رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

تحالفات التطرف تدير الثقافة

عبر جملة صادمة، يصف أحدهم ثورة الثلاثين من يونيو بالنكسة! ويعلن أنها أسوأ من نكسة 67!، لكن المخزى أن الجملة الموتورة لم تصدر من قيادى متطرف فيما يسمى تحالف دعم الشرعية الإرهابي، بل صدرت من مثقف من ذلك الصنف الذى ابتليت به الثقافة المصرية فى الآونة الأخيرة، حيث نشهد الآن قطاعا من المتثاقفين الذين يختلط لديهم الوعى بمعنى العقل النقدى للمثقف، والاصطفاف مع جماعات التطرف والإرهاب، وبما يعنى أننا أمام حال من التعاسة الفكرية من جهة، وبؤس المشهد الثقافى الرسمى من جهة ثانية، فصاحبها يرأس تحرير إحدى السلاسل الإبداعية فى الهيئة المصرية العامة للكتاب، واللافت أن بعض التغييرات التى صنعتها الهيئة فى الآونة الأخيرة، لا تنم فقط عن وعى قديم، أو خيال فقير فحسب، بل الكارثة أنها تحوى فى بعضها تكريسا لمجموعات من مشايعى التطرف، وداعمى التيارات الدينية المتشددة عبر الرطان التحريضى الداعم لمواقف الجماعات الإرهابية المعادية لمفهوم الدولة الوطنية، ومكوناتها المركزية. وفى ظل حال من الالتباس ما بين دور العقل النقدى للمثقف والذى لا يمتلكه هؤلاء، وما بين تشكيل موقف متعصب داعم للإرهاب وجماعاته الدينية المتطرفة، يتشكل جزء من مشهد الثقافة الرسمية الآن فى مصر تحت سمع وبصر الوزارة وهيئتها، وبما يعنى أن صناعة العقل العام فى مصر صناعة عشوائية بامتياز، وبما يعزز غياب البوصلة المركزية لدى المثقف الذى يجب أن يعبر عن ضمير ناسه، لا أن يزايد على الجماهير الهادرة التى خرجت فى الثلاثين من يونيو.

إن المثقف الذى يجب أن يكون أعلى تمثيلات الحقيقة بتوصيف المفكر إدوارد سعيد يؤمم معنى وجوده الآن لصالح بطولته الكلامية الزائفة، فيرفع راية النضال الوهمى بيد، بينما يستجدى باليد الأخرى هبات المؤسسة وعطاياها، وهذه المفارقة فضلا عما تنطوى عليه من تدليس، فإنها تكشف عن أشباه مثقفين، وأنصاف مبدعين، أما عن الثقافة الرسمية ووزارتها وهيئة كتابها التى تحتضن أمثال هؤلاء فإن حالها من حالهم، وربما أسوأ، لأنها منحتهم فرصة التشفى فى الثورة، والتشفى فى الوطن.فى زمن مبارك.

وفى لحظة ثقافية كرنفالية صاخبة، كان كل شيء معدا لاستقبال الروائى الكبير صنع الله إبراهيم، ليحصل على جائزة ملتقى القاهرة للإبداع الروائى العربي، فى واحدة من أهم الفعاليات فى تاريخ الثقافة العربية المعاصرة، وجلس الموظفون الرسميون الكبار فى الصفوف الأولى يتقدمهم الوزير وأمينه العام للمجلس الأعلى للثقافة، صعد صنع الله ومعه تاريخ من الموهبة والوهج والنضال، فألقى كلمة تاريخية بامتياز، معبرا عن موقفه الرافض لاستلام الجائزة بحيثيات تعبر عن قناعاته الفكرية والسياسية وتتسق معها، وحين قامت ثورتا يناير ويونيو كان الكاتب المناضل ضمن الطليعة الثورية التى آمنت بالتغيير من الكتاب والمثقفين، ورفضت الاستبداد بتنويعاته السياسية والدينية، يضفى العقل النقدى للمثقف إذن حيوية على المشهد العام، هكذا عرفنا المثقف، وهكذا كانت صورته التى تشكلت عبر عقود منذ طه حسين وتوفيق الحكيم ومحمد مندور ونجيب محفوظ وغيرهم من آباء الثقافة المصرية.

وتتحقق الكارثة حين يفتقر المثقف لأبجديات الوعى فيما يخص المفاهيم الكلية، والمقولات الكبري، وبدلا من أن يكون عينة ممثلة لجمهوره، يصبح ابنا للوعى الزائف، ليجد نفسه فى آخر الشوط بين سدنة التطرف والإرهاب.

ومن عجب الدنيا أن يكون على رأس الوزارة الآن كاتب قضى ردحا من عمره فى مجابهة الإسلام السياسى وجماعاته المتشددة، ثم نرى هذا الحضور الكثيف لمشايعى الإرهاب والتطرف داخل أروقة الثقافة الرسمية وفى هيئاتها المختلفة، إلى الحد الذى رأينا مؤتمرا أدبيا تنظمه إحدى هيئات الوزارة يسيطر عليه بعض مشايعى الإخوان، مما دفع الوزير نفسه إلى عدم حضوره، بعد أن كشف أحد المواقع الإخبارية عن جوهر المؤتمر، وإن ظلت الفكرة الأساسية فيمن دعا؟ ومن نظم المؤتمر؟ وهى أسئلة تقودك على الفور إلى أن هناك حالة من الارتباك، وعدم تقدير المسئولية، يهيمنان على الفضاء العام للوزارة. وبدلا من أن تتقدم الثقافة بمضاء حقيقى لتخوض معركة الأمة المصرية ضد تغول الجماعات المتشددة، نراها غارقة تحت سطوة تحالفات التطرف التى تجرى الآن على قدم وساق، وأزعم أن التاريخ لن يرحم صناع هذه الكارثة، ولا حتى شهودها، مثلما لن يقف التاريخ أمام فيالق الحمقى التى تهذى كل مساء لتسب الثورة وجماهيرها، وتعلن فى استعلاء مفتعل أنها أكثر فظاعة من النكسة!!.إن الروح الصغيرة التى باتت تهيمن على جانب من المجال العام، وتحاول إسكات كل المناضلين ضد تحالف الفساد والإرهاب، وعلاقة الجماعات الدينية بمراكز الاستعمار الجديد، تنشط الآن، وتقدم نفسها بوصفها قادرة على خلق سياق ثقافى جديد، لكنها فى حقيقة الأمر تصادر معنى الثقافة وتختزلها لصالح الماضى من جهة، ولصالح جيتوهات الفساد المنتشرة من جهة ثانية.
وبعد.. كان من الأجدى أن تقدم وزارة الثقافة مشروعا ثقافيا وطنيا خلاقا، يعيد الاعتبار للقوة الناعمة ، ويستعيد للمثقف دوره العضوي، فتصبح الثقافة قيمة مضافة إلى متن الدولة المصرية، ومفهوم الدولة الوطنية التى يحولها البعض الآن داخل الثقافة الرسمية إلى نكتة هزلية إما لجهلهم، وإما لرغبتهم فى مزيد من المزايدة التى باتت تجر خلفها مزيدا من المكاسب الرخيصة، وإما للأمرين معا.


لمزيد من مقالات د.يسرى عبد الله

رابط دائم: