رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

بطولات الجيش بديلة عن الغوص فى وحل العنف والإسفاف والتردى
الفريضة الغائبة عن صناع الدراما الواقعية

محـمد حبـوشــة
هناك حقيقة لا يدركها كثيرون بأن الدراما التلفزيونية كفن لا تنعزل عن بقية الأجناس الثقافية، حتى انه أصبح لمفهوم الدراما دور محورى فى حياتنا المعاصرة وسياقاتها الثقافية المجتمعية، حيث يعتبرها أغلب علماء علم الاجتماع المعرفى «ظاهرة من ظواهر التاريخ الأدبي، ووثيقة من وثائق التاريخ الإنساني»

ومع تجدد الأحداث اليومية التى تشكل النواة الأساسية للتاريخ الإنساني، أصبح السرد التليفزيونى هو البديل المثالى لتسجيل حركة التاريخ القادمة من رحم تلك الأحداث، جراء تطور صناعة الفعل الدرامي، وهو ما عظم من دورها فى التوعية والتثقيف وتنمية الشعور الوطني، ولفت أنظار الجمهور إلى التفاصيل الهامة فى الحياة، ومن ثم يصبح شغلها الشاغل محاولة محاكاة الواقع بأقرب الصور، وإمداد المشاهد بكل ما هو جديد على الصعيد الاجتماعى والفكري، بعدما أصبحت كفن تقف إلى جانب موارد الثقافة المتعددة مثل الكتاب والسينما والمسرح، بل إنها تتفوق عليهم جميعا فى تقنياتها وأساليبها الفنية على جناح سحر الصورة التى جعلتها جزء لا يتجزأ من الرسالة الإعلامية اليومية التى تسعى إلى تثقيف المواطن بالإضافة إلى ترفيهه.

أداء فائق الجودة

الكلام بمناسبة أن مياها كثيرة جرت فى قلب المشهد الدرامى الرمضانى 2016، وعلى قدر نضج كثير من الأعمال المصرية، ومنها على سبيل المثال وليس الحصر «ونوس – القيصر – شهادة ميلاد – فوق مستوى الشبهات – أفراح القبة – جراند أوتيل» والعملين الآخريين مشهود لهما بالنضج والكفاءة من حيث التشويق والإثارة كأعمال اجتماعية تعنى بالمكان والزمان، فضلا عن الأداء فائق الجودة فى «أفراح القبة» لكل من «جمال سليمان - منى زكى – صابرين – صبا مبارك – إياد نصار – سوسن بدر- صبرى فواز – محمد الشرنوبي»، حين عزفوا لنا سيمفونية من الأداء العذب المستمد من أجواء «نجيب محفوظ» الشعبية الغارقة فى الواقعية ، والتى تتسم بعبق وسحر الماضى الجميل، كما سجلته بحرفية عالية كاميرا المخرج «محمد ياسين» وهو فى هذا العمل لا ينتمى لأولئك المخرجين الدراميين الذين ينطلقون من قناعاتهم بأنهم يتعاملون مع ممثلين محترفين، ويفترضون تبعاً لذلك أنهم مطالبون بتقديم أداء جيد، بل بتقديم أقصى طاقاتهم الفنية، وهذا كلام حق، لكنه لا يكفى ولا يفسر تقصير هذا الممثل أو ذاك بين وقت وآخر، لذا كان «ياسين» حريصا جدا على توجيه أداء ممثليه بما يوائم الأدوار التى يلعبونها، ولعله فى «أفراح القبة» قد ذهب نحو مقاربة العلاقة بين أداء الممثل وبين المناخ الدرامى الذى ينقله للمشاهد، وتلك مسألة تحتاج تقديم «تفسير» حقيقى لهذه الشخصية أو تلك، وحتى تقديم إشارات لعوالمها، وما يمكن أن تحمله للعمل ككل ومن ثم للمشاهد بعد ذلك، وهى مهمة تتجاوز ما يعتقده بعض المخرجين من فكرة الإكتفاء باحتراف الممثل وخبرته وشهرته.

أما فى «جراند أوتيل» الذى اقتبسه مؤلفه «تامر حبيب» عن عمل اسبانى بذات الاسم، فإنه يأتى على غرار الصورة الدرامية المنشودة، إذ يوفر قدرا من التخيل والافتتان بالطبيعة الأسوانية، وبسحر الحياة المصرية فى منتصف القرن الماضي، وساعده المخرج «محمد شاكر خضير» فى إبراز حالة الافتتان تلك، مستخدما نوعا من الإبهار البصرى الخلاب، ونجح فى أن يمنح عين المشاهد أفق قراءة مختلفة عن مجتمع الخمسينات، والذى عرف بتمايزه الطبقي، لكنه كان مشحونا فى الوقت ذاته بروح الإنسانية والرحمة، كما يبدو فى حركة الكاميرا التى ركزت على جماليات المدن المصرية آنذاك، وما يلفت الانتباه فى هذا السياق الذى يبحث عن تشكيل مغاير لتلك الجماليات عبر طقوس الصورة التى تجمع بين «الإبهار والحساسية» أن كان هناك أداء راق جدا لكل من عمرو يوسف « على – فؤاد – أحمد» ، وأنوشا «قسمت هانم» ، وسوسن بدر، ومحمد ممدوح «الجرسون أمين» حيث قدم أروع أدوراه التى تؤكد أنه يمتلك موهبة حقيقية ينتظرها مستقبل كبير.



كوميديا القهقهة الضارة

وعلى الرغم من الجودة التى أصابت عددا آخر من المسلسلات إلا أنه مازال هنالك قدر الإسفاف الذى يجرفنا يوما تلو الآخر نحو هوة سحيقة من الابتذال بصورة أصبح فيها جزء من الدراما المصرية يسيئ للإنسان المصرى والعربى ، عندما فشل فى تحقيق رسالة الفن الذى لايضر بالناس بممارسات عجيبة لا يقبلها عقل واع أو منطق سليم، بعدما تحولت الدراما إلى مصدر ربح خرافى مثل المخدرات لمجموعة من الناس، وهؤلاء الصناع للأسف يقدمونها على أنها سلعة، على فسادها ورداءة مستواها، ومنها «بنات سوبرمان»، فضلا عن أعمال صنفت على أنها كوميدية، لكنها فى الواقع تجنح نحو الضحك المبتذل والمليء بالقهقهة الضارة، والقهقهة ليست صفة من صفات الإنسان الحضارية، وإنما صفة تتميز بها القرود فقط، لذا كان ينبغى أن يبتعد صناع هذه الدراما عن الضحكة الصفراء الكئيبة، والتى فيها صفة التشفى من الآخرين، والنيل من نقص عقلى أو جسدى ألم بهم، وهى ضحكة فيها التعالى والتسامى على الآخرين، كما جاء فى مسلسلات «زوجة مفروسة جدا - نيللى وشريهان – صد.. رد»، فبعد أن كانت الدراما المصرية والكوميدية منها على وجه التحديد فى ستينيات وسبعينيات وثمانينيات القرن الماضى وجه رائع لمصر، سواء كانت خارج الوطن أو بداخله على مستوى تقديم القضايا الحياتية المهمة، أصبحت وجبة ثقيلة الظل، ناهيك عن مفاجأة الموسم هى السقوط المدوى لـ»ليالى الحلمية» الذى لم يكن مثار اهتمام المواطن المصرى وحده حين عرض أجزائه الخمسة السابقة على شاشة التليفزيون المصرى ، بل تجاوز الأثر حدود مصر وذهب إلى كثير من دول العالم وتفاعل معه الوطن العربى بكامله، رغم أنه كانت يتحدث عن حالة مصرية خالصة، ويستعرض ما طرأ عليها من تقلبات، ومن هنا كان المسلسل سفيرا للإنتاج الدرامى فى المنطقة العربية ، لأنه باختصار عمل كان يحلق فيه الكاتب والمخرج والممثل نحو آفاق رحبة من الإبداع عبر نسيج فنى متكامل، ولعل هذا قد مثل عبئا كبيرا على كاهل البسطاء من هذا الوطن، خاصة أولئك الذين فقدوا فلذات أكبادهم فى مكافحة الإرهاب الأعمى، ومن هنا كان حريا على صناع أن يعيد الدفة نحو البطولات العسكرية - وتلك هى الفريضة الغائبة - التى سطرها شهداء الشرف والواجب على أرض سيناء فى حربنا ضد الإرهاب خلال السنوات الثلاث الماضية.



ملاحم بطولية أسطورية

نعم هذا هو الأولى بالرعاية والإنتاج لإبراز مفهوم الانتماء والدفاع عن الوطن، ومعنى وقيمة بذل الروح والدم فداء له، فكم من ملاحم غنائية ومسرحية وسينمائية سجلت أساطير العسكرية المصرية، لكن يبدو جليا ذلك القصور الكبير فى لوحة دراما «المسلسلات»، والتى تبدو فى جلها تخاصم نفس البطولات العسكرية التى ماتزال تكتب ملاحمها اليومية، ولعل أبرزها حاليا يتجلى فى مكافحة الإرهاب - كنت أتصور أن سير هؤلاء الشباب من أبناء الفلاحين والبسطاء سيلهب حماس المنتجين هذا العام بالذات – فى ظل علو شأن الجيش ومكانته على مستوى الأحداث والشخصيات الآن فى وقت تنمو فيها الدراما نموا مطردا على مستوى الإنتاج والتقنيات التى يمكن أن تجسد أروع الأعمال مستلهمة البطولات الأسطورية من رحم معارك الجيش، لكن لاتزال الدراما المصرية تغمض عينيها، وتغط فى وحل العنف والإسفاف والتردى الذى يخاصم طبيعة المجتمع المصرى بعد ثورتين ملهمتين لعب فيهما الجيش المصرى دورا بارزا فى العبور الثانى إلى شاطئ الأمان.

ومن هنا فإن تلك الأهمية القصوى للدراما التاريخية والعسكرية مرشحة الآن أكثر من أى وقت مضى لأن تستخدم على نطاق واسع فى جهود بناء الهوية الوطنية والوعى العام والدعاية السياسية، كما كانت تفعل ذلك منذ وقت بعيد، حتى قبل ظهور الراديو والتليفزيون فى مختلف أنحاء العالم، وربما يرى البعض أن مشكلة الدراما التاريخية الآن هى أن قوتها تحولت إلى نقطة ضعفها الأساسية، فالانتشار الهائل الذى تحققه الدراما التاريخية للأحداث والشخصيات التى تعالجها بين مختلف الطبقات أصبح يمثل خطرا على حقائق التاريخ، لكن الأمر يبدو مختلفا إذا ما كانت تستند إلى بطولات حقيقية، كما هى مسجلة بحروف من نور فى سجلات شرف جيش مصر على مستوى البطولات والأحداث والشخصيات التى ضربت أروع الأمثلة فى التضحية والفداء من أجل الوطن، ومنها على سبيل المثال وليس الحصر الشهداء « إبراهيم الرفاعى – إبراهيم عبد التواب – سيد زكريا خليل» وغيرهم نماذج مشرفة فى سجلات الصاعقة والمدرعات والدفاع الجوى والبحرية والجوية، وكما هو ثابت فى كتب التاريخ، ومن وحى حرب الاستنزاف وملاحم أكتوبر العظيم هناك سجل هائل يحفل بالمعجرات البطولية، فضلا عن سير شهداء اليوم من الضباط والجنود الشباب الذين سالت دمائهم الطاهرة على رمال سيناء خلال الثلاث الماضية مخلفين قصصا وحكايات تجسد «الأسطورة» الحقيقية، بعد أن أغرقها «محمد رمضان» فى براثن وحل العنف والإسفاف وتشويه شكل وملامح بطولة الفرد المطلق عندما اختصرها فى شخصية بلطجى خارج على القانون، ضاربا عرض الحائط بالعرف والمنطق والدين.



الدراما وفهم أحداث التاريخ

المناخ الآن يسمح بل يشجع على استدعاء تلك الفريضة الغائبة وإثبات حضورها فى تنمية الشعور الوطني، خاصة إنه خلال سنوات القرن العشرين تطورت أساليب البحث التاريخى وأصبحت كتابة التاريخ علما مستقلا تغيرت فلسفته، فلم تعد مهمة المؤرخ تنحصر فى سرد الأحداث سردا روائيا، فالأحداث وحدها لاتصنع التأريخ، ولكن مهمة المؤرخ أن يشرح وأن يفسر الفلسفة التى تجمع بين تلك الأحداث، وقد اقتربت الدراما أيضا من هذا المعني، فالأعمال الدرامية تضع الأحداث فى منظور له معنى يساعد المشاهدين على فهم أحداث التاريخ، وإدراك معانى البطولات، ولم يعد من الضروى أن تكتسب نفس الأحداث فى التاريخ والدراما نفس المعاني، وهنا أصبح الاختلاف حقيقة واقعة بين كتاب الدراما والمؤرخين، فالهدف عند المؤرخ هو سرد الأحداث بأكبر قدر من الدقة، أما كتاب الدراما فيبقى الهدف عندهم هو أن يشعر المشاهد من خلال شخصيات الأحداث التاريخية والعسكرية كما لو أنه عايش تلك الأحداث، وتلك غايتنا من تجسيد التاريخ العسكرى للجيش المصرى دراميا، وهذا الهدف يسمح لكتاب الدراما بالتعديل والتغيير فى بعض الأحداث، التى من شأنها إبراز أهمية مايقوم به الجيش والشرطة « ضباط – جنود – صف « عبر ما يمكن أن تقدمه إدارة الشئون المعنوية من تسهيلات ودعم فى هذا الاتجاه.

نقطة أخرى: ربما يرى البعض أن هناك أوجه شبه كثيرة بين كتاب الدراما وكتاب التاريخ، فكلاهما يسعى نحو تقديم صورة لفظية بالكلمة أو بالحوار والمناظر لواقع قد انقضي، لكن تبقى مهمة كتاب الدراما العسكرية هنا أن يقدموا ذلك الواقع بصورة لاتقل واقعية عما يشير إليه المؤرخون، والحس التاريخى مطلوب لكتاب الدراما من هذا النوع، مثلما هو شرط من شروط عمل المؤرخين، فالروايات التاريخية المقبولة تستخلص من حقائق وأحداث لو قدمت كما وقعت لما كان لها أى معني، وكتاب الدراما عليهم أن يتعلموا من المؤرخين ما سماه «كولنجوود» بـ «الخيال البناء» حيث يتعين على المؤرخ أن يستخلص معانى متكاملة من أحداث التاريخ التى تصل إليه غير كاملة ومتناثرة، والنقطة المهمة فى العمل التاريخى أو العسكرى هى أن وصف أى حدث تاريخى سواء وقع بالأمس أو منذ قرون هو فى نهاية الأمر أحد أعمال الخيال المبنى على الحس التاريخي، ذلك الحس الذى يؤكد الهوية المصرية التى ترتبط دوما بما ينجزه الجيش فى ساحات الحرب والسلم لدى أجيال من الشباب الحالي، حتى يدرك حقيقة جيشه الذى وصفه النبى عليه الصلاة السلام بخير أجناد الأرض، ومن ثم يستوجب هذا الأمر تغيير الصورة الذهنية على نحو يدرك من خلاله شبابنا تلك الحقائق المهمة عن بطولاتنا العسكرية التى يتم تدرسها فى جميع أكاديميات الدنيا.

وفى هذا المقام يجدر بنا أن نقول انه لابد أن يشارك الصحفيون المؤرخين وكتاب الدراما فى كتابة التاريخ الحقيقى للعسكرية المصرية، فأول نسخة من التاريخ تظهر على صفحات الصحف، باعتبار أن الصحافة تكتب المسودة الأولى للتاريخ، ونادرا ما تصبح النسخة النهائية، فالروايات الصحفية للتاريخ تخضع فيما بعد لأعمال المؤرخين، ولكن ذلك لايعيب عمل الصحفيين الذين هم كما وصفهم «فيليب جراهام» ناشر «واشنطون بوست» بأنهم «مؤرخون على عجل»، وهو أمر منطقى جدا، فليس للتاريخ وجه واحد حتى لدى المؤرخين، وحقائق التاريخ ليست كثيرة وليست مؤكدة، ولكن القضية تظل مطروحة بشدة حين يجترئ على التاريخ من ليس مؤهلا للتعامل معه، ومن يفتقد الحس التاريخى ومن يلوى أعناق التاريخ طبعا لأهداف سياسية أو لتحقيق جماهيرية، خاصة فيما يتعلق بحقائق البطولات العسكرية على وجه التحديد، لأن الحقيقة المرة تشير إلى أن الدراما فى العالم العربى لا تكتب التاريخ بقدر من المسئولية، حتى فى ظل تناميها المضطرد واتساع رقعة التقنيات المستخدمة فى صناعة مشاهد مبهرة، كما أن جموع الناس لا تكترث بالفروق بين مهام المؤرخين ووظيفة كتاب الدراما، والمحصلة النهائية أن الغالبية العظمى من الناس تميل إلى إدراك العالم التاريخى كما تصوره الدراما على أنه الواقع، غير عابئة بحقيقة أنه يختلف عن كثير من الحقائق التى تأتى بها كتابات المؤرخين، فالدراما طاغية وقادرة على إخضاع التاريخ لمقتضيات العمل الدرامى ومنطقها لا يقبل العكس، ولدينا قصصا وبطولات ترقى فى مستواها الدرامى إلى ما هو أسمى بكثير مما تقدمه هوليود من أفلام عنف وحرب, لاتهدف سوى تمجيد بطلها السينمائى الخارق, وعلى الرغم من أن هذا البطل الخارق اختفى, كليّا, فى الحادى عشر من سبتمبر 2001، فهوليود ترى فى هذا النوع السينمائى منجماً ذهبياً يدرّ عليها ملايين الدولارات، وإلا فما معنى إطلاقها العروض العالمية لمجموعة من الأفلام الحربية, التى تدور فى فلك تمجيد البطل, ورفع شأنه عاليا, على الشاشة الكبيرة, على نقيض الواقع المزري? وما معنى كثرة المشاريع الحربية.



أمريكا تمجد أبطالها

وبينما نحن غائبون عن تمجيد أبطالنا، تصرّ هوليوود, على تمجيد بطلها الخارق، ولا تستطيع أن تتوقف عن تقديمه, بأشكال مختلفة, وإن بدت هذه الأشكال متشابهة, لا يمكنها أن تعيد النظر, جذريا, بالصورة الخيالية التى صنعتها عنه, فهو المنقذ من الخراب الذى أصابها على الشاشة الكبيرة، أما فى الواقع, فالمشهد مرعب للغاية: اختفى أبطالها الخارقون, لحظة الهجوم الانتحارى عليها، مع هذا, لا تريد هوليود (تصديق) الغياب المطلق لأبطالها المزعومين، ها هى تعيد طرحهم مجددّا, تعيد النبض إلى أجسادهم والروح إلى ذواتهم, إنها تعيد أيضاً تصوير أمجادهم وبطولاتهم، فى المقابل يستمرّ البطل الأمريكى نفسه فى تجسيد الصورة المعهودة: الفرد يثأر للجماعة، الفرد الموغل فى إنسانيته وهدوئه ومثاليته وبساطته ومحبّته للآخرين، الفرد ربّ العائلة الذى يعشق زوجته, ويحب أولاده, ولا يتردد لحظة عن إنقاذ الآخرين من الموت, مضحيا بنفسه وروحه, إذا لزم الأمر (غير أن هوليود تتحاشى موته على الشاشة, كى لا تجرح مشاعر جمهورها الأمريكي, تحديدا), الفرد الوطنى المؤمن بعدالة أمّته وشرعية الحلم والتفرّد الأمريكيي، بينما نحن لا نتورع عن قتله بأبشع الصور، وتغالى الكاميرا فى تجليها المرعب بعمل «كلوز أب» عليه غارقا ملابسه غير مبالين بتلك المعانى والدلات التى تأتى فى إطار ممارستنا لطقس عادى جدا من طقوسنا اليومية.

بعد ما مضى، أرجو من كتابنا الشباب الذين قدموا أعمالا حظيت بالمشاهدة العالية خلال هذا الموسم إلى النظر بعين الاهتمام نحو بطولاتنا العسكرية التى تزين صفحات التاريخ المصرى القديم والحديث بأروع الأمثلة فى التضحية والفداء، منذ فجر التاريخ كما هى مسجلة بحروف من نور فى «حرب التوحيد» عقب بناء الملك الفرعونى «زوسر» أول جيش نظامى فى التاريخ، مرورا بمعركة «مجدو» فى عام 1468ق.م، فى عهد «تحتمس الثالث» أعظم ملوك مصر القديمة وأقدر قادتها العسكريين والسياسيين، معركة «قادش» بقيادة «رمسيس الثاني»، أشهر ملوك مصر على الإطلاق، ومؤسس الامبراطورية الثانية فى تاريخ مصر القديمة، معركة «حطين» حين كانت مصر حصن المسلمين وقلعتهم، وأصبح جيشها درع وسيف الأمة الإسلامية، «معركة المنصورة» التى طردت الصليبيين من الشرق كله حين التحم فيها المقاتلون مع أفراد الشعب وأنزلوا بالفرنجة أبلغ الخسائر، بل وأخذ الملك لويس التاسع ملك فرنسا أسيراً،»عين جالوت» التى حسمت فيها شجاعة جيش المصريين وحكمة قادتهم المعركة، وانقشع غبارها على جثث معظم جيش التتار الذى ذاق طعم الهزيمة لأول مرة، «معركة كفر الدوار» التى استمات فيها أحمد عرابى مع جنوده ضد الإنجليز، ولم تستطع القوات البريطانية دخول مصر من جهة الغرب بعد احتلالها الاسكندرية، « معركة التل الكبير» التى قال عنها الجنرال «جارنت ولسلي» قائد القوات البريطانية: إن معركة التل الكبير كانت مثالا نموذحيا لمناورة تم التخطيط الجيد لها مسبقاً فى لندن وكان التنفيذ مطابقاً تماماً كما لو كان الأمر كله لعبة حرب، إلا أنه أردف أن المصريين «أبلوا بلاء حسناً» كما تشير خسائر الجيش البريطاني، «معركة المورة» باليونان 1824 م، حين كان جيش مصر هو قوة العثمانيين الضاربة فى المهام الصعبة، «معركة عكا 1831»، وفيها أعظم الحصون تفتح أبوابها أمام الجيش المصري، «معركة قونية 1832م» والتى كان فيها الجيش المصرى على أعتاب الآستانة.



سجل أكتوبر المجيد

إذن لسنا بحاجة إلى البحث طويلا، ففى حرب أكتوبر 1973م، أعظم البطولات العربية فى التاريخ الحديث، ومن قبلها حظى سجل حرب الاستنزاف، بالعديد من بطولات فردية وجماعية للقوات البرية والبحرية والجوية والدفاع الجوى، التى تستحق الاهتمام، كما تزخر صفحات التاريخ ببطولات لرجال مجهولين لم تسلط عليهم الأضواء بالقدر الواجب، لكن أدوارهم وبطولاتهم كان لها تأثير كبير فى مجرى التاريخ وتحولات الأحداث، ولم يعرف الناس عنهم الكثير إلا ربما بعد رحيلهم بسنوات عندما يتحدث عنهم المؤرخون المنصفون.

وعليه, فإنه فى ظل تطور صناعة الدراما المصرية الآن ، والتى تحولت الى ظاهرة رمضانية بامتياز، وتحرك دورتها الانتاجية ملايين الدولارات، يبقى على عاتق صناعها مسئولية تقديم تلك بطولات العسكرية كنوع من تطهير البيئة الفاسدة التى أصبحت مرتعا للفوضى والعشوائية وضياع الهوية، ولعل فى انجازات وبطولات الجيش المصرى الكثير من العبر للحفاظ على الهوية الوطنية المستمدة من دروس الحرب والسلم ومواجهة الإرهاب حاليا، وهى كفيلة بأن ترسخ فى الذاكرة الشبابية أسطورة جيش مصر الوطنى الذى انحاز للشعب منذ فجر التاريخ ويقدم شهداءه حتى اليوم، بل يضع كافة أفراده أنفسهم كشهداء تحت الطلب، حفاظا على تراب هذا الوطن الذى يتعرض لأكبر مؤامرة فى التاريخ فى معركة الصراع على الأرض والعرض والدين والهوية.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق