رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

ماذا قال طاغور فى القاهرة.. منذ تسعين عاما؟

عادت إلى الأذهان ذكرى الشاعر الهندى العظيم رانبدرانات طاغور، بما أقامته الهند، فى الأسبوعين الماضيين من احتفالات فى مصر بمناسبة ذكرى مولده فى 7 مايو 1861.

لم يكن طاغور شاعرا عظيما فحسب، بل كان أيضا رجلا حكيما جدا، من ألطف ما قرأت عنه ويدل على حكمته، ما كتبه الى صديق له إنجليزي، تعليقا على حصول طاغور على جائزة نوبل فى الأدب فى 1913، كان طاغور أول آسيوى يحصل على جائزة نوبل فى أى فرع من فروع المعرفة على الإطلاق، فلا عجب أن أحيط الرجل بمختلف مظاهر التكريم، والتبجيل، احتفالا بهذا الفوز العظيم، ولكنه، كما هو متوقع من رجل مثله، رأى فى هذه الضجة الكبيرة، إلى جانب ما تثيره من سرور، ما يدعو أيضا إلى السخرية، إذ يلتفت الناس الى الرجل وإنجازاته، بسبب الجائزة، أكثر بكثير مما التفتوا إليه قبلها، مما يذكرنا أيضا بما حدث عندنا مع نجيب محفوظ، إذ أصبحت معاملة المصريين له بعد حصوله على جائزة نوبل مختلفة جدا عما كانت قبله، ولاحظ نجيب محفوظ ما أحدثته الجائزة من اهتمام زائد لدى الناس، فقال مرة «إننى أصبحت موظفا عند نوبل!».

أما طاغور فقد كتب الى صديقه الانجليزى معلقا على ما أثير حوله من ضجة، إن حالته تشبه حالة كلب قام البعض بربط ذيله بعلبة فارغة من الصفيح، فإذا به يحدث ضجيجا هائلا كلما جرى وأينما ذهب، لقد رأى طاغور فى الجائزة شيئا منفصلا تماما عن نفسه وعن قيمته الذاتية، وأن دلالة هذه الجائزة على هذه القيمة الذاتية تشبه حجم ما تحدثه علبة الصفيح من ضجيج كلما تحرك الكلب من مكانه.

< < <

وقد قامت جريدة الأهرام مشكورة (فى عدد 17 مايو الماضي) بنشر صفحة كاملة عن زيارة قام بها طاغور لمصر منذ تسعين عاما (فى ديسمبر 1926)، والتقى خلالها بعض المفكرين المصريين البارزين، منهم أحمد شوقى وطه حسين والشيخ مصطفى عبدالرازق، ونشرت الأهرام بعض ما نشرته الصحف الأسبوعية المصرية عن هذه الزيارة، ومن بينه حديث نشرته صحيفة السياسة الأسبوعية، وتضمن كلاما بديعا عن رأيه فى الدين، هو ما دفعنى الى كتابة هذا المقال، إذ إن مثل هذا الكلام نادرا ما يقال الآن، وسط ما نسمعه يوميا عن الدين والتدين، ولا يدل إلا على تعصب ذميم، أو ضحالة فى الفكر، أو كليهما.

قالت الصحيفة، منذ تسعين عاما، إن «أحدنا» سأل طاغور: «ألم تفكر فى توحيد ما بين المسلمين وغيرهم من أهل الهند من الناحية الدينية، بأن يتوحد مذهب أولئك وهؤلاء فى الدين مثلا؟»، كانت إجابة طاغور (طبقا لما نشرته السياسة الأسبوعية) كما يلي، «وقد ذكرت الجريدة أنه أدلى بهذه الإجابة «فى قوة وشدة»):

«كلا، ما فكرت فى ذلك، وما ينبغى أن يفكر فيه أحد.. وهو إن تحقق يضر أكثر مما ينفع، ولا يعود على الإنسانية إلا بالخسارة الشديدة، فأنتما تعلمان أن الدين هو لون من ألوان التعبير الإنسانى عن العواطف والميول والمثل العليا، وأن هذا اللون من ألوان التعبير متصل أشد الاتصال بأمزجة الأفراد والأمم، ممثل لها تمثيلا صادقا قويا، فمن الثروة للإنسانية (أى ما يثريها) أن تحتفظ بهذه الألوان المختلفة التى عبرت بها الأمم والشعوب عن عواطفها وميولها إلى الحق الذى لا حد له، ومن يحاول محو دين من هذه الأديان إنما يبدد بنوع ما (بشكل ما) شيئا من هذه الثروة القيمة التى يجب أن تحرص عليها الإنسانية، إنك لا تستطيع أن تستغنى بدين عن دين لأن كل دين، كما قلت، مظهر قوى لمزاج الأمة التى تدين به، وهو طريق من الطرق التى تسلكها الإنسانية الى الجمال والحق والمثل الأعلي...».

واستطردت الصحيفة:

«قال أحدنا: ولكنك ترى من غير شك أن الإنسانية فى حاجة الى أن تتحد مثلها الأعلي، واذا لم تستطع الديانات أن تمثل هذا المثل الأعلى المشترك، فما السبيل إليه؟».

فأجاب طاغور:

«إن المثل الأعلى للإنسانية يجب أن يكون واحدا، ويجب أن يكون مشتركا، وهو هذه الحقيقة المطلقة التى لا حد لها، ولا سبيل الى استيعابها، ولن يؤثر اختلاف الديانات فى هذا المثل الأعلي، من حيث إنه واحد مشترك تتعاون الإنسانية كلها على طلبه والسعى إليه، ذلك أن هذا المثل سيظل واحدا وان اختلفت الطرق إليه، وما الديانات المختلفة إلا طرق متباينة ولكنها متحدة الغاية، تنتهى كلها الى هذا المثل الأعلى المشترك.. وما دامت الديانات كلها سبلا الى هذه الحقيقة المطلقة، وما دامت فى الوقت نفسه متصلة أشد الاتصال بأمزجة الأفراد والجماعات، تمثلها أقوى تمثيل وأصدقه، فلا خير مطلقا فى محاولة محو بعضها أو إضعافه، أو تقوية بعضها دون بعض، وإنما الخير كل الخير أن تترك للأفراد والأمم الحرية الدينية التى تمكنها من أن تعلن شعورها وعواطفها وطموحها الى المثل الأعلى كما تريد، وكما تستطيع، ذلك يغنى الإنسانية ويضاعف ثروتها المعنوية».

< < <

تصورت ما يمكن أن يكون وقع هذا الكلام على أسماع الشخصيات العظيمة التى التقى بها طاغور فى مصر: على شاعرنا العظيم أحمد شوقي، وعلى أديبنا الكبير طه حسين، والباحث العظيم فى الفلسفة الإسلامية مصطفى عبدالرازق، الذى أصبح فيما بعد شيخا للأزهر، فرجحت، بناء على ما أعرفه عن اتجاه تفكيرهم ونظرتهم للدين، أن يؤيدوا جميعا ما قاله طاغور ويسروا به.

لم تتح لطاغور الالتقاء بمفكر مصرى عظيم آخر هو الشيخ محمد عبده، الذى كان قد توفى فى مطلع القرن، ولكنى رجحت أيضا أنه لو كان قد سمع ما قاله طاغور لأيده وسر به.

لقد كتب محمد عبده مرة، وهو يرد على من يتهم المسلمين بالتعصب، إن التعصب دخيل على الإسلام، ومن الأدلة التى قدمها على ذلك أن الإسلام أباح للمسلم أن يتزوج من كانت على غير دينه، وجعل من حقها عليه «أن تتمتع بالبقاء على عقيدتها، والقيام بفريضة عبادتها، والذهاب الى كنيستها أو بيعتها.. وهى بهجة قلبه وريحانة نفسه، وأميرة بيته وأم بناته وبنيه.. وما أجلى ما يظهر ذلك بين الأولاد وأخوالهم وذوى القربى لوالدتهم... ماذا ترى فى الزوجة الكتابية لو كانت من أهل النظر العقلي، وذهبت مذهبا يخالف مذهب زوجها؟ أفينتقص ذلك من مودته لها؟ أو يضعف من شعور الرحمة التى أفاضها الله بينه وبينها؟..».

< < <

كتب الشيخ محمد عبده هذا الكلام عن الاختلاف بين الأديان منذ أكثر من مائة عام، وقال الشاعر الهندى طاغور ذلك الكلام فى القاهرة منذ تسعين عاما، فلماذا لا نسمع مثله الآن، لا فى القاهرة ولا فى غيرها؟ ما الذى حدث فى العالم منذ ذلك الوقت فجعل هذا الكلام غريبا وغير مألوف، بل وأصبح الموقف الشائع ممن يحاول أن ينتصر لدينه، أن يقتل أصحاب الأديان الأخرى؟

لمزيد من مقالات د‏.‏ جلال أمين

رابط دائم: