رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

وداعا (أسرار العملاء)!!

مشكلة بسيطة فى السباكة داخل المنزل حدثت فى الصباح، طلبت على أثرها من البواب استدعاء سباك. جاء السباك وأدى عمله وانصرف فى أمان الله، وقبل الرحيل، طلبت منه رقم تليفونه المحمول حتى أستطيع الوصول إليه كلما استدعى الأمر، فما إن انتهيت من كتابة آخر رقم، حتى ظهر اسم السباك على الشاشة مسجلا عندى منذ سنوات (على مايبدو) .. يالها من مفارقة لطيفة!

حسنا، قبل الإفطار بقليل، وبينما أنا جالس أتصفح الفيسبوك لقتل الوقت، حدثت المفاجأة:

تحت البند الشهير(أشخاص قد تعرفهم)، فوجئت بصورة السباك تطل على ناظرى بدون أى أصدقاء مشتركين بيننا (بالطبع)!!

ياإلهي!! كيف عرف الفيسبوك أننى أعرف هذا الشخص؟ أو بمعنى أدق، كيف عرف الفيسبوك أننى قد تقابلت مع هذا الشخص تحديدا لتوي؟

حادثة ربما تمر مرور الكرام على كثير من الناس، ولكنها استوقفتنى بشدة؛ وأمطرت عقلى بسيل من (الهواجس) بصراحة!

فهل ثمة لغة متبادلة (خارج السيطرة) بين أجهزة التليفونات المحمولة تتداول، بحيث أنك قد لاتعرفنى و لا أعرفك، فإذا حدث وأن التقينا لمدة (معينة) أو تعارفنا قليلا، إذا بإشارة تنطلق من جهازى المحمول إلى جهازك والعكس، فيعلم الجهازان مثلا أن ثمة علاقة محتملة يجوز أن تنشأ بيننا؛ ومن ثم سرعان ما تنتقل العدوى إلى الفيسبوك؛ باعتباره الحاضن الرئيسى لهذا التطبيق العنكبوتي؟!

كنت أتصور حتى وقت قريب أن من يظهرون حديثا على الفيسبوك دون سابق معرفة هم أناس إما تربطنا بهم علاقة غير مباشرة عن طريق أصدقاء مشتركين؛ أو ـ على أقصى تقديرـ أناس نحتفظ بأرقام هواتفهم مثلا ومن ثم فهم فى دائرة معارفنا؛ أما فى حالتنا تلك، فنحن أمام رقم هاتف كان موجودا ضمن مئات أرقام، وأنا نفسى لم أفطن لوجوده على هاتفى منذ سنوات؛ فلو كان الأمر يسير بمنطق أرقام التليفونات، إذن لظهر هذا الشخص على حسابى بالفيسبوك منذ سنوات، ولكن ظهوره المفاجئ عقب اللقاء الفعلى معه مباشرة لدليل لا يستهان به أبدا على فكرة الإشارات المتبادلة بين الهواتف!

تداعت إلى ذاكرتى على الفور تداعيات مقتل الشاب الإيطالى ريجينى، وكيف (حددت) السلطات الإيطالية منطقة اختفائه؛ وكيف طلبت تفريغا لملايين المكالمات التى دارت حوله!

فما معنى تفريغ المكالمات؟

هل معنى ذلك أن (ملايين) المكالمات التى نتبادلها عبر المحمول مسجلة بالكامل ويمكن استدعاؤها من مكان ما؟ وهل معنى ذلك أن الأماكن التى زرناها وغادرناها يجوز تحديدها بأثر رجعي؟!

أعرف أنه بالإمكان (تتبع) هاتفى والاستماع إلى مكالماتى بإذن من النيابة العامة، إذا كنت محطا لاتهام؛ ولكننا بهذا الشكل بصدد الحديث حول مقدرة على استدعاء (تاريخ تحركاتي) بالكامل ومحتوى مكالماتى خلال لحظة زمنية بعينها (ربما تكون قد ولت منذ سنوات مثلا)! فأى اقتحام هذا لخصوصيات الناس؟ ثم أنه بأى حقوق إنسان يتشدقون؟

فإذا كان الأمر قاصرا على السلطات داخل وطنى، فأنا على أتم استعداد وليس لدى ما أخفيه، ولكن الخطورة تكمن فى أن سلطات ما (خارج) الوطن قادرة على تتبع الناس فى بلادنا ورصدهم على نطاق واسع ولأسباب مجهولة دون سند أو سبب منطقى (معلن) بسبب هذه الأجهزة!

تتبع الناس فى بلادنا.. أى ناس؟

فهل المقصود رجل الشارع العادي؟ أم ترى المقصود وزراء وقيادات (إلى آخره)؟

ثم أنه من هم هؤلاء تحديدا؟ هل هم أجهزة استخبارات تمتلك تقنيات ـ لا نعرفها بعد ـ تستطيع أن تخترق شبكات الهواتف على مستوى الكرة الأرضية قاطبة؟ أم تراها شركات المحمول نفسها؟ أم تراها الشركات المصنعة لأجهزة التليفون المحمول أصلا؟

وفى المقابل، ما معنى أن ترفع شركات المحمول وكذا الشركات المصنعة لأجهزة التليفون المحمول شعار (الحفاظ على أسرار العملاء) فإذا وقعت (الفاس فى الراس)، واستدعى الأمر الوقوف على معلومة بعينها لصالحهم،سرعان ما تذهب الأسرار والعملاء من قبلها إلى الجحيم؟ وإن ظل الأمر يسير فى طى الكتمان دون أدنى قدرة من جانبنا على استجلاء مداه ولو طال الزمان؛ إذ ماذا يمنع الأجهزة الاستخباراتية (معادية كانت أم غير معادية) من التعامل بشكل سرى للغاية مع إحدى هذه الشركات للحصول على معلومات دقيقة حول (العملاء)؟ لا شىء يمنع؛ (فالورق ورقنا والدفاتر دفاترنا)!!

إذن فنحن أمام حالة اختراق ممجوجة تعج بها الكرة الأرضية على نحو غير مسبوق وشديد الخطورة!!

.. ولقد ارتضينا نحن أن يعاملنا هؤلاء فى سفاراتهم على كوننا أرباب سوابق حين خضعنا لمطلبهم بضرورة الحصول على بصمات أصابع اليدين كشرط أساسى لمنحنا تأشيرات الدخول لبلدانهم، فوقفنا نبصم أمامهم كالبلهاء؛ ثم سرعان ما تطور الأمر إلى ضرورة حصولهم على بصمة العين، فوقفنا مستسلمين للكاميرات؛ ثم استجد على ذلك (حديثا) حتمية حصولهم على بصمة الصوت؛ وقريبا سيثيرون موضوع الحصول على عينة الحمض النووى (الـ DNA) ؛ ثم لا أستبعد بالمرة أن يتطور الأمر إلى حد إصرارهم على ارتدائنا حلقة ذكية على الرسغ أو الكعب بطول فترة المكوث هناك حتى يتسنى لهم متابعتنا داخل بلدانهم!! لا أستبعد!

وفى هذا السياق الممجوج، أود أن ألفت الانتباه إلى أن (جميع) شركات المحمول العاملة فى مصر قد تم ابتلاعها واحدة تلو الأخرى بواسطة شركات (متعددة الجنسيات)؛ بمعنى أن سيادتك قد أصبحت، وكذا كل خصوصياتك، فى حوزة إناس مجهولة فى مكان مجهول يعبثون بك وبها كيفما ووقتما يشاءون! وكانت تلك اخطر خطوة على درب الاختراق.

أخيرا .. نحن نعيش فرحين مغتبطين تحت وطأة (استعمار تكنولوجي) تام دون ثمة إدراك لمغبة هذا الوضع، والأمر يستدعى تفكيرا جادا فى البحث عن وسيلة تمكننا من تحرير أنفسنا من بين هذه البراثن وبأسرع وقت ممكن!

لمزيد من مقالات أشرف عـبد المنعم

رابط دائم: