رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

أعمال الخير.. هل تكفى لحل مشكلة الفقر؟

سهير غنام تصوير : السيد عبد القادر
الخير دعوة حق أمر بها الله فى قوله تعالي: «فاستبقوا الخيرات» ووعده الكريم الذى اختص به عباده الصالحين فى قوله تعالي: «من عمل صالحاً من ذكر وأنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزيهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون.».

وفى هذا الشهر الكريم تزداد أعمال الخير والبر والاحسان وكلها أفعال محمودة أمر بها الله ولكن نتمنى أن نجاهد انفسنا حتى يكون الخير طوال العام. ففى ربوع المحروسة بيننا للأسف السائل والمحروم وابن السبيل والمرضى والمساكين والمعاقين وكل من يحتاج الى نمد اليهم يد العون والمساعدة حتى يمكنهم تحمل تبعات الحياة.

‎وباتساع دعاوى الخير والاعلانات التى تدعو جمهور المصريين الى الاحسان، تصاعدت مخاوف بعض المحللين مما تمارسه بعض الاعلانات فى الفضائيات التى تطلب التبرعات بطريقة مبتذلة تلعب فيها على مشاعر الجمهور وابتزازهم عاطفياً وتستغل حاجة المرضى وانتهاك خصوصياتهم وعرضهم على شاشات التليفزيون.. وهناك كذلك هذا الكم من المسلسلت الذى يتناول قضايا الجنس والخمر والمخدرات عن قصد حتى ينشغل الناس عن خدمة الدنيا والدين والسعى على شئون الفقراء والمرضى والمحتاجين.

‎نفتح الملف داعين الله عز وجل أن نذر العبث واللهو ونتصدى لقضايا الخير والبر والاحسان ومساعدة الفقراء الحقيقيين الذين قال فيهم المولى عز وجل»للفقراء الذين احصروا فى سبيل الله لا يستطيعون ضرباً فى الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس الحافاً وما تنفقوا من خير فان الله به عليم».

........................................................................

‎يقول د. اسماعيل شاهين الأمين العام المساعد لرابطة الجامعات الاسلامية: المسلم حين يتقى الله فى رمضان، فانه لا يظلم أخاه المسلم ولا يتكلم عليه بغيبة أو نميمة ولا يتعرض لعرض أخيه المسلم ولا يأكل أموال الناس بالباطل والمسلم حين يتمكن الورع من قلبه فانه لن يجد باباً للخير الا ولجه يدفعه التقوى والورع فيسارع فيه الى بذل المال ومساعدة الضعيف ويسارع الى زيارة ذوى قرباه ليصل رحمه امتثالاً لقول الرسول من أراد أن يبارك الله له فى رزقه وينسئ له فى أجله فليصل رحمه. فصلة الرحم هى من أكثر وجوه الخير التى يجب أن يسارع المسلم اليها فى شهر مضان مما يؤدى الى وحدة الأسرة المسلمة وتجمع ذوى القربى الذى يؤدى فى النهاية الى وحدة المجتمع وهى أمور سامية ونتيجة من نتائج فعل الخير فى شهر رمضان.. ونحن نحذر هؤلاء الذين جعلوا من نهارهم نوماً وليله سهراً أمام مشاهد الفسق والفجور فى أجهزة الاعلام المختلفة . هذا طبعاً لم يستثمر رمضان بخيره ورحمته. وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال فيما رواه البخارى «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة فى أن يدع طعامه وشرابه»، كما روى ابن حيان فى صحيحه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال «ليس الصيام من الأكل والشرب وانما الصيام من اللغو والرفث» ومن ثم فعلى المسلم أن يقلع عن المعاصى فى شهر رمضان وأن يتق الله فى اقواله وأفعاله وأن يقبل على الله بفعل الخيرات وعمل الطاعات حتى يكون من الفائزين فى هذا الشهر.

البذل والعطاء

‎يقول د. أحمد كريمة: قال الله تعالي: «وافعلوا الخير لعلكم تفلحون» وقال النبى محمد «خيركم للناس أنفعكم للناس». ويتأكد هذا فى الأوقات الشريفة والأوضاع التى يكون فيها الناس فى حاجة الى اغاثة واعانة وغلاء الأسعار وقلة الاقوات وقلة الأموال. والاسلام يحض على البذل والعطاء ولا يشترط أن يكون ذلك عن وفرة مال فقد قال الله سبحانه وتعالى ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة.. وقوله: ومن يوق شح نفسه فاولئك هم المفلحون». وقد كان الصحابة رضى الله عنهم يبذلون المواساة والاعانة والاغاثة لذوى الحاجات حتى أنهم كانوا يتقاسمون طعامهم وقد أثنى رسول الله على الأشعرية قوم سيدنا أبى موسى الاشعرى فى قوله: «رحم الله الأشاعرة كانوا اذا ارملوا فى الغزو أو قل طعام عيالهم بالمدينة، جمعوا ما كان عندهم فى ثوب واحد ثم اقتسموه بينهم فى اناء واحد بالسوية فهم منى وأنا منهم». فيا ليتنا نحقق هذا النهج التكافلى الذى سنه الأشعرية وأيضاً فعله الأنصار مع المهاجرين حينما قاسموهم الأموال النقدية والعينية. وبمثل هذه السلوكيات السامية تتقدم الأمم وترقى وتسعد الانسانية فما استحق أن يولد من عاش لنفسه فقط.



‎ممارسات خاطئة

‎يقول د. حسن عماد مكاوى عميد كلية الاعلام السابق: الشعب المصرى يميل الى الخير ومتدين بالفطرة وفى شهر رمضان يزداد لديهم فعل الخيرات والتصدق باعتبار تدينهم فطرى غريزى بدون تدخل الاعلام الذى يلعب على مشاعر الجمهور ولا أتفق أبداً مع هذا الدور الذى تمارسه المؤسسات فى طريقة جمع التبرعات وأعتبره نوعاً من التسول واختراق لخصوية المرضى وتصويرهم بشكل لا يليق أبداً وآدميتهم فى سبيل الحصول على تبرعات الجمهور. هذه الاعلانات تتم بشكل مبالغ فيه خصوصاً فى شهر رمضان بشكل يبدو وكأنه الشهر الوحيد الذى يتم التصدق فيه وكلها ممارسات خاطئة باستغلال الشهر الكريم فى التعبئة.

‎مسلسلات وخيم رمضاني

‎يضيف: وبدلاً من أن يدعونا الشهر الفضيل الى مكارم الأخلاق والتمسك بالفضائل نجد البعض يستغل هذا الشهر فى المسلسلات والاعلانات والخيم الرمضانية. هذه المسلسلات التى تتناول الخمور والجنس والمخدرات عن عمد ومع سبق الاصرار، فحين تتكرر الظاهرة بنفس الأخطاء فهذا يعنى أن هناك اصرار من بعض شركات الاعلان للتدخل فى المحتوى الاعلامى وخروجه بهذا الشكل المذرى الذى لا يتناسب مع طبيعة المجتمع المصري.

‎يقول د. يسرى عبد المحسن استاذ الطب النفسي: ان فعل الخير يأتى بوازع فطرى من داخل الانسان ويتم توجيه الزكاة والصدقات الى القنوات الشرعية التى لها مصداقيتها كأن تكون حكومية مثلاً توضع فيها الصدقات والزكاة والتبرعات بشكل يحفظ على الفقراء ماء وجههم وكرامتهم.

‎يشرح: ان الشخصية المصرية تنطوى على كثير من الخير والأصالة وتبشر بالخير، لكن المظهر فهو مظهر مهلهل يشوبه كثير من الانحراف والخلل ويحتاج الى روابط وسيطرة وتفعيل القيم والمبادئ بقوة القانون من أجل اظهار المعدن الأصيل الداخلى لا بد من السيطرة على المظاهر الزائفة والمشينة والمنحرفة بتفعيل قوة القانون.

‎ضمائر خربة

‎يستنكر: ان شدة ما يحزنى ويؤسفنى مشهد تسول عمال النظافة الذين غالباً لا يؤدون واجبهم على الاطلاق ويتسكعون فى الطرقات وعلى الأرصفة بشئ من السلبية والتواكل المطلق. ومظهرهم يشوه صورة المجتمع ويسئ الى الاسلام. وشهر رمضان شهر عزة وكرامة وكفاح وهنا يجب على الدولة ألا تترك الناس يتحركوا بوازع من ضمائرهم لأنها خربة وتزداد مساحة الممارسة الشاذة بالتقليد والمحاكاه. وقبضة الدولة هى التى تحكم الأمور بالحس على العمل والاجبار ومعاقبة من يخرج عن النظام. لكن فى الوقت نفسه هناك مؤسسات محترمة فى طريقة طلب التبرعات. أما التسابق المحموم بالاعلانات المستفذة وبالذات فى شهر رمضان. فهذا شئ مهين ومنفر ويبعث على الحزن والأسي.

‎نموذج الحاجة زينب

‎تقول د. نجوى الفوال: الشعب المصرى معطاء بطبيعته، فقيم العطاء موروثة ومغروسة فينا منذ نعومة اظافرنا وكذلك الانتماء الأصيل لبلدنا الصامدة مصرنا العزيزة، وليس دليلاً على ذلك أكثر مما قامت به السيدة المصرية الأصيلة التى تبرعت بحلقها الذهب لبلدها مصر. فنموذج الحاجة زينب يعكس المعدن الأصيل للشخصية المصرية التى تعى المعنى الحقيقى لكلمة وطن وكذلك معنى العطاء والوفاء والانتماء.

‎تستنكر: لكن ما يحزنى حقاً هو القيم الهابطة والانحطاط الثقافى الذى غلب على شخصية كثير من الشباب ولكننى فى الوقت نفسه أراهن على أنهم سيعودوا الى رشدهم عندما يكبروا ويرشدوا الى أن مصر أغلى وطن ومصر أم الدنيا الى أبد الآبدين، سيما وأن هؤلاء الشباب يحملون فى جيناتهم حب مصر.

‎تشرح: ان أفعال الخير والعطاء ممتدة طوال العام وتزداد فى شهر رمضان، لكننى استنكر الطريقة التى تدعو بها بعض المؤسسات والمستشفيات والجمعيات المصريين للتبرع. فابتزاز المصريين واللعب على مشاعرهم ليست هى الطريقة المناسبة لحثهم على فعل الخير. وهذا بالطبع باستثناء تلك المؤسسة المحترمة التى تبرع فيها الأطباء بأجورهم والتى تقدم خدمة جليلة لقطاع كبير من الأطفال المرضي.

‎تنتهي: اتمنى أن تكون هناك رقابة على مثل هذه الاعلانات التى تؤلمنا عاطفياً ونفسياً وتنتهك خصوصية المرضى وتستغل حاجتهم الى العون والمساعدة.

‎تماسك اجتماعي

‎يقول د. عاصم الدسوقى استاذ التاريخ بجامعة حلوان: ان الاقبال على فعل الخيرات مرتبط بالعادات والأخلاق المصرية وهى عادة قديمة قدم الحضارة. الناس تعطى دون انتظار مقابل. وهذا من شأنه العمل على تقليل حاجة الانسان المحروم، حتى الآن هناك ناس تنفق على أسر فقيرة بعيداًعن الجمعيات الخيرية وهذا بالطبع يؤدى الى التماسك الاجتماعى بين المصريين وبالتالى أفكار مثل موائد رمضان أفكار محمودة وكلها لها أصل تاريخي، ففكرة الافطار الجماعى يعود الى زمن الفاطميين حيث كانت الموائد تقدم للفقراء والمحتاجين عملاً بنصوص القرآن الكريم. والعطاء طبيعة أصيلة من طبائع المصريين حتى فى الغربة، نجد أن المصرى يعيش بنفس هذا السلوك ويقدم المساعدة لمن يحتاج اليها بمنتهى البساطة. فقد يسير فى الشارع فيسأله شخص ما عن مكان مصلحة أو محل. هذا المصرى يكاد أن يأخذ السائل من يده حتى يصل الى المكان الذى يريده. وهذا ما لم يحدث معى عندما كنت فى سافرت الى بريطانيا فى عام 1974 وحاولت أن أسأل عن مقر دار المحفوظات. فكلما سألت أحد عن هذا المكان أدار وجهه عنى ورفض ارشادي.والبعض نظر الى باحتكار. الى أن وقفت فى المحطة واذا بمصرية تقبل على وتبادرنى بالسؤال انت مصري. ولم تتركنى حتى أرشدتنى كيف اتحرك بناءً على الخريطة البريطانية.

‎ضرائب تصاعدية

‎تقول فريدة النقاش: أود أولا أن أحيى القادرين الذين يتبرعون ويؤدون أموال الخير ولكن أعرف الكثيرين الذين يحرصون على الزكاة ويتهربون من الضرائب. والأحرى بالأغنياء أن يمزجوا الزكاة والضرائب معاً. وأعمال الخير لن تحل مشكلة الفقر، صحيح أنها سوف تخفف منه فى بعض المواسم مثل الشهر الكريم. الأغنياء يقدمون موائد الرحمن . والعطف على الفقراء ليس حلاً. الحل يكمن فى اعادة النظر فى مجموعة السياسات الاجتماعية والاقتصادية فى البلاد لتخفيف حدة الفقر والاتجاه الى القضاءعليه. وهناك مجموعة من الاجراءات اتخذتها البرازيل ونجحت فى الحاق 40 مليون مواطن برازيلى بالطبقة الوسطى من اجمالى عدد سكان 160 مليون. وهناك اجراءات على الحكومة أن تتخذها بشجاعة أولها العمل بالضراءب التصاعدية وهى آلية معمول بها فى البلدان الرأسمالية. وقد استطاعت أوروبا من تخفيف حدة الانقسام الاجتماعى بين الطبقات بهذه الآلية. أما نحن فى مصر فقد خفضنا الضرائب عن أصحاب المليارات من 25% الى 22/5%. علينا أن نطبق آلية الضرائب التصاعدية كلما زادت الأرباح. والضرائب على البورصة آلية معمول بها فى كل بلدان العالم. والانفاق الاجتماعى كبير ومحتاج الى تغذية مستمرة ولن يحل الا بالضرائب التصاعدية كما هو معمول به فى كل العالم الرأسمالى وهذه الآلية ليس لها علاقة بالاشتراكية. وهى مصدر من مصادر الانفاق الاجتماعى وتذويب الفوارق. وهذان اجراءان عاجلان لا بد منهما لانتشال حوالى 40% من المصريين الذين يعيشون تحت خط الفقر وفقاً لتقرير البنك الدولي. وللأسف تنحدر غالبية الطبقة الوسطى الى الطبقات الشعبية وليس من المعقول أن تصعد أقلية عبر علاقات مع السلطة وما يعرف بزواج السلطة بالثروة. يصعد البعض وتنحدر الأغلبية. والاجراءات الاقتصادية من شأنها أن تعين الفقراء والوسطى على مواصلة الحياة وهذا لن يكون لمصلحتهم فقط ولكن الاصلاح يكون فى اطار عملية شاملة لمصلحة البلد وتطوير الأوضاع فى مصر بصفة عامة حتى يكون الناس منتجين وليسوا مقيدين فى ساقية البحث عن الرزق. وقد حدد الدستور المصرى نسبة من الناتج القومى الاجمال بمقدار 4% للانفاق على الصحة، 3% للانفاق على التعليم. وللأسف تجاهلت الموازنة التى عرضت على البرلمان هذه النسب لأن الحكومة مواردها تقليدية وأغرقتنا فى الديون.

‎تنتهي: الاغراق فى الديون مأساة كبيرة ولا بد من نظرة اقتصادية اجتماعية تدع الأمور فى نصابها وتفتح الباب لزيادة موارد الدولة للانفاق على التعليم، الصحة، النقل الى آخر الاحتياجات التى حددتها الأمم المتحدة والتى تزيد كل عام ولم تعد تقتصر على الكساء والدواء وغيره بل امتدت لتشمل حق الانسان فى بيئة نظيفة.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق