رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

كاتم الصوت

عبد الرشيد محمودى
هذا هو السيناريو كما يتخيله أشرف عبد الغنى، وجه ملثم ومسدس طويل الماسورة ورصاصة واحدة، ثم يجده أحد سكان العمارة أو أحد البوابين مطروحا على الأرض ينزف بالقرب من باب الشقة أو باب المصعد الكهربائى، أما القاتل الملثم فلا يوجد له أثر، كيف غافل البوابين عندما دخل العمارة أو عندما خرج منها؟ وكيف لم يلحظه حارس أمن السفير الذى يسكن فى الطابق السادس؟ الله أعلم اختفى كأنه تبخر.

المسدس طويل الماسورة لأن الجانى الخبيث أضاف إليه كاتما للصوت، وأطلق رصاصته الفاتكة واختفى، وهذا السيناريو يلح على أشرف منذ فترة لا يكاد يذكر متى بدأت، ولكنه يذكر البداية: النواة الأولى، فقد وجد نفسه ذات يوم لا يفتح باب شقته، ولا باب المصعد إلا نصف فتحة، ثم تكرر المشهد، وأضيفت إليه شيئا فشيئا جزئيات أخرى، الوجه الملثم، والمسدس الطويل الماسورة، والطلقة النافذة، وصار يريد التأكد قبل فتح الباب من أن اليد التى تصوب فوهة المسدس نحو رأسه أو صدره لا تنتظره، وهو يتمنى أن تسعفه سرعة البديهة، فيغلق الباب قبل انطلاق الرصاصة.

من أين له بسرعة البديهة؟ ومن يدرى ما قد يحدث لك هذه الأيام؟ التقتيل على قدم وساق فى كل مكان، روع صديقه فوزى عندما علم أنه يأتى إلى النادى سيرا على الأقدام.

ـ وفيها إيه؟

ـ مش خايف لا تطسك عربية؟ أنا دايما باجى فى عربيتى.

ـ يا أخى دى مسافة قصيرة ما تستحقش، كلها عشر دقائق.

ـ ولو إنت مش شايف الناس اللى بتسوق وهيه بتتكلم فى المحمول؟ والا سواقين الميكروباص اللى واخدين بانجو؟

فوزى عنده حق، ولكنه لا يرضى، ولا يستطيع أن يحرم نفسه من متعة السير.

كيف يحرم نفسه من متعة النظر إلى الخضرة والزهور التى مازالت تزين الحى الجميل رغم معاول الهدم والتدمير؟ وكيف يتجاهل أنواع الفراش والطيور النادرة مازالت تزور الحى رغم أنه فقد شيئا من كرم ضيافته؟ آه وكيف يتجاهل الهدهد المتوج الذى يختفى طويلا ثم يظهر فجأة كأنه يعز عليه أن يتخلى تماما عن الحى، هذا الطائر المقدس الذى حمل رسالة إلى سيدنا سليمان الحكيم، قال: «وجئتك من سبأ بنبأ يقين».

كيف لا يتوقف عندما يراه رغم السيارات والميكروباصات والمحمول والضجيج والزحام والبانجو والاغتيال بسبب أو بغير سبب؟ زيارات الطائر الجميل رحمة من السماء وهدية تقدم إلى هذا الحى الجميل قبل أن تجتث أشجاره عن آخرها وتهدم فيللاته لتفسح المكان للعمارات الشاهقة وحديد السيارات.

كلا، لا يستطيع أن يستمع إلى نصيحة صديقه المجنون الذى أصبح مثله مثل غيره لا يتحرك إلا بالسيارة، وفى يده الهاتف المحمول لا يفارقه، يراه، وهو يضعه على حافة حوض السباحة قبل أن ينزل إلى الماء، ويراه عندما يتوقف عن السباحة بين حين وآخر لينظر فى الجهاز اللعين، ومع ذلك، فقد وصلة تحذير الصديق المجنون، وهو يحرص إذن على التوقف والتلفت قبل التسابق مع السيارات المسرعة والركض إلى ذلك المنعطف، حيث ينحرف الشارع ليمتد نحو النادى، هنا على وجه التحديد زاوية الخطر.

هنا من الممكن تماما أن يدهسه سائق ميكروباص، وهو منتش بالبانجو، والمصيبة أن السائقين لا يحلو لهم الانحراف عند هذه الزاوية إلا بالقرب من الرصيف.

إلا أن توخى الحذر لا يدوم طويلا، فهو أيضا له مخدره، حدث هذا الصباح أنه كان يهم بالانحراف عند تلك الزاوية، وعندئذ فوجئ بسيارة مسرعة تمر بالقرب منه ـ كادت تحتك به ـ فأفاق مذعورا، وعندما أفاق وجمع شتات ذهنه لكى يلعن أبو السائق، كان الميكروباص اللعين يبتعد بسرعة الصاروخ، لولا رحمة السماء لكان مطروحا على الأرض أشلاء، سيقول صديقه فى النادى للمترددين على حمام السباحة: «أنا حذرته، ولكنه مغفل»، والحقيقة أن الذنب ذنبه، فذهنه يشرد أحيانا ـ يكفى أن يرى فراشة ـ فيغفل عما حوله، وهنا مكمن الخطر، وهو يعترف بينه وبين نفسه بأنه كان مذنبا فى حق نفسه عندما أتاح لسائق الميكروباص فرصة دهسه عند ذلك المنعطف، كان مستغرقا فى قصة بلقيس وسيدنا سليمان، وكان منتشيا بذلك المشهد الرائع من القصة عندما حمل الجن ملكة سبأ إلى النبى العظيم، وهمت السيدة بدخول قصره: «قيل لها ادخلى الصرح فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها، قال إنه صرح ممرد من قوارير» عندما وصل إلى تلك النقطة من السرد تسارعت دقات قلبه وصعدت الدماء ساخنة إلى رأسه، وهنا على وجه التحديد كاد الميكروباص يحتك به ويطرحه أرضا، ولولا رحمة السماء، لكان الآن فى العالم الآخر ـ وأرجح الظن أنه سيكون بين أصحاب الجحيم، وماذا عساك تظن، إذ كانت آخر فكرة تخطر على بالك قبل الوفاة هى كشف سيدة عن ساقيها؟.

وجلس على حافة حمام السباحة قبل النزول إلى الماء، الحقيقة أنه مثقل بشعور بالذنب لا يعرف سببه أو مصدره، دعنا من الفراش واللجة التى جعلت بلقيس ترفع ذيل فستانها، هناك أسباب أعمق، ما هى؟ وما سبب ذلك السيناريو الذى يلح عليك؟ الاغتيالات بمسدس كاتم للصوت أمر شائع: فى الأفلام وفى الواقع، ومطلق النار الذى يتبخر فى الهواء يهنئ نفسه ويكافئه قائده لأن «المهمة كانت نظيفة» نظيفة رغم بركة الدماء أمام باب الشقة أو باب المصعد، يا لطيف! وقد يقول له: «الحمد لله أنك عدت من المهمة سالما، ولو حدث لا قدر الله أنك قتلت، لكانت الجنة مآلك».

ولما نزل إلى الماء حيته الفتاة ذات الأم الألمانية: «جوتن مورجن»، مصرية تحب أن تجد من يبادلها الحديث بلغة أمها:

ـ لماذا لم أرك منذ فترة؟

ـ هو الكسل، ولا شىء غير ذلك

ـ ولكن التعرض لنور الشمس مفيد لك، تأخذ منه فيتامين دال ثلاثة.

ـ أعرف ذلك، ولكن الحقيقة هى أننى أفضل السير و...

ويتوقف يود لو أنه حدثها عن حبه للشجر، والفراش، والطيور، والجنة التى ستزال.

ولكنها قد تظن به الظنون، فيتوقف.

عبارات قليلة وتنتهى القصة، ولكن القصة تلفت نظر فوزى ورفاقه فى حمام السباحة، يأتون لا للسباحة، ولكن للبلبطة أحيانا ولمناقشة الأسعار والسياسة معظم الوقت، وبعضهم يطلب قهوة ويشربها واقفا فى الماء، والدكتور زين صاحب الكرش الضخم لا يطيب له رشف القهوة وتدخين السيجارة إلا وهو واقف عند حافة الحوض، القصة تلفت نظرهم لأنه لا ينضم إليهم ولا يحادث إلا الفتيات، وتلفت نظر السيدة التى تنزل إلى الماء فى كامل ملابسها السوداء مغطاة من قمة الرأس إلى إخمص القدم، القدمان فى جورب وحذاء أسودين. واليدان فى قفاز أسود، ولا يظهر من وجه السيدة إلا عيناها الواسعتان فوق اللثام الأسود.

والقصة على هذا النحو توقظ شعوره بالذنب، وتذكره بالماسورة الطويلة وكاتم الصوت، لماذا يشعر بالذنب؟ وهو يتقصى جرائمه، ويبدو أنها كثيرة، إنه يحرر فى مجلة «الصباح» ركنا للعشاق، يستقبل فيه رسائل القراء المحبين ويرد عليها، كيف يحق له ذلك، وهو أعزب وخط المشيب فوديه، ولا يعرف له حتى اليوم نجاحا مع الجنس الآخر؟ والأسوأ من ذلك أنه مزيف: يفبرك رسائل الحب عندما لا يأتيه منها ما يكفى لملء المساحة المخصصة لركنه، وأداء دور طبيب القلوب فى الصحافة المكتوبة مسألة عفى عليها الزمان على أى حال، الشباب لا يستشيرون اليوم أحدا، ويتبادلون الرسائل الغرامية، وما هو أسوأ عن طريق المحمول ووسائل التواصل الاجتماعى، وهو يكتب قصصا قصيرة، ويعجز تماما عن كتابة الرواية، فى حين أن الكل ـ الذكور والإناث، والمثقفين وغير المثقفين ـ يكتب الرواية بسهولة وبغزارة، لماذا لا يجد لديه ما يكفى من الحكايات والكلام؟ لماذا تنتهى قصصه بسرعة وينقطع تيار السرد فجأة ودون سبب واضح؟ ما سر قصوره؟.

كلا. كلا. يجب أن تغوص إلى ما هو أعمق، انظر إلى الوضع الاقتصادى والاجتماعى، أنت إنسان محظوظ بطريقة غير عادية ـ شاذة ـ فى محيط من الاحتياج والمحتاجين، ثروتك لم تعرق فى جمعها، بل ورثتها عن أمك بعد أن ورثتها عن أبيك، وهى تغنيك عن البحث عن عمل وأجر، وتستطيع إذن أن تتجول وتتسكع هنا وهناك وتسافر إلى أوروبا، ولعلك تطارد فتاة هنا أو هناك بحثا عن قصة، ولديك وقت يسمح لك بتأمل الشجر، والفراش، والطيور المقيم منها والمهاجر، وتستطيع أن تطرب لمرأى البحر والسنونو، ويا ليتك كنت شاعرا تتغنى بهذه الأعاجيب، إذن لكان لحياتك ما يبررها. القصة القصيرة تغمغم وتهمس، أما القصيدة فهى إذا شاءت خرير الماء، وهى إذا شاءت هزيم الرعد، ولكنك لست بشاعر ولا روائى، زينب الشغالة تكرهك وتحقد عليك، لابد أنها تغلى بالحقد عندما ترى فى الثلاجة ما تشتريه من كميات الطعام والحلوى ـ كل ذلك لشخص واحد، لا زوجة ولا ولد، وهى تمد يدها أحيانا، فتأخذ قطعة من الجبن المستورد، لا بأس، لا تقلقنى هذه السرقات البسيطة، ولكن ما يدعو إلى الابتسام أنها لا تقرب الجبن المحلى، كل ما هو محلى فى مأمن من يدها، ولابد أنها تزداد حنقا عندما ترى الشيكولاتة السويسرية، الشيكولاتة التى لم يكن كلبك يأكل غيرها، احمد الله أنها تكتفى بالسرقة ولا تريد قتلك.

وكانت الفتاة ذات الأم الألمانية على وشك الخروج من الماء، عندما لوحت بيدها لتودعه إلى اللقاء: «آرف قيدر زيهن»، أليس من عجائب الدهر أنها ترتدى مايوه بكينى؟ كيف تراه السيدة المغطاة بالسواد؟ هذا صباح مشرق، فلم الشعور بالذنب؟ ذات يوم مشمس فى هامبورج كان هو وصديقته الألمانية يتقدمان أبويها يدا فى يد، وتلك المسيرة فى الشارع المشمس غير بعيد من الميناء والسفن الراسية وطيور السنونو النزقة والبحر الممتد، هى لحظة من لحظات السعادة التى لا يجود بها الزمان إلا نادرا، وقد جاد بها، ولكنها كانت قصيرة عابرة، تركها تفلت من بين يديه، فعندما اقتحمت صاحبة البيت غرفة الفتاة ورأتهما معا انحسرت عنهما أوراق الفردوس، وبان عجزه، كانت تلكما العينين مسددتين نحوهما، ساعتها تمنى الموت، شعر أنه يستحق القتل، فرت السعادة وكانت بين يديه، والعيون تطلق الرصاص أحيانا، وليس للطلقة عندئذ صوت.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق