رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

عفوا ... ألم تكن ثورة ؟!

قبل 30 يونيو 2013 ، كنّا نعتصم بوزارة الثقافة المصرية رفضاً من طليعة الإبداع المصري لحكم التنظيم عبر مندوب له في قصر رئاسة جمهورية مصر العربية. حتى كان يوم 16 يونيو من ذات الشهر وقرر مندوب التنظيم في الرئاسة أن يلقي كلمة في الصالة المغطاة بين أهله وعشيرته، كانت الوجوه التي اخترقت جرثومة التنظيم وعيها تهتف، وكان كرهاً عميقاً من الهتاف يقطر، وكان خوفاً في فؤادي يدب، وكان أن خرجت من وزارة الثقافة قاصداً مكاناً أهدأ لأسمع فيه ما سيقول (مرسي)، وكان أن عدت سريعاً إلى مقر الاعتصام هرباً من طوفان من أعلنوها مدوية (الجهاد سبيلنا) دون أن يحددوا ضد من سيكون جهادهم، وبالتأكيد حين يأتي قرار التنظيم باستخدام القوة (وقت لا يجدي غيرها) كما قال نبيهم حسن البنا في رسائله، سيكون جهادهم ضد كل من يعارضهم.

لم يكن خوفي حينها شخصياً، غير أني ما إن اقتربت من مقر الوزارة حتى فاجأني جموع شباب الفن، وقد تحلقوا في دائرة كبيرة تعاشق فيها الفنان الشاب مع كبير السن مع محبي الثقافة مع بوابي البنايات التي تطل على نيل الزمالك، مصريون من كل الأعمار والطبقات والثقافات، مصريات لم يميزهن حجاب أو سفور، وفي منتصف الدائرة كان فنان الباليه الذي جمعني به الاعتصام للمرة الأولى (هاني حسن) يضرب الأرض بخطواته على نغمات (زوربا اليوناني)، كم أسرني (أنتوني كوين) وهو يؤدي ذات الرقصة في الفيلم؟، وكم أدهشني وهو يؤديها على مشارف السبعين من عمره فيما بعد، كانت النقلة من حديث مندوب التنظيم الرئاسي إلى خطوات الفنان هاني حسن تضرب الأرض مستحضرة تمسك زوربا بالحياة رغم كل قسوة أو قبح، تَتَابع إيقاع طرق راقص البالية على الأسفلت، طبول مقاومة تدب في الأرواح السارحة في مصير وطن على وشك الاستلاب. واستجاب المصريون لنداء (هاني حسن) تحلق الجميع -الذين كان معظمهم لأول مرة يشاهد الرقصة- حفزهم الإيقاع وروح الفنان الثائر، دارت عيني حائرة فتلقتها عينا الراحلة الحاضرة رغم كل غياب الثائرة بغير انتظار العدسات، الكاتبة فتحية العسال، أو (ماما توحة) كما كنت أحب أن أناديها، كانت تجلس على كرسي في أحد جوانب الدائرة البشرية الراقصة، أشارت إليّ عيناها فاتجهت نظرت في عيني بقوة الأم التي تحفز بنيها على المقاومة وقالت وهي تضمني إلى صدرها (خايف من إيه يا وله، دي مصر والله في سماه مايقدروا يسرقوها مننا).

انتهت رقصات المصريين على إيقاع زوربا اليوناني، وبدأت موجات الهتاف تخرج دونما تنسيق (تحيا مصر .. يسقط يسقط حكم المرشد .. عيش حرية عدالة اجتماعية كرامة إنسانية)، وحصلتُ حينها من يقين فتحية العسال وثقة خطو هاني حسن، وثبات وجوه أهلنا المكتظة حولنا، على الجرعات اللازمة لتبديد كل قلق على هذا الوطن، وأيقنت تماما أن كل قبح التنظيم لن يستطيع أن يعكر الصفو المصري.

ثلاث سنوات مرت على ثورة المصريين الثانية، وخمس على الأولى في 25 يناير، ولم يعد عيباً أن نسأل (ألم تكن ثورة؟!).

معروف أن الثورة مخاض، ومشهور أن للمخاض آلاما، وبديهي أن للآلام قسوتها، وفطريّ أن نصبر على الألم أملاً في الميلاد، ومن خرج مُخْلِصاً يترقب مخاض المخَلِّص في 25 يناير 2011 ، صدمه كائن تنظيمي مشوَهٌ ومُشَوِه خرج من رحم يناير ليستقر على كرسي الرئاسة، ولهذا قرر من خرج مخلصاً أن يعاود طرق رحم الغد في 30 يونيو أملاً في الميلاد الذي طال انتظاره. ليتجسد في راعٍ يراعي الله إنسانية في من يرعى، ونظاماً يراعي العدالة الناجزة فيما عليه أُسْتُؤمِن، وتشريعاً يسوس الخلق بالحق ويُسايس العالم كل بنور الحقيقة، ومشروعاً وطنياً تُطرِب أنغامه الوعى.بعد ثلاث سنوات على الثورة الثانية وخمس على الأولى، لا غضاضة في السؤال (ألم تكن ثورة؟)، يطرحه الواقع تذكيراً بخريطة الطريق التي أعلنها قائد جيشنا الوطني حينها-، وصَدَقَ الشعب عليها وصَدَقَهَا، تلك الخريطة الوطنية التي تحققت كل استحقاقاتها إلا الفقرات الثامنة والتاسعة والعاشرة (وضع ميثاق شرف إعلامى يكفل حرية الإعلام ويحقق القواعد المهنية والمصداقية والحيدة وإعلاء المصلحة العليا للوطن -اتخاذ الإجراءات التنفيذية لتمكين ودمج الشباب فى مؤسسات الدولة ليكون شريكاً فى القرار كمساعدين للوزراء والمحافظين ومواقع السلطة التنفيذية المختلفة -تشكيل لجنة عليا للمصالحة الوطنية من شخصيات تتمتع بمصداقية وقبول لدى جميع النخب الوطنية وتمثل مختلف التوجهات). وبالتالي كان أن سارت الاستحقاقات جميعها (رئاسة دستور برلمان)، ولكن بقيت جميع الاستحقاقات عرضة لخطط المتربصين وعلى رأسهم الإخوان والفسدة المفسدون، وبلا رؤية إعلامية بناءة توجه العقول صوب البناء لا الهدم، وتقوم المسئول بغير محاباة ولا سفاهة، وبلا دماء جديدة تسري في شرايين الوطن التي أنهكتها جلطات كبار السن بفعل المنشطات. إن الأمانة تقتضي أن نسأل كل راع في وطننا (عفواً .. هل كانت ثورة؟) وبالتأكيد أي إجابة لا تحتكم لاستحقاقات خريطة الطريق الوطنية ستصبح محل رد، أو (محل) والسلام!

لمزيد من مقالات عبد الجليل الشرنوبى

رابط دائم: