رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

اجتهادات
ثقافة الاستبداد

اختلف شكل الاستبداد وطابعه من عصر إلى عصر، ومن مكان إلى آخر فى العصر نفسه. ويعرف دارسو فلسفة نظم الحكم هذا الاختلاف الذى كان اكتشافه جزءاً من تقدم حدث فى هذا الفرع من فروع العلوم السياسية.

وأتاح ذلك مثلاً فهم فروق دقيقة لم تكن واضحة بين نظم حكم كانت تبدو متشابهة. وأحد هذه الفروق المهمة التى لم تأخذ حظها بعد فى دراسة النظم الاستبدادية يتعلق بطبيعة من يحملون خطابها السياسى ويدافعون عنها فى المجال العام، وأصولهم وخلفياتهم. ومن أهم جوانب هذا الفرق الاختلاف فى مستوى ثقافتهم وحدود معارفهم.

وهنا يظهر فرق مهم بين استبداد يستند على خلفية فكرية أو فلسفية يسارية كانت أو يمينية، وثان يعتمد على شبكات مصالح كبرى تُمَّثل السلطة المطلقة أداة لها، وثالث تبدو هذه السلطة لديه غابة أكثر من كونها وسيلة لتحقيق أهداف معينة. ويتميز النوع الأول من الاستبداد بوفرة المثقفين الذين يدافعون عن اعتقاد فى أنهم ينحازون إلى نموذج مثالى من القيم والأفكار. أما النوعان الآخران فهما يفتقران إلى هذا الصنف من المثقفين الذين يملكون أدوات فكرية، ويقدمون دفاعاً متماسكاً عن النظم التى يؤمنون بأنها تُحقق الخير. ولكن النوع الثانى الذى يعتمد على شبكات مصالح قوية يجد بعض المثقفين وأشباههم يعملون لمصلحته، بخلاف النوع الثالث الذى يواجه أزمة كبيرة فى هذا المجال.

ولذلك تتركز أزمة الاستبداد على هذا الصعيد فى نوعه الثالث الذى لا يستطيع جذب حتى أنصاف مثقفين، وخاصة حين يكون نظام الحكم فى هذا النوع أكثر انغلاقاً وأقل وضوحاً وأشد غروراً، أو عندما يفتقد أى برنامج حتى إذا كان هلامياً يتيح لأشباه مثقفين أن ينطلقوا منه. ولذلك يكون هذا النوع من الاستبداد قبلة لمن يسعون إلى تحقيق مصالح خاصة عبر الدفاع عنه، أو يخشون المجهول فى حالة عدم وجود بديل واضح عنه. ونادراً ما يكون بين هؤلاء وأولئك من يملكون سوى شعارات خاوية، ولكن كثيراً ما يكون فى أوساطهم من يجيدون شن حملات لتشويه المختلفين مع نظام الحكم وإلحاق الأذى بهم, والمزاودة على هذا النظام نفسه لدفعه الى مزيد من الانغلاق ليظل معتمدا عليهم وغير مدرك خطرهم عليه. وغالباً ما تكون هذه نقطة ضعف أساسية فى بنية الاستبداد الذى يعتنق ثقافة القوة، ويستهين بقوة الثقافة، بما فى ذلك ثقافة الاستبداد نفسها.


لمزيد من مقالات د. وحيد عبدالمجيد

رابط دائم: