رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

تقرير لم نسمع عنه!

فى يناير الماضي، أصدرت مجموعة مصرفية شهيرة تقريرا ضخما عن المخاطر السياسية العالمية نال اهتماما فى دوائر السياسة والاقتصاد والمال- خارج الشرق الأوسط بالتأكيد- حذر من نوع جديد من المخاطر تتجمع معا لتشكل اتجاها جديدا للسياسة العالمية ودعا أصحاب الاستثمارات الى الانتباه الى مجموعة جديدة من المخاطر المرتبطة المخاوف الاجتماعية والاقتصادية التى تذهب الى أبعد من عالم المخاطر الجيوسياسية التقليدية. وقال التقرير إن تلك المخاوف قادرة على تعكير النشاط الاقتصادى والأسواق المالية وأن التقاء المخاطر السياسية الجديدة والقديمة يهدد بتقويض التقدم الذى تحقق من خلال تيار العولمة ويعزز من ارتفاع حدة الصراعات الدولية والتوترات داخل الدول نفسها. يسرى فى المجتمعات - حسب التقرير- شعور بأن الحكومات غير قادرة على التعامل بكفاءة مع الركود الاقتصادى الى حد كبير، بينما تعانى الطبقة الوسطى والطبقة العاملة من زيادة عدم المساواة وقلة فرص العمل الجيدة وهو ما يدفعهم، بشكل مطرد الى انتقاد العولمة. توقع التقرير أن تؤثر الأحداث السياسية على أسعار السلع الأساسية، فى حين سيؤدى التوتر بسبب تزايد العقوبات الناجمة عن فشل الدبلوماسية وارتفاع مستويات الحمائية الى انخفاض مستويات التجارة، ومن المرجح أن يؤثر كل ماسبق على النمو والتجارة العالمية.

عدت الى التقرير بعد تصويت بريطانيا على الخروج من الاتحاد الأوروبى فى حدث تاريخى مفاجيء فوجدت أنه قد حدد «أربع نقاط ساخنة» يرى أنها تمزج ما بين المخاطر الاجتماعية والاقتصادية والجيوسياسية التقليدية والجديدة هي: عودة أزمة اليورو، الاضطرابات المستمرة فى الشرق الأوسط، والاحتكاك بين العمالقة فى اسيا، وتداعيات النظام الجديد للنفط. الأهم هو تطابق العنوان الفرعى للتقرير «التلاقى الجديد بين المخاطر الجيوسياسية ومخاطر الأصوات الشعبية Vox Populi ولماذا ذلك مهم؟» مع تطورات ما يجرى فى بريطانيا من تصويت تسبب فى انقسام المجتمع وارتفاع درجة التوتر بين لندن وبروكسل وتهديد حركة الأموال والتجارة العالمية بعد بعثرة أوراق الوحدة الأوروبية وصعود المد الجماهيرى (أصوات الشعب) سواء اليمينى الرافض للمهاجرين وفتح الحدود أو الأصوات الرافضة لاستمرار غياب العدالة الاجتماعية والمساواة فى فرص العمل فى أوساط الطبقات الفقيرة والعمالية (أغلبها صوت فى بريطانيا لمصلحة الخروج من الاتحاد الأوروبي).

وحدد التقرير المخاطر التى ستتعرض لها الأنظمة الديمقراطية الأكثر تقدما بسبب تصاعد الموجة الشعبية الرافضة للأوضاع القائمة وهي، خطر انتخابي، وخطر الديمقراطية الغوغائية الفجائية (الاحتجاجات الحاشدة)، وخطر الاستفتاءات، ومخاطر جيوسياسية. مما يجرى فى موسم الانتخابات الرئاسية فى الولايات المتحدة ومن زلزال الاستفتاء فى بريطانيا نجد أن المخاطر الأربعة تتجسد معاً وتفسر الضغوط الشعبية التى تؤدى الى صعود دونالد ترامب المرشح الجمهورى والظهور القوى لمرشح من خارج التيار الرئيسى فى الحزب الديمقراطى (بيرنى ساندرز)، ويفسر أيضا قدرة الحملة الداعمة لخروج بريطانيا Brexit Campaign على هزيمة التيار المؤيد لبقاء المملكة المتحدة رغم دعم الحزبين الكبيرين المحافظين والعمال للاستمرار فى الوحدة الأوروبية. ويحمل كتاب التقرير نقدا لصناع السياسات الوطنية والدولية حيث يرى أنهم يعتمدون على سياسات قصيرة الأجل وادارة الأزمات وفقا لرد الفعل فيما توجد حالات نادرة لمسألة الصبر على اتباع سياسات متأنية للاصلاح السياسى والهيكلة الاقتصادية الناجحة.

قيمة مثل تلك التقارير التى لا نسمع عنها، ولا توجد جهات رسمية أو غير رسمية تعكف على متابعتها ودراستها فى بلد مثل مصر، أنها توفر لنا مؤشرات واتجاهات عن حالة التفاعل فى المجتمعات الأكثر تقدما وتأثيراتها المستقبلية على مجتمعاتنا وامكانية انتقال عدوى التغيير فى قضايا بعينها مثلما حدث فى تأثيرات وسائل التواصل الاجتماعى قبل سنوات وانتقال الجماهير الى مواقع أكثر تفاعلا فيما بينهم دون أن تلاحظ السلطة السياسية حجم التغيير الحاصل.

فى دول العالم النامي، على سبيل المثال، تأخذ الاتجاهات السابق الاشارة أشكالا مختلفة فى ظل أزمات عديدة فى بنية الأنظمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية وربما نشهد تأثيرات للموجة «الشعوبية» الرافضة للسياسات المستقرة فى الدول الغربية فى مجتمعاتنا فى صورة احتجاجات على السياسات المطبقة فى مناح كثيرة مثل طريقة تقديم الخدمات العامة أو كفاءة النظام التعليمى أو الأنظمة الضريبية وغيرها من القضايا. وربما نرى ردة أكبر فى التعامل مع موجة رفض المهاجرين فى مجتمعات أخرى وزيادة مساحات التشدد الدينى أو الشعور القومى فى بعض المجتمعات وهو ما يستوجب بناء سيناريوهات لا تنتظر حسم المعارك السياسية والفكرية فى العالم الأول ولكن استيعاب درس عدم البقاء أسرى لما يجرى فى تلك المجتمعات من تفاعلات الكلمة العليا فيها للأصوات الشعبية الرافضة لممارسات النظام الرأسمالى العالمى أو منتجات تجربة العولمة التى اكتسحت العالم فى العقدين الأخيرين.

العالم الأول يعلم أن التفاعلات الحالية ستقود الى تغييرات حتمية ونتائج ربما غير متوقعة .. فماذا سنفعل نحن؟... سؤال صعب فى توقيت حرج لدول ومجتمعات متعبة من تقلبات السياسة وأحوال اقتصادية ليست مواتية فى معظم الأحوال!


لمزيد من مقالات عزت ابراهيم

رابط دائم: