رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

أوروبا.. شبح التفكيك

نتيجة الاستفتاء التى أعلنت انتصار مؤيدى خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبى كانت حدثاً مدوياً، بل وصفه البعض بأنه زلزال سوف يهز المجتمع الدولى ويقوض أركانه. وأظن أن هذا الوصف جاء نتيجة الاستنفار العام حيث أطلق قادة أمريكا وأوروبا تحذيرات وتهديدات شتى لردع الشعب الإنجليزى عن الاتجاه إلى الخروج. فقد حذرهم أوباما من العواقب الوخيمة على بلادهم إذا اختاروا الخروج، ودعاهم أولاند إلى اتباع ما سماه صوت العقل، نزلت ميركل بكل ثقلها لتأييد رئيس الوزرء كاميرون الذى يدعو للبقاء. وبالرغم من كل ذلك اختار الإنجليز الخروج. انتهت إذن صيحات التحذير وبدأت محاولات التفسير.

وحين نتابع ردود الأفعال السياسية والإعلامية نجد أن التفسير السياسى هو السائد. هذا التفسير يرى أن المشكلات التى تواجهها أوروبا وبوجه خاص تدفق الهجرة قد أجج النعرات العنصرية وأحيا من جديد النزعة القومية. أى باختصار تُعد نتيجة الاستفتاء انتصاراً لليمين واليمين المتطرف، ومظهراً لنزعة رجعية تنفر من التقدم وتستسلم للحنين إلى الماضي. ونجد تفسيراً آخر يميل إلى حصر المسألة فى مزاج الشعب الإنجليزى نفسه، فهو منذ بداية المشروع الأوروبى وهو متردد، ويتبنى مواقف ملتبسة، إذ لم يتخذ موقفاً واضحاً برفض الانضمام كما هو حال سويسرا والنرويج، ولكنه قرر الانضمام. وظل طول الوقت يبحث لنفسه عن وضع خاص. وقد رفض من قبل تبنى مشروع العملة الموحدة وأبقى على الجنيه الاسترليني، كما رفض الدخول فى اتفاقية شينجن التى تتبنى مبدأ الانتقال الحر للأفراد بين دول الاتحاد.

وهناك من يذكرنا بموقف الجنرال ديجول فى بداية الستينيات، فقد كان يرى أنه من الصعب أن تندمج إنجلترا فى وحدة مع بقية دول القارة نظراً لأنها جزيرة منفصلة عن القارة، وصلاتها بالبلدان خارج أوروبا آكثر من صلاتها بالبلدان داخل القارة العجوز. وهكذا فإن بريطانيا سوف تكون داخل الاتحاد الأوروبى فى وضع قلق، وعاجلاً أو آجلاً سوف تخرج وتغلق الباب وراءها.

ولكن هذا التفسير أيضاً ليس كافياً، لأن الأمر لا يخص إنجلترا وحدها، بل أصبح شعوراً عاماً فى أغلب البلدان الأوروبية. ويكفى لإدراك ذلك أن نقارن بين حالة الحماس التى واكبت بدايات تأسيس الاتحاد الأوروبى واليوتوبيا التى استوطنت العقول أيامها عن التقدم باتجاه مزيد من الحرية والعدالة، والشعور الحالى الذى يسود بلدان أوروبا والذى يقدم كشف حساب سلبى للسياسة الاقتصادية للاتحاد الأوروبى التى تضر قطاعات عريضة من السكان وخصوصا الطبقات الشعبية.

وهنا نجد المجال قد انفتح أمام تفسير آخر وهو التفسير الاجتماعى ولا نقول الاقتصادى لأن الامر هنا يتعلق بالبحث عن أثر السياسة الاقتصادية المتبناة على القوى الاجتماعية. فرغم أن الاتحاد الأوروبى يبدو وكأنه يعمل بطريقة ديمقراطية، فهناك مجلس أوروبى وبرلمان منتخب وقرارات يتم التصويت عليها، إلا أن الجميع يدرك أن هذه المؤسسات بلا فاعلية. والقرارات الحقيقية تصدر فى بروكسل، حيث يوجد مقر المجموعة الأوروبية ويتخذها مجموعة من رجال المال والصناعة ووزراء الاقتصاد. وهذا الأمر أدركه العمال الذين تغلق مصانعهم، وصغار المنتجين التى ترفض منتجاتهم مثل الألبان والمربي، والفلاحون الذين يلقون بمحصولهم على قارعة الطريق نظراً لأن سياسة الاستيراد فى عموم أوروبا تقررها بروكسل.

كل هؤلاء المنتجين يدركون أنهم بلا حيلة، فلن تجدى الشكوى للبرلمان الأوروبى لأنه ليس بإمكانه توجيه المسارات الاقتصادية.

ونتيجة لهذه السياسات زادت معدلات البطالة وقلت الضمانات الاجتماعية ولم يعد هناك ميل لإنجاب الأطفال نظراً لصعوبة أن يكون المرء عائلاً فى هذه الظروف، مما أدى إلى شيخوخة المجتمع. وكان يمكن أن نتصور أنه بوسع الحكومات المحلية أن تجد علاجاً لكل هذه الأخطار ولكن العملة الموحدة قللت كثيراً من هذا الهامش بالإضافة إلى الأوامر الصارمة اتى يفرضها الاتحاد الأوروبى على المجتمعات التى تعاني، كما رأينا فى حالة اليونان.

لو رجعنا إلى عام ٢٠٠٥ وهو العام الذى رفض فيه الشعب الفرنسى الدستور الأوروبى الموحد فى استفتاء عام لوجدنا أن الرافضين كانوا من العمال والفلاحين وصغار الموظفين والعاطلين عن العمل، أما الذين وافقوا فكانوا رجال السياسة ورجال المال وكبار موظفى الدولة وكذلك الطلاب الذين يحدوهم الأمل فى الترقى الاجتماعى على حساب الطبقات الشعبية.

وهكذا نجد أنفسنا أمام وضع غريب، فاليمين واليسار التقليديان وأحزابهما يؤيدون الاستمرار فى الإتحاد الأوروبى ويوجهون جهودهم لوقف الهجرة ودرء الخطر الإسلامي! ولكن لا جهود تذكر فى مجال إدماج الشباب ورفع الأجور وتحسين التأمينات الاجتماعية.

وهكذا نجد أن القاعدة الشعبية لليسار هى التى ترفض الانخراط فى سياسات الاتحاد الأوروبى وذلك لسبب بديهى وهو الأثار المدمرة على الحياة الاجتماعية التى يسببها تبنى الليبرالية الجديدة. لا أتصور أن الاتحاد الأوروبى يمكنه أن يتجنب شبح التفكيك إلا بمراجعة سياسته الاقتصادية.


لمزيد من مقالات د.انور مغيث

رابط دائم: