رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

فكرى الخولى.. ورحلته البديعة

الكاتب الراحل صلاح حافظ، كان من أحب الصحفيين إلينا منذ خمسينيات القرن الماضي، وحتى نهاية الثمانينيات، كان كاتبا موهوبا، صادقا، جادا، ورشيق العبارة وخفيف الظل، كان أيضا يسارى الميول، فى وقت كنا كلنا فيه نحمل آمالا واسعة فى التقدم والإصلاح الاجتماعي، فجذبنا أيضا بالتزامه السياسى واستقامته. فوجئت منذ أيام قليلة، بأن وجدت له مقدمة لكتاب يحتوى على رواية (هى أيضا سيرة ذاتية) لكاتب لم أكن قد سمعت عنه قط، فإذا بى أجد صلاح حافظ يصف الكتاب، الذى صدر لأول مرة فى 1987، بـ«الزلزال»، وقال إنه «لم يسبق فى تاريخ الرواية العربية عمل من هذا الطراز»، اذا كان صلاح حافظ يصف هذه الرواية بهذا الوصف، فلابد أنها فعلا كذلك! فلما قرأتها، كانت المفاجأة الأخري، انى وجدتها تستحق من الثناء أكثر مما أسبغه عليها صلاح حافظ، واذا بها من أجمل ما قرأت من روايات أو سير ذاتية على الإطلاق.

المؤلف هو «فكرى الخولى»، واسم الكتاب «الرحلة» ونشرته دار الكرمة، وما أتكلم عنه هو الجزء الأول، ثم عرفت أنه صدر بعده الجزءان الثانى والثالث، نشرا لأول مرة فى 1991، و1992، ثم نشر هذان الجزءان مجتمعين فى مجلد واحد، منذ شهور قليلة عن طريق دار الكرمة أيضا، ولكن الجزء الأول رواية مكتفية بذاتها، قال عنها صلاح حافظ فى مقدمته، إن فكرى الخولى كان يروى له أحداثها، هو وبقية المسجونين بتهمة الشيوعية أو الماركسية أو الاشتراكية، فى سجن الواحات فى أوائل الستينيات، وأن صلاح حافظ فُتن بما كان الرجل يرويه لهم، فألح عليه أن يكتبها، فإذا به يبدأ فى كتابتها وهو فى السجن، على ورق البفرة وعلب الكبريت ووريقات علب السجائر، ثم يجرى تهريبها من السجن لتجمع فى كتاب.

يذكر صلاح حافظ أيضا فى المقدمة، نقطة مهمة هى أحد الأسباب التى جعلته يصف الرواية بأنها كالزلزال، ذلك أننا لم نألف من قبل أن نقرأ رواية بقلم فلاح أو عامل، يصور فيها حياته كما يراها بعينيه، فرواية «زينب» الشهيرة كتبها محمد حسين هيكل باشا، صاحب الأطيان، ورواية «يوميات نائب فى الأرياف» كتبها توفيق الحكيم وكيل النيابة.. الخ، أما كاتب هذه الرواية فكرى الخولي، ففلاح وعامل «وكل سطر فى روايته الفذة حقيقة عايشها بنفسه»، وأضاف صلاح حافظ «فى اعتقادى أنه سيمضى وقت طويل جدا قبل أن يظهر عمل أدبى مشابه فى مصر والبلاد العربية».

ولكن صلاح حافظ يذكر صفة فريدة أخرى فى الرواية، ذلك أنها تغطى مرحلة فى تاريخ مصر المعاصرة، هى التى نشأت فيها الصناعة المصرية الحديثة على يد طلعت حرب وشركات المحلة الكبري، وقد صاحبت هذه النشأة آلام كثيرة وكان لها الكثير من الضحايا من المصريين، تجاهلها الأدب المصرى تمامالسبب بسيط، هو أن الصناعة فى مصر نشأت نتيجة صراع مع صناعة المستعمر الأجنبي، فكان طابعها الوطنى يمنع الرأى العام المصرى والعمال المصريين من التشهير بآثامها، وها هى هذه الرواية تأتى الآن لتؤدى هذا الواجب.

< < <

هذه الرواية من السهل جدا تلخيصها، ولكن من الصعب حصر مزاياها، إنها تروى قصة فلاح مصرى فقير، فتبدأ بمولده وتنتهى قبل أن يبلغ العشرين من عمره، فى أثناء ذلك يحصل القارىء على وصف بارع لأسرة ريفية فقيرة فى مصر فى الربع الأول من القرن العشرين (ولد المؤلف فى 1917)، فعل المستحيل فى سبيل كسب الرزق، ولكن يخفف من معاناتها ما ينشأ بين أفراد الأسرة وأقاربهم، وجيرانهم من علاقات إنسانية حميمة، كما تصف الرواية حياة هذا الصبى فى المحلة الكبري، الذى اضطر مثل مئات غيره من الشباب والصبية القرويين، الى الذهاب إليها للعمل فى أحد المصانع الجديدة للغزل والنسيج، فلا تقل معاناتهم هناك عما تعانيه أسرهم فى قراهم، ولكنهم يضطرون الى البقاء فى المدينة الكبيرة رغم ذلك، حتى يدخروا من قروشهم الزهيدة ما يساعد أسرهم على الاستمرار فى الحياة.

يعيش هؤلاء الفتية فى المدينة، عشرة أو أكثر فى الحجرة الواحدة، يحلمون بأيام الإجازات التى يعودون فيها الى أهاليهم، فتتحول القرية حينئذ الى عرس حقيقي، حيث يقابلهم الأهل والجيران بالزغاريد والعناق والقبلات منذ أول خطوة يخطونها فى القرية، وحتى يأتى يوم الفراق والوداع والبكاء.

من أجمل مقاطع الرواية وصفه هذا اللقاء ثم الوداع، هذا الوصف الصادق للمشاعر، والخالى من أى عاطفية مصطنعة، ولا أذكر انى صادفت فى رواية أخرى مثل ما وجدته فى هذه الرواية من وصف لاختلاط مشاعر الحزن بالفرح فى وداع الفتية المغادرين فى الصباح التالى الى المدينة الكبيرة، إذ تجتمع الأسر وتبكى الأمهات، ولكن تصر الفتيات من الأقارب والجيران على أن يتركن فى قلوب الشباب المغادر ذكرى لجمالهن ودلالهن، فتأتى إحداهن بطبلة ويشرعن فى الرقص، وسرعان ما يتخلصن من المناديل التى تغطى الرءوس، وينسال الشعر على الصدور..الخ.

لا أذكر أيضا أنى صادفت فى رواية أخرى وصفا بهذه العذوبة، لموقف من مواقف الغزل والمداعبة الجنسية، كالذى قرأته فى هذه الرواية بين بطل الرواية (فكري) الذى لم يبلغ العشرين، وبنت من أقربائه (رقية) التى تكبره بسنتين أو ثلاث، إذ تقوده الى حقل من حقول الذرة، وتبذل جهدها، وهو الساذج الغشيم عديم التجربة فى هذه الأمور، لكى تحصل منه على قبلة، مستخدمة فى ذلك الحيلة وهى أن تدعوه الى مصارعتها كما كان يصارع بالأمس بعض الفتية من أصدقائه، يجرى هذا الوصف دون أى بذاءة بالطبع، ودون أى كلام صريح، فتحل المشاعر الإنسانية محل الإثارة الجنسية، مما يجدر أن يقرأه بعض المدافعين عن روايات بذيئة بزعم ضرورة الكلام الصريح عن الجنس، أو الزعم بأن كل شيء يجب أن يقال.

فى الرواية أيضا وصف مؤثر، لنظرة الريفيين فى مصر الى أهل الحضر (أو البندر) وتمنيهم أن يصبحوا مثلهم، إن اسم البطل نفسه (وهو المؤلف)، فكري، مثال واحد على هذا التمني، إذ يسمع أبوه هذا الاسم لأول مرة فى أثناء اشتغاله كعامل بناء فى القاهرة، وهو واقف على إحدى السقالات فى الدور الرابع، سمع إحدى الأمهات تنادى: «يا فكرى يا ولد تعال كلم أبوك»، لم يصدق أن هناك ولدا بهذا الاسم وقال لنفسه: «أصل احنا فى مصر، ومصر كلها متعلمين، وعشان كده فيها أسماء كهذه»، ثم عاد الى زوجته الحامل فى القرية وأنبأها بأنه أحضر لها هدية من مصر، فلو كان المولود ذكرا يجب أن تسميه فكري.

ثم يذكر المؤلف فى موضع آخر، كيف يفسر أهل القرية جمال نساء البندر وبشرتهن البيضاء، بالمقارنة بنسائهم، بأن أهل البندر لا يتعرضون لأشعة الشمس المحرقة.

فى الرواية إذن مادة ثرية للباحث الانثروبولوجى المهتم بمعرفة أحوال وطموحات الفلاحين المصريين (على الأقل كما كانت فى النصف الأول من القرن العشرين)، ولكنها ثرية أيضا بالتعابير والأمثال العامية، البالغة الجمال والدلالة، والتى لا تخلو منها أحاديث الطبقات الأقل تعليما فى مصر، والتى يخشي، إن لم نعمل على تسجيلها، أن تنسى ثم تندثر مع انتشار التعليم (أو ما يشبه التعليم)، وزحف الحياة الحضرية على الريف.

بعد أن أتممت قراءة الجزء الأول، عرفت بوجود الجزءين الآخرين، فتشوقت بالطبع الى قراءتهما، ولكنى تعمدت تأجيل ذلك حتى أعبر عن مشاعرى عن الجزء الأول البديع، والذى لا يحتاج الى ما يضاف إليه أو يزيده جمالا.

لمزيد من مقالات د‏.‏ جلال أمين

رابط دائم: