رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

ماذا يعنى حكم القانون؟

مع كل حادثة فى أرض مصر ترتفع الأصوات، وتتفجر البطولات، وما هى الا ايامٌ معدودات، وترجع «ريمه لعادتها القديمة» وكأن شيئاً لم يحدث، ذاكرة سريعة النسيان، هى السبب فى بقاء المصرى الحزين على قيد الحياة، والا كان مع المنقرضين مع الكائنات الخرافية.

فضيحة قرية الكرم فى المنيا ليست مجرد حادثة مثل باقى الحوادث، بل كارثة من أسوأ الكوارث، لأنها تكشف الى أى مدى وصل الانحطاط الأخلاقى فى المجتمع المصري، فلقد ضاعت المروءة والشهامة والرجولة، ولم يبق إلا أصنام من البشر، تحركها الغرائز البهيمية بكل أنواعها؛ من الطعام الى الجنس الى الانتقام الوحشي؛ الذى تترفع عنه بعض فصائل الحيوانات المفترسة.

ومما يفاقم الموقف ويزيده سوءاً ارتفاع أصوات من كل الأطراف، وعلى كل المستويات تطالب بتطبيق القانون، وحكم القانون، ورفض الصلح والحلول العرفية، ومعهم فى ذلك كل الحق، فلا بد من تطبيق القانون على كل من أجرم، ولكنهم أخطأوا الحقيقة كاملة، وضلوا الطريق، ونسوا أننا فى مجتمع عرفى من قمة رأسه الى أخمص قدميه، ولو كان هناك حكم للقانون حقيقى فى مصر، لكان معظم المنادين بحكم القانون قد ابتلعوا ألسنتهم وسكتوا الى يوم القيامة، أو قابعين فى السجون .

المجتمع المصري؛ أيها السادة الأكارم محكوم بالعرف والتقاليد، وبعيدٌ جداً عن حكم القانون، واسمحوا أن أقدم الدليل فى نفس الموضوع المتعلق بالعلاقة بين المسلمين والمسيحيين:

أولا: حكم القانون يستوجب أولا أن يكون هناك قانون، وأولى خصائص القانون؛ أن تكون قواعده عامة ومجردة، أى لا تعرف التمييز على أساس الدين أو اللون أو اللغة أو المنصب أو الطبقة، وهذا يعنى أن يتم التعامل مع الجميع على قاعدة المواطنة، فلا تمييز سلبى أو ايجابي.

ثانياً: حكم القانون يستوجب ألا يكون هناك شئ اسمه «بيت العائلة» وان وُجد؛ أن يقتصر دوره على العمل الخيري، والثقافي، وألا يكون له علاقة بالقضايا التى تقع تحت طائلة القانون، ولا يقوم بدور من المفترض أن تقوم به مؤسسات الدولة، و أجهزة انفاذ القانون.

ثالثاً: حكم القانون يستلزم أن يتعامل المواطنون مع أجهزة الدولة كمواطنين، وليس كأعضاء فى طوائف أو قبائل أو شعوب داخل الشعب الواحد، وأن يكون تمثيل المواطنين طبقا للقانون، ومن ثم لا يحق للمسجد أو الأزهر أن يتحدث باسم مواطن مسلم، ولا يحق كذلك للكنيسة أو الكاتدرائية أن تتحدث باسم مواطن مسيحي، ومن يفعل ذلك يعتبر متعديا على القانون، لان القانون يعطى الأهلية القانونية بشروط، ويحدد من يجوز لهم الوكالة عن المواطنين؛ وهم والمحامون، والمحامون المرخص لهم بذلك فقط، ومن ثم لا يحق لأى راهب أو قسيس أو شيخ مسجد أن يتحدث باسم أى مواطن من دينه، أو يتبنى قضيته فى مواجهة مواطن آخر، أو فى مواجهة الدولة، ومن يفعل ذلك يعتبر متعدياً على القانون مغتصباً للسلطة، ويخضع لحكم القانون.

رابعاً: حكم القانون يستوجب أن يكون لرجال الدين من جميع الأديان أدوارٌ يحددها القانون، واللوائح التنظيمية التى تضعها المؤسسات التشريعية، ولا يجوز لهم الخروج عنها، أو ممارسة أى نشاط خارجها، وهنا سوف يقتصر دور الشيخ على المسجد والأعمال التعبدية والفقهية والروحية، وكذلك دور القسيس أو الكاهن أو الراهب، ولا يجوز لأى منهم الخروج الى الشارع للقيام بعمل سياسي، أو الظهور فى وسائل الاعلام للتعبير عن رأى سياسي، أو التدخل فى الشأن السياسى الداخلى أو الخارجي، ومن يفعل ذلك يدخل تحت طائلة القانون، ويخضع للعقوبة، لأن مركزه الدينى يجعل من دوره السياسى خطراً على المجتمع.

خامساً: حكم القانون يستلزم ألا يقوم كل من شيخ الأزهر وبابا الإسكندرية بالأدوار التى يحددها لكل منهما القانون، ولا يجوز أن يتم التعامل معهما كشخصيات سياسية، لان ذلك سوف يقود الى حالة من الفوضى على مستوى أتباع الديانتين، ويخلق صراعات داخل كل دين، وبين الأديان.

سادساً: حكم القانون يتطلب أن تكون جميع دور العبادة خاضعة لحكم القانون، وهذا يتطلب أن تكون هناك عدالة ومساواة بين أتباع جميع الأديان، فكما يحق للمسلمين انشاء مساجد، وزوايا تحت العمارات، يجب أن يتمتع المسيحيون بنفس الحق، وفى كلتا الحالتين يجب أن يكون كل ما يقال ويقدم داخل دور العبادة تحت عين الدولة، ومراقبا من قبلها حتى لا يظهر متطرفون من كلا الطرفين، ولا يجوز طبقا للقانون أن يمارس أى عمل بصورة سرية سواء تعليم الأفكار الاسلامية التى تدعو الى التعدى على المسيحيين فى المساجد والزوايا، أو تكوين جيل من الأقباط يتعلم باللغة القبطية أفكاراً تجعله ينظر الى جيرانه كمستعمرين راحلين.

سابعاً: حكم القانون يستوجب أن يتم التعامل بصورة متساوية بين المسجد والكنيسة، فاذا كانت الدولة تدير أوقاف المساجد فلابد أن تقوم نفس الوزارة بادارة أوقاف الكنيسة، أو يترك للمسجد والكنيسة ادارة أوقافهما، وفى نفس الوقت اذا كان لا يحق للمسجد البناء على أرض مملوكة للدولة الا باذن من الدولة، فلا يحق للأديرة المنتشرة فى مصر الاستيلاء على الاف الأفدنة الا باذن من الدولة.

ثامناً: حكم القانون يستلزم أن يتم تطبيق القانون فى جميع الحالات دون انتقاء، فاذا كان الحل العرفى والصلح مرفوضا فى حادثة المنيا، فلابد أيضا أن يتم رفض الحل العرفى فى حادثة استيلاء مجموعة تدعى الرهبنة على ثلاثة عشر ألف فدان بما فيها محمية طبيعية فى وادى الريان، ولابد أن يتم التعامل مع هؤلاء كما يتم التعامل مع الخارجين عن القانون؛ خصوصا أن بابا الاسكندرية لم يرخص لهم الدير، وليسوا رهباناً معتمدين، وانما تمسحوا فى زى الرهبان للاستيلاء على أراضى الدولة ومحمياتها الطبيعية.

تاسعاً: حكم القانون يلزم جميع العاملين فى أجهزة الاعلام العامة والخاصة أن يلتزموا حدود الأداب المرعية؛ فلا يستخدموا ألفاظاً فيها اهانة؛ حتى فى حق القتلة والمجرمين، لأن المجرم انسان له كرامة، ولا يحق لأحد اهدار كرامته لأنه أجرم، ومن يتعرض لذلك يحق له - كما فى الدول التى تعرف حكم القانون - رفع قضايا تعويض ورد اعتبار بالملايين على أى وسيلة اعلامية تنال من كرامته، أو توجه اليه ألفاظ غير لائقة، ولو تم تطبيق ذلك فى مصر لأُغلقت الفضائيات، وكان السجن فندقاً للنجوم.

هذه بعض مظاهر حكم القانون فى موضوع فضيحة المنيا الأخلاقية، فلو تم تطبيقها اين سيكون موقع من يطالبون بها الآن؟

وختاما: يراودنى سؤال: لماذا تنفجر حوادث الفتنة الطائفية فى أوقات بعينها، حوادث ماسبيرو بعد نجاح ثورة يناير التى شهدت أجمل وأعظم صور التلاحم بين المسلمين والأقباط، وحادثة المنيا مباشرة بعد الزيارة الناجحة جدا التى قام بها شيخ الأزهر للفاتيكان وفرنسا، وبداية حوار مع الكنيسة الكاثوليكية.. هل هذه مجرد صدفة أم أن هناك أمرا آخر؟

لمزيد من مقالات د. نصر محمد عارف

رابط دائم: