رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

نافذة للحلم

محمد جبريل
لم يفاجئني انقطاعك عن التوجه إلي مدرسة راتب باشا القريبة من الدكان، وإن ظلت عادتك في التنقل بين كومات الأثاث، ورصات الكتب.

قلت لملاحظتي المتسائلة: ـ أخذت إجازة بدون مرتب. ـ تركت التدريس؟!
ـ الروبابكيا أفضل. امتلأ الدكان والرصيف أمامه بقطع الأثاث والسجاجيد والبراويز الأرابيسك، ما تراه تودعه مخزن سيدي الموازيني، ساعدك قرب المخزن من باب الجامع، تضع فيه ما تخمن حاجته إلي فترة تخزين طويلة.

رافقت أباك إلي بيوت الأجانب في العطارين والرمل، أروام إيطاليين وإنجليز وفرنسيين، أعدوا حقائبهم، وعرضوا الأثاث للبيع، أدركوا أن الإسكندرية التي كانوا منها، لم تعد كذلك، تبدلت الظروف عقب تأميم القناة، يطول الفصال، أو يختصره من أغلقوا الشركات والدكاكين، أو تركوا الوظائف، تحمل سيارة النقل ما جري عليه الاتفاق، تكدسه في الدكان المجاور لسيدي الموازيني، استبدل أبوك بيع الأثاث القديم بالخضر والفاكهة. تحول الدكان إلي مخزن كومت فيه أثاث شقق بكاملها، ما بين القدم والجدة، حجرات للنوم والمائدة والأنتريه والصالون والمطابخ ودورات المياه. بدأت في رعاية الأثاث القديم، تنظفه، ترفو قماشه، يعود كالجديد.

ـ من يبيع ممتلكاته لابد أن ظروفه صعبة!

وهززت رأسك بتأثر:

ـ لو أني سألت عن الظروف، ربما كنت ألجأ إلي مهنة أخري.

قلت مهونا:

ـ هذه ظروف مختلفة، ناس يبيعون أشياءهم استعدادا للرحيل.

بدلت نشاطك.

ألفت التردد علي الميناء، تشتري بلوطات ملابس قديمة، ومستعملة، تبيعها إلي تجار سوق النصر وشوارع وسط البلد.

تاجرت في الأشياء القديمة، لا تقتصر علي لون محدد، إنما تشمل كل ما سبق استعماله، في البيوت، أو للأفراد، حتي لعب الأطفال عرضتها في الدكان.

لم تعد تقتصر علي بيع ما تستغني عنه البيوت. كومت في داخل الدكان وخارجه ملابس محلية فرز ثاني، أو مستعملة مستوردة من الخارج، تشتريها بالمزاد من داخل الدائرة الجمركية. إذا كانت اللوطات كبيرة تقاسم شراءها مع تجار آخرين، من بحري وخارجه.

اشتريت بالات من ملابس الجيش الإنجليزي، قبل أن تنسحب من الإسكندرية، ظلت مودعة في مستودعات الجمارك حتي تذكرتها الإدارة، فأمرت بالتخلص منها.

عرفت متي تدخل المزاد، وكيف تحصل علي الصفقة، أو تتنازل عنها لتاجر آخر، عرف جري الاتفاق عليه بين التجار الذين يبيعون بضائع الجمارك، فلا يدفعهم التنافس إلي خسارة يمنع اتفاقهم حدوثها.

اقتصرت تجارتك علي الأثاث القديم والمستعمل، وعلي التحف والمقتنيات النادرة، تفك الأسرة، تعيد تركيبها بعد أن تضيف القطع الناقصة، تمسح علي أعمدة السرير المعدني:

ـ لم يعد يصنع مثله!

حتي الكتب التي اشتريتها، كتب بالإنجليزية والفرنسية واليونانية والإيطالية، ما كانت تقتنيه الأسر الأجنبية، واضطرت إلي بيعه في هوجة الرحيل، رصصتها في صفوف متلاصقة، تبيعها لمكتبات العطارين، يحسنون عرضها، يبيعون كل كتاب بثمن يقدرونه بالقيمة التي يعرفونها.

لما زادت حركة الشراء والبيع، قصرت نشاطك علي شراء الأشياء النادرة، أثمانها مرتفعة، ولا يضيق بها الدكان. تتردد علي مزادات القصور والفيلات والمحال المتخصصة، تشتري التحف والمقتنيات التي تقنعك قيمتها.

وضعت إلي جانب المدخل فاترينة زجاجية بارتفاع الباب، تلاصقت فيها نماذج من مقتنيات الدكان، فوقها لافتة بخط صغير: الأسعار مع الإدارة. الإدارة مقتصرة عليك، أنت الذي تقتني وتفاصل وتشتري وتبيع، ترتبط حركة الدكان بوجودك الشخصي.

تروي لي عن تنقلك بين صالات المزاد، تتأمل ما تراه مناسبا، تعرض السعر الأعلي، حتي يرسو عليك المزاد، أو تنسحب.

أضفت إلي عملك شراء الملابس القديمة من باعة السكسونيا، يقايضونها ـ علي

أبواب البيوت ـ بأدوات منزلية.

تلاصقت ـ داخل الدكان ـ وارتفعت حتي السقف، صناديق وحزم مربوطة وأجولة، بظ الدكان بأنواع كثيرة من البضائع. لم تعد تغلقه، تركت الباب مفتوحا، وصففت البضائع علي الجدار الخارجي.

لم يعد في الإسكندرية من الأجانب من يعتزم الرحيل، عادت الحياة إلي ما كانت عليه قبل الحرب، تناقص الأثاث، شغل مساحة المخزن في الحارة الجانبية، كلمتني عن اعتزامك أن يظل الدكان مفتوحا، يقتصر علي بيع الكتب، مبيعاتها لا ترتبط بأوقات، ولا بالأجانب، اشتريت مكتبات خاصة، ورثها من لا يعرفون قيمتها، أو تقدم بهم السن، فاستغنوا عن القراءة، أو لأن الشقة ـ بتزايد الأبناء ـ ضاقت بالكتب.

قال الرجل وهو يدفع لك بكتاب مهترئ الأوراق:

ـ لو أنك قرأت هذا الكتاب، كنت ستحزن لتنازلك عنه.

قلبت الكتاب، قرأت سطور صفحته الأولي، أكملت القراءة في حجرة القعاد المطلة علي شارع الميدان، شغلتك القراءة حتي عن صخب الشارع، هي نوافذ تطل علي ما لم تتصور أنك تراه.

عرفت ما لم تكن تعرف، تسحب ـ من ربطات الكتب ـ كتابا ثانيا، وثالثا، تقلب الكتاب، المجلد، المخطوط، ترجح أنك ستعود إليه.

لاحظت أن زوار الإسكندرية من البحارة والسياح الأجانب هم الذين يشترون المخطوطات القديمة، يحرصون علي اقتنائها، حتي لو حددت ثمنا أعلي بكثير من قيمتها، أدركت أن اقتناء المخطوطات قد لا تمليه هواية، إنما يعكس نيات شريرة، لا تدركها.

لم تعد تبيع المخطوطات ولا الكتب القديمة، تجنبها، تحتفظ بها، تعود إليها، تنفتح أمامك ـ بقراءتها ـ آفاق لا تنتهي.

تقلب صفحات المجلد، تبحث ـ تقول لي ـ عما لا تعرفه، وإن تمنيت رؤيته: وثيقة، عقود بيع وشراء، أو تنازل، معلومة غير معلنة، رسائل.. لا تأبه بالغبار، يتسلل إلي فمك، وأنفك، يؤذي عينيك، فتدعكهما بعفوية. تنشغل حتي عن مناداتي لك من وقفتي علي الباب.

تضيع وقتا في استعادة الحروف المطموسة، والكلمات الضائعة، تلجأ إلي أفلام متغيرة الخط واللون، لا يبدو القلم متسقا مع الكلمات الغائبة، تستبدله، تكرر

المحاولة حتي يعلو الاطمئنان ملامحك.

قرأت الكثير عن صيانة الوثائق والمخطوطات والكتب القديمة، وسائل الحفظ وعلاج آفاتها، الثقوب التي يحدثها التراب والعثة والتسوس، التجليد، تعود من سوق الترك بأعشاب، تخلطها، تضعها في الأماكن المصابة فتبرأ الأوراق من الآفات. تعالج أمراض الكتب، أدواتك: المخارز، الإبر، المقص الضخم، رقائق الجلد، الأقمشة، الأقلام البسط، أقلام الرصاص، الألوان، قوارير الأحبار، أواني الصمغ، الكلة، خيوط الحياكة، الورقات التي تلتصق بالرطوبة، تشبعها ببخار الماء الساخن، فتنفصل كل ورقة عن بقية الكتاب، تطبع الأسماء والعناوين بماء الذهب علي أغلفة المجلدات.

قلت إنك لن تعيد بيع الكتب، القراءة نوافذ تطل علي ما لم تتصور أنك تراه.

تكدست رصات الكتب عن الأرض إلي السقف، تلاصقت، خشيت أن أسحب كتابا، حتي لا تسقط الرصات كالبنايات القديمة، تناثرت الكتب فوق الطاولة الخشبية المستطيلة، وداخل صناديق الكرتون.

علت الأرفف جدران المكتبة. لصق المدخل صناديق خشبية وكرتونية ممتلئة بكتب ومجلدات، وعلي الأرض كومات من الكتب، يبدو من تداخل أوراقها وتمزقها، أنها معدة للفرز والانتقاء. ما يصلح يوضع داخل الدكان، وما لا تجد فيه حاجة يعاد بيعها لباعة الروبابكيا، أو لباعة شارع النبي دانيال.

ارتفعت الكتب حتي السقف، صفوف من الكتب اختفت الجدران. اشتريت من سوق الترك سلما خشبيا يبلغ السقف، يسهل عليك ـ بالوقوف فوق درجاته ـ أن تتناول الكتاب، أيا يكن موضعه، أعداد هائلة من الكتب النادرة، والمخطوطات القديمة، والوثائق والمنشورات وكتب هذه الأيام.

أخليت موضعا في زاوية الدكان، وضعت ـ لصق الحائط ـ صناديق مربوطة بالدوبارة، مليئة بالصحف القديمة والدوريات والوثائق.

ثبتت صورتك في بالي، أنت تقلب أوراق الصحف والمجلدات والكتب، تقرأ وتتأمل الصور، تظل واقفا بالساعات، تقلب، وتقرأ، وتتأمل. تلتقط الكتاب، تتشممه، تمسد غلافه، تفر الصفحات، تتأمل ما يجتذبك من الأسطر. ربما يجري القلم علي الهوامش بما يعينك علي التذكر. تتخيل لو أن ما في هذه الكتب والمجلدات دبت فيه الحياة، ستعرف أشياء كثيرة لم تكن تعرفها: الناس والتاريخ والأماكن والحروب والمعتقدات والعادات والتقاليد.

تدخل في مناقشات مع الكتب والمخطوطات، تقرأ فقرات طويلة أو قصيرة، ثم تطوي الصفحات علي إصبعك، وتشرد متأملا، كأنك انصرفت عما تقرأه، تجتذبني التمتمة بين شفتيك، ترف ابتسامة صغيرة:

ـ أناقش ما قرأته.

تبذل جهدا لفك خطوط التعليقات التي كتبها من سبقوك إلي القراءة علي هوامش الكتب، لي رأي، وللآخرين آراؤهم، تعدد الآراء يقرب من اكتمال الدائرة.

تطالع الأوراق والخطط والرسومات والرسائل الشخصية، تصل بينها وبين الحوادث التي قرأت عنها، تزداد إيماءة العين، وهزة الرأس، ومصمصة الشفتين، وتبدل الملامح، انعكاسا لمفاجأة غير متوقعة.

كان من بين ما اقتنيت في بيوت الأجانب، مكتبات بكل اللغات، وإن غلبت لغات الجاليات التي غادرت الإسكندرية بعد طول إقامة، كتب بالإنجليزية والفرنسية والإيطالية واليونانية، قراءات الأجانب من الناطقين بهذه اللغات، أزمعت تجميعها في المكتبة فلا يتردد قراء كل لغة علي المكتبات التي تخصها.

ما يصعب قراءته من اللغات الأجنبية تصل بين الصور، والكلمات التي لا تفهمها، تغنيك الصور عن الكلمات، تحاول تخمين المعني، أفسر نوبات العطس التي تفاجئك، بأتربة الأوراق القديمة. تفرك عينيك، فأعرف أن القراءة أجهدتهما.

جعلت رفا للمخطوطات النادرة، والكتب التي تعود طباعتها إلي ما بعد دخول المطابع بقليل: علم الدين لعلي مبارك، تاريخ الدولة العلية لمحمد فريد، العيون اليواقط لعثمان جلال، ما يشكل رفا كاملا، تخصه بالرعاية، تزيل عنه الأتربة، تعيد صفه وترتيبه، تعد ما فيه خشية الضياع.

لاحظت ما لا أعرفه من المصادر القديمة والمخطوطات، ما أتيح لك من أوراق البردي، ورقائق الجلود، وألواح الخشب، والعظام، والأوراق المتآكلة، وما جعله الناس ـ في الأزمنة القديمة ـ صحائف يسودون فيها معارفهم ووقائع التاريخ.

تهز رأسك، ترفع كتفيك، للعروض التي تقدم إليك. إذا كنت قد بعت أشياء ثمينة، فإنك لن تكرر اللعبة، الإيراد يكفي العيش، لا تتصور ـ تقول لي ـ إن مكتبتك تقتصر علي الكتب المسلية.

لم يقتحمني شعور المفاجأة، حين قاطعت الشيخ سالم ريان، إمام جامع سيدي الموازيني، في خطبة الجمعة، وصعدت المنبر، تخطب بدلا منه.

ظللت علي هدوئي، عكس ما أظهره المصلون.

مضت اللحظات متوترة، قبل أن تتجه الأعين إلي المنبر، تشرد في رؤي التأمل، والسكينة.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق