رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

قلم أسامة فى قلب المعركة

في ظل حرب شرسة يخوضها الجيش المصري الباسل ضد الجماعات التكفيرية في سيناء، تلك الحرب التي يدافع فيها المصريون عن قيم الدولة المدنية في مقابل دولة الملالي، وصكوك الخلافة الوهمية التي يسعى القتلة والمتطرفون إلى التكريس لها عبر الإرهاب الغادر، وفي ظل نجاحات حقيقية تكشف عنها البيانات الرصينة لقواتنا المسلحة، ثمة طفل صغير في قرية تابعة للشيخ زويد بشمال سيناء، يمسك بيده الصغيرة قلما ويكتب عبارة واحدة، موجزة وبليغة ونافذة إلى الروح: "أمي ماتت. ومات معها كل شيء"، يا الله على كل هذا السحر الكامن في تلك الجملة، لقد هرمنا حقا بحثا عن نموذج إنساني حقيقي، غير مفتعل، وغير موظف في إطار تشكيل الفضاء العام، وربما كانت التلقائية الشديدة التي صاحبت الجملة التعبيرية الوارفة للطفل الصغير أسامة أحمد حمد، التلميذ بالصف الخامس الابتدائي في إدارة الشيخ زويد التعليمية بسيناء، سببا مركزيا في التلقي المدهش لها من جموع المصريين، فالولد الذي عانى اليتم مبكرا، يأتي مختزلا جملة من المشاعر الإنسانية النبيلة، التي تخلق بلاغتها الخاصة، المعتمدة على الإيجاز والتكثيف الشديدين، وبما يعني أن هذه الجملة التي جاءت في سياق الإجابة عن كتابة موضوع عن فضل الأم، في امتحان النقل بالصف الخامس الابتدائي، ومن ثم لم يجد الصغير سوى هذه العبارة البديعة ليكتبها، فأصبحنا أمام جملة نافذة إلى سيكولوجية القاريء من جهة، ودالة على مجموعة من القيم الغائبة في مجرى الحياة اليومية من جهة ثانية.

هكذا تولد الموهبة، وبمثل هذا تتحقق إنسانية الإنسان، فالحادثة التي بدت بسيطة في ظاهرها إنما تمثل في جوهرها انحيازا إلى كل المعاني الإنسانية الخالدة، خاصة وأن السياق المحيط بالطفل النابه أسامة أحمد حمد يبدو دافعا إلى مزيد من التعاطف معه ومع آلاف التلاميذ الصغار في مثل ظروفه، فالولد الذي فقد أمه في عام 2012، يعمل باليومية التي لا تتجاوز الخمسة عشر جنيها، يأتي بها كل مساء إلى والده القعيد، في بيت متهالك من الصفيح.

وحسنا فعلت وزارة التربية والتعليم في شمال سيناء بالالتفات إلى هذا الطفل الذكي، وبما يعني أننا أمام إدراك حقيقي لجوهر الفعل النبيل الذي اتسمت به جملة التلميذ الفطن، المسكون بمشاعر حقيقية تدفعه للبكاء كلما جاء ذكر الأم التي مات معها كل شيء بحسب تعبيره البليغ.

إن الواقعة السابقة بدلالاتها المختلفة، إنما تدفع إلى مزيد من التساؤل والتأمل في الواقع الاجتماعي المصري، فالموهبة التي يتمتع بها الصغير معرضة للأفول، والتلاشي حال استمرار الأوضاع القاسية التي يحيا فيها، وليس هذا مصادرة على المستقبل قدر ما هو قراءة تعتمد على المعطى الراهن، وبما يعني أن النماذج المضيئة التي تظهر بين الحين والآخر إنما تحتاج إلى رعاية حقيقية، وحدب شديد على خمائر المستقبل المسكون بالأمل والحياة.

ثمة يد تمسك السلاح إذن في سيناء العزيزة، ويد أخرى تمسك بالقلم، وفي معركة مصيرية مثل معركتنا مع الإرهاب الدامي لابد وأن يصبح القلم عونا للسلاح في مواجهة الهجمة البربرية الشرسة من جماعات الكهوف التي تحيا خارج الزمن والتاريخ.

ويتحقق التلاحم المنشود بين القوة الفاعلة للدولة المصرية وقلم أسامة الصغير وأقرانه من النابهين في سيناء وغيرها من البقاع المصرية عبر إعطاء التنمية أولوية مطلقة في سلم أولويات اللحظة الراهنة، وبما يعني أن التنمية تعد الممر المركزي للنفاذ إلى الواقع الاجتماعي وتحسين اشتراطاته الحياتية واليومية لناسنا وجماهير شعبنا.

ليس ثمة شيء أقسى على الروح من الفقد، وليس هناك أنبل من الوفاء لمن رحلوا، وربما يبدو الطفل الصغير أسامة أحمد حمد وفيا ونبيلا بأكثر من آخرين في مثل عمر أبيه أو أكبر قليلا، لكنهم لا يتوقفون عن الصراخ اليومي على مواقع التواصل الاجتماعي وغيرها من الوسائل التقنية بحثا عن دور تارة، أو مزايدة على الوطن تارة ثانية، هؤلاء لا يتورعون عن بيع المعنى عند أول ناصية طريق، فتهتز القيمة، وتصبح وجهة نظر عبثية وفوضوية في الوقت نفسه.

إن البساطة الآسرة التي بدا عليها التلميذ السيناوي الصغير تعد نقيضا لمجموعات من النخب تحتفي بالرطان أكثر من احتفائها بالمعنى، وليس لديها أي مانع من الرقص على جثة الثوابت الوطنية طالما تحققت مصالحها، هؤلاء الذين لا يجدون أي مفارقة بين أن يطرحوا خطابا تقدميا وطليعيا ثم يقفون في آخر النفق مع قوى الرأسمالية المتوحشة واليمين الديني!، هؤلاء ولاؤهم الأساسي لدولة رجال الأعمال التي تدفع أكثر، ولأنظمة إقليمية متخلفة تدعم جماعات التطرف والإرهاب، ولدول مركزية في العالم لم تزل تتعامل معه بوصفه قطعة شطرنج كل ما فيها خاضع للسيد الإمبريالي الجديد.

وبعد.. إن هوامش الفعل الإنساني النبيل الذي تجلى في جملة سامقة كتبها طفل مصري، دليل حقيقي على حيوية الأمة المصرية وقدرتها على التجدد والاستمرار، هنا تصبح الحياة أبهى، ويصبح فائض القوة المصرية بحاجة ماسة إلى تدعيم حقيقي من قبل المؤسسات التعليمية والثقافية، وإن بدا الراهن الثقافي الرسمي عجوزا وكسولا في آن، محاطا بسياج من الموظفين البيروقراطيين الذين لم يدركوا بعد أن الخطاب الثقافي لا بد وأن يعمل على بلورة الخطاب العام للدولة الوطنية، لكن يبدو أن المؤسسات الثقافية رضيت بعجزها ورضي عجزها عنها!، ولم يعد من أمل سوى في جيل أسامة الصغير ورفاقه من الحقيقيين.

لمزيد من مقالات د.يسرى عبد الله

رابط دائم: