأوصونا بالحرص على انفسنا. بعدها بشهور علمنا أن الكوبرى المعلق على طرف البلده الذى بنى من شهر فقط وقع على سيارة ملاكي وطفلين ولم يمت أحد.

تلوت الفاتحة فى هدوء ونحن نعبر قرية الكعابي القديمة، ففيها مسقط رأسى ومدافن أسرتنا وجدتى المدفونة حديثا هناك فى مكان شديد الهدوء حوله أعشاب طويلة تخشى حتى التحرك بصوت منعا للإزعاج، لو فقط تفسح لى مكانا بجانبها لكن جالسة وليس نائمة. وضع النوم خانق جدا بالنسبة لي، تتبعت بعينى التى غلبها النعاس أثر القرية الذى تقريبا اختفى فالحواف أصبحت بيوتا وفيلات مكتملة وغير مكتملة البناء واختفت الأرض الزراعية إلى الأبد، ابتسمت وأنا أتذكر نداءنا أنا وأخوتى لدى قرب دخولنا المدينة «جينا عند ننون.. جينا عند ننون».. تدليل كلمة نينه. لو أعلم أنه فى يوم كهذا سوف أخشى مواجهة على الأقل ثلاثة مواقف مهنية وفنية مصيرية وموقف عاطفى مؤلم، تنهدت وثقلت جفونى وفغر فمى قليلا وأنا أتلو الفاتحة للمرة الخامسة.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق